الصفحة الأساسية > البديل الثقافي > إطلالة سجنيّة (1)
إطلالة سجنيّة (1)
27 تموز (يوليو) 2010

ها هي سجون البلاد تضرب لي موعدا جديدا مع الغياب عن الوطن. فما بين يوم 2 مارس 1997 و15 جويلية 2010 تضجّ الذاكرة بتواريخ العسف والتشريد، وبعد أن ظننت أنّ يوم 2 مارس 1997 سيكون آخر عهدي بالسجن وزيارات "البالروار" و"القفّة" والحرّاس والشوق والتلهّف الطافح الممتدّ بين جدار وجدار، ومابين قضبان وقضبان، ومابين ثوان الجليد وعتبات التشظّي..ها هي قدماي ترتدان 13 سنة إلى الوراء ..إلى زمن العبور إلى الوطن الممتدّ بين منفى ومنفى..

منفاي: المُهرة الراكضة الدائرة حول الأسوار، الجامحة للوعد..للفرح الآتي.

منفاي: اغتصاب الشفتين المتشققتين بالحنين، العابثة بكلمات الحبّ للسجين.

منفاي: طائر القفص الذي ذبحوه بالكلمات ينتفض عنقاء من رحم الرّماد.

يوم 2 مارس 1997 كنت أودّع أيّامي ألثمان مائة والأربعين قهرا، ألثماني وعشرون شهرا، رابضة بموعدي مع عينيه الطافحتين بتفاؤل الأنبياء وإيمان الشعراء ورقّة الربيع الساكن بين يديه. كان فاهم ينتظرني في ذلك اليوم أمام سجن النساء ب"منّوبة" فكيف لي أن لا أنتظره يوم 15 جويليّة 2014 أمام سجن قفصة أو أحد سجون البلاد الأخرى لأقول له لا يمكن أن تهزم في ما تبقّى من جبهات..

ها أنت يا رفيق الدرب تقفز عاليا على حدود النسيان، تقفز عاليا عاليا فوق الأسوار والعسس، ولأنّك لم تبرح يوما قلوب أصدقائك أراك كلّ يوم في عيونهم، أراك شارات نصر معلّقة على صدور زملائك وأحبّتك، أراك بطلا ملحميّا رغم دائك وأعدائك ورغم كلّ المُشكّكين والحاقدين.

من أجلك الآن لا عنوان لي سوى السجن و" البالروار"، ولا عنوان لي سوى عينيك القابعتين خلف القضبان، المتطلعتين للإنعتاق والحرّية. ومن أجلك الطفلة المُلتحفة شراسة وحنوّا ستتلهى بلحظة انتظار مُفرحة وستصمد وتتشبّث أكثر بالمكان.

عفاف


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني