الصفحة الأساسية > البديل الثقافي > الزّهْرة والصّخْرة
قصّة قصيرة:
الزّهْرة والصّخْرة
10 تشرين الأول (أكتوبر) 2010

بقلم: بلقاسم بنعبدالله

وما كَانتْ لترفُضَ الدَّعْوَة...

دَعاها على كأسٍ في أحد الزّوايا المُطلّة على البحر، كانت الحانة هادئة على غير عادتها، دون رُوادٍ كثيرين، ما عدا النّادل المتأهب للإنقضاض على "البقْشيش"، وامرأة تبدو غاضبة رغم هدوئها المُصطنع عبر تلك الابتسامات الصّفراء التي تُطلقها بين الحين والآخر باتّجاه النادل كلما قدّم لها كأسا. وفي طاولة غير بعيدة عن الشباك البلوري المُطلّ على البحر كان هناك رجلان يتهامسان بحديث لا يمكن تبيّن مُحتواه، كانا يصمتان كلما اقترب منهما أحدٌ.

لم يكن ثمة داع للإنارة، فأشعّة الشّمس المُتسلّلة عبر النوافذ البلّورية العريضة كفيلة بإضفاء رونق رومانْسيٍّ على المكان، الذي زاده لون البحر المعانق للسّماء روعة، مُشيعا حالة من الدفء كان يُرسلها بين الحين والآخر نحو الصّخور الضّخمة الرّابضة منذ زمن على ضفافه. وما كان الجوّ ليكون أكثر شجنًا من هذا المكان الذي دفعته إليه الصدفة، فهو لم يتعوّد مجالستها في الحانات.

كانت هادئة بنظراتها المُتخفيّة وراء العدسات البِلّورية، ببراءة الأطفال الصّغار تنطلقُ ابتسامتها، وأحيانا قهقهاتها كلّما علّق على شيء حتى لو كان غير ذي معنى. هكذا هي دائما في حِسّها الطفولي الذي لا يُفارقها حتى في أحلك الفترات. أعجبَها المكان.. ففيه تماهٍ لذيذ بين البحر والخمرة، شَعرت بالسعادة القصوى، لكنها لم تَبتعدْ عن بروتوكولات البدايات في الكلام.

كان يعلم أنها ستنطلق فجأة عندما يخترقُ الشّراب الأصفر حواجز صمتها، خاصّة وأن الموسيقى المنبعثة من الزوايا الأربع تنمّ عن ذوق مُميّز لصاحب المحلّ، فليس من الوارد أن تَنْزلقَ إلى وجدانك في مثل هذه الأمكنة أغاني للشيخ إمام وأميمة الخليل والبحث الموسيقي.

عَرفها ذات ليلةٍ وهو خلف مكْتبه البسيط المجهز ببعض الكراريس والكتب المنتقاة بعناية فائقة من أحد الشّوارع الخلفيّة للعاصمة، فقد كان من رُواد نهج "الدبّاغين" وله صُحبة فيه، ممّن رفضوا الانسياق في العولمة وآثروا نشر ما تبقى من أشلاء الثّقافة. مع كأس من الشاي الأخضر العَبِقِ بالنّعناع. في غرفة تُطلّ على ما تبقّى من مدينته الجميلة، مع ضبابة من الدخان، وصوت لشاعر ألهم أجيالا في كافة الأوطان، يتدفّقُ بكل جرأة ليلقي عليها التحيّة قبل أن يلتفت إليها. ما كانت لتَرفضَ التحيّة من شاعر الثّوْرَةِ والحُب ولا مِنْهُ، فقد وجد نفسهُ مرغمًا على استراقِ النظر إلى ملامحها الغجريّة، رغم أن حبيبها خالد قد لفّها بيديه منذ ولوجهما غُرفتهُ مُعلنا أنها له وحْدَهُ.

صافحتْهُ وانطلقت تاركة وراءها طيفا وعطرا. فهي في لهف إلى الإنفراد بحبيبها راغبة في أن تنتقل من لذة الكلام إلى لذة الجسد، من لذة الروايات إلى لذة الواقع، من لذة ذبذبات الهاتف الجّوال في آخر الليل إلى لذة الأنفاس الحارة.

أحبّتْهُ منذ البداية، فكلامه خفيف الظل يداعب فيها حسّها الأنثوي.

يَجمع خالد بين الطّرافة والجاذبية، بتلك العينين الواسعتيْن، وضحكته المستهترة، واللّحية السوداء الخفيفة المحفّفَة التي تذكرّك بأهالي جنوب لبنان، وملامحه الشّرقية تلك أرغَمتها على الوُقوع في حبّه منذ اللقاء الأول، قد حرّرَها خالد من عُقد عِشرين سنة خَلت. يَقول لها شعرا بنفسٍ هو خليطٌ بين أداء نزار قباني العاشق ومظفر النّواب الثائر... تشتهي عِشقه ولهْوهُ بتفاصيل جسدها. لقد طلبت منه ذات ليلة مُمْطرة أن يَفٌتضّها، رُبّما رغْبةً شبقيّة، أوهي حالة من التعبير عن الغضب والانتقام من كل الموروث الذي كبّلها لسنين.

كانت ليلة حُب وجنس دون حدود ودون محرمّات. إنصهرت الأجساد حتى الثمالة.

"... كأسا أخرى.. لي رَغبة أن أجاري البحر هيَجانه".

أفاق عبر صوتها الرقراق من شريط الذكريات وصبّ لها كأسا من الجعة. وطلب منها أن تحدّثه بكل صراحة عن هروبها المفاجئ من عالمه السرمدي، فقد أراده لها منذ أن لامس صوتها قلبه أول مرة، وتحدّى كل النواميس والأخلاق لتكون جزءا منه، وتعدّى على مشاعر الغيرة والفحولة لدى صديقه خالد. وترصّد الفرصة لإقناعها بأن صديقه سيتركها لا محالة، فهكذا عَهِدَهُ دومًا. وكان له ما أراد، فاستغل حالة التّشرذم التي عاشتْها والجنوح إلى الفوضى، بعد أن تخلّى عنها.. حُبّ صَنعتْهُ من طين وماء، فتجلّى حبيبًا من ورق.

أخبرتْهُ يوما ما أن لجوءها إليه كان ردة فعل على رفيقه، وكانت حاجتها إليهِ تنمّ عن خبث منها، قد رغبت فيه إثارة لغيرة خالد والانتقام منه، وحدّثتهُ عن عدم ندمها، فهي ضحيّة الصّدق في الحُب، وضحيّة تَمرّدِها على الواقع، ولكنها أعلمته بأنها وجدت ما تبحث عنه وهي تائهة في سباق العشّاق عبر الولوج في عالم الذات، ذاتها التي أهدتها يوما إلى مَن لا يستحقّها، وهي بصدد ترميم جراحاتها على مشارف البحر.

قاطعها النّادل "هل من مزيد؟ سنغلق الحساب.."، لم تُعرهُ اهتمامًا، ورشقتْكَ بنظرةٍ حارّة تطلب المزيد. فهي لم تُنْهِ شُجُونَها، ومازالت تريد أن تبوح لك بأكثر من ذلك.

مضى الوقت، وامتزج لون البحر الداكن مع القمر وأنوار الليل المرَصُوفة على طول الشاطئ، لتشكل لوحة متقنة، الضجيج بدا أكثر حدّة، رغم صوت "إيديث بيافْ" الشّجيّ، ممّا دفعها إلى الغناء مع موسيقاها العذبة مثل خرير الأنهار، وبصوت عال "Non je ne regrette rien ".

ابتسمت، لكنكَ أردتها أن تكمل هذيانها، فهي لحظة المصارحة والمكاشفة. كنت أكثر تسامحا مع عفويتها هذه المرة، وتركتَها تُكمل نشيجها، فمدَدْتَ يدكَ لتُشعل سيجارة بائسة.

كُنت بحاجة إلى التّدخين، لعلّك تُخفي ارتباكا مفضوحا. كانتْ أكثر ثقةً منك، فهي رغم صغر سنّها، قد أبدت جرأة في كشف تفاصيل الحياة، فاندفعت في عالم المحظورات لدى العامة والكثير من المتعلّمين/المثقفين العُجّز، من السياسي إلى الديني، إلى الجنسي.

كانت تُحدّثك والإبتسامة لا تفارق محياها عن رحلاتها المجنونة في الزمن المجهول المُتستّر بالنفاق الاجتماعي وعن زيارتها الأماكن التي كنت تخشاها وتَحرمُها منها بتلك العصبية المملّة المقيتة، هكذا قالت، ولم تبخل على أترابها بنضالها الدؤوب من أجل الحق في التعبير، ولم تحرم جسدها الشّبَقي من الإشباع، كان بحثا عن المعنى من الوجود.

كنتَ تعتقد أنها تهذي أو هكذا أرادتْ، حُبّك المجنون لم يغفر لك صَمتك والحروف التّي غصّت في حلقكَ، لكن صياحَ النّادل المُتكرّر الدّاعي إلى المُغادرة قد نبّهك، فطلبْت منها الفراغ من كأسها، وانطلقتما باتجاه الشاطئ، تَمشيّتُما بكل تأنٍّ مردّدَةً لك أحلى ما ترغب في سماعه في ذلك الجو:

"شايفْ البحر شو كبيرْ،
بكِبر البحر بْحبّكْ"...

أغنية السيدة فيروز، وصوتها اللذيذ جعل من البحر كورالا لها في أدائِها المهووس بالأمواج المتصارعة على معانقة الصخور، فتَلذّذْت ذلك وأعلمتها برغبة في مُحاكاة جنونها والسفر في أغوار الذّات، لكنك ما كنت لتنجح فأنت لا ترغب في أن تُتّهَمَ يوما بالخيانة لما حُمّلت من أفكار ومبادئ.

انطلق صوت الرّيح ليُنادي أطياف كل من مرّ من هنا، من عشاق ومغرمين، تذكرت أنك هنا لأنك أردتها أن تعترف بما يختلج في صدركَ من شكوك منذ أن غادرت حضنك الدافئ.

أخبرتْك بأن الكثير من العُقد التي تَمكّنَتْ منها بسبب جنوحك إلى السّيطرة على حالة الإقلاع فيها نحو المجهول قد ولّت، فهي بها قوّةٌ كي تُردّدَ أصواتا عالية لتعلو فوق الأصوات المُرتعشَة ممّن خانوا إنسانية الإنسان. وأن تفجّر تلك الطاقة الكامنة في داخلها والتي لم تُشبعها أسوار الجامعة.

كانت مغرورة، وهي تُحدّثك عن عِشقها للمسرح والتجربة التي كانت بحاجة إليها.

"ما نعيشه كل يوم هو المسرح بعينه ونحن لسنا سوى مُؤدين لأدوارنا فيها، يبقى أن الاختلاف أننا في الواقع نختار أدوارنا ونعمل على تجسيدها، على عكس ما هو في "مسرحكِ" فأنتِ مُضطرّة لتأديةِ أدوار لا تُعبّرُ بالضرورة عمّا يختلِجُ داخلك". هكذا تكلّمت بكل ثقة كالحُكماء.

فأنتَ اخترت دورا منحازا للحريّة، والدفاع عن قضايا المُضطهدين في الوطن وفي العالم، لقد وُلدتَ وبيدكَ اليُسْرى حُلمٌ، وباليمنى إصرارٌ وتحدٍّ لطاغوت الظلم والجبروت.

"أعتقد بأني وجدتُ قطعًا من شخصيّتي التائهة في بحر اللاجدوى والانتظار، كلّما وقفتُ على الرّكح". بكل جرأة قالت:

"إن إعجابي بشخصيّة الفتاة الفوضويّة قد غمرني في لحظات مجنونة، ممّا دفعني إلى لبحث عن شيء في وجودي قد ضاع في الطريق. لأجد نفسي في أحضان الحياة وفي أحضان أحد المجانين".

"كنت بحاجة إلى فوضى عارمة داخل فوضايَ، كيْ لا أكون غريبة في فراغ الوجع والحيرة".

نَزلَ عليك كلامُها كالصّاعقة، تمالكتَ نفسك. توجهت إلى البحر، أخفيت دُموعا أرادت أن تفلت وتلتحق بمنابع المياه المالحة، ربّما لم تكن لتَرغبَ أن يُصبح شكّك يقينا، خيانة وغدر هكذا، ربما لا يمكن أن نستلذّ الحياة وحاجتنا إلى الآخر إلا عند فقدانه.

شعور بالخديعة تملّكك لحظة... فالجميع له القليل من الأكاذيب والكثير من الحقائق.

حاول أن يجمع أشلاءه واستنجد بقوة الصّخور التي تقاوم غضب البحر، وقال:

"أرغب في العودة إلى البيت".

ركبتما التاكسي، كانت عقارب الساعة قد توقّفت، فلم تشعرا بثرثرة السائق حول معاناة الطريق وشرطة المرور وغلاء الأسعار وتزايد الجريمة وغيرها من الأحاديث التي انتهت بحلولكما بذلك البيت المتخفّي داخل إحدى أزقة الأحياء المتربّعة على هضبة الفقر والحاجة والفاقة.

داخل الغرفة لم يتسنّ لكما الحديث ربما بفعل الخمرة التي جعلت من أجسادكما أكثر خدرا، لكن أكثر هيجانا، فلم تنتظرا طويلا كي تنزلقا في السرير بجسديكما المشتاقين إلى المعانقة الحارة، وإلى الجنس الغجري المُشبع برغبة في معانقة الحقيقة.

سيجارة بعد حب لذيذ، لتختفي الرّغبة وسط هواجس الحاضر، والمستقبل المتحرك أصلا في نطاق الأخلاق والعقل المترصّد لكل هفوة مجنونة. فتساءلت في سرّكَ:

"هل يمكن... أن أكون لها وحدي... بعد أن كانت لغيري؟؟"

عيناك الباردتان فضحتا نواياك. انطلقَتْ قائلةً:

"أنا لم أكن يوما لنفسي، وليستْ لي الرغبة في أن أعايش أنانيّتي، وإنما في أن أسعى إلى مُناجاة الذاّت، كي أولّد منها نشيدا حرّا يسافر مع نسمات الحياة المتقدة حبّاً".

قلتَ، لكن هذه المرّة بصوتٍ مسْموع:
- أعلم أن في الحُب حياة، ولكن في التّضحيَة حياة أرقى وأرفع، تَسْمو بنا من حالة الحُضور المُسْتهدف للوجود، إلى حالة الوجود من أجل الإنسانيّة.
- وكأنّي بكَ تُزايد على ما أقوم به.
- بالطبع لا، لكن يبدو أن صراعا خفيّا لم ننجح في فك تناقضه قد توسّعَ لظروف نتحملّها الاثنين.
- صراع.. عمّا تتحدّثُ؟
- نعم، صراع بين قوى تُريد أن تُوظّفَ فوضانا وتقودها إلى العدميّة، وبين قوى تحلم بالتّغيير الفعلي.
- عن أيّ عدميّة، أنا لا يمكن لي أن أكون كذلك. فأحلامي هي هواجسك.
- من المُمكن أن تكون أحلامنا مشتركة، لكن الأكيد وأن هنالك فرْقٌ في التّنفيذ.
- لماذا تتحدّثُ وكأنك الحقيقة المُطلقة؟
- لا، لكن كل يوم أكتسب القناعة بأنّني على حق وأن الحياة قصيرة كي نُضيّعها في "التَّمَسْرُحِ" ومحاباة مشاعرنا الغشّاشة، التي ربّما تكون إحدى أدوات تدميرنا، رُغم القمع والاستبداد.
- إنّك تُصادر حقّي في أن أكون ما أنا عَليْهِ، وتُريدُني أن أكون ما تُريدُ أنتَ أن أكون عَليْهِ.
- يبدو أن الفوضى، قد علّمَتْكِ قول الكلام الجميل.

ابتسمتْ، ومن ثمّة انزلقت دموعها دون استئذان على وجْنتيها، هكذا هي الخمْرة لها القدرة في فضح غرائزنا ومشاعرنا دون تحفّظ.

صَمتَ لكن ليس طويلا. لتنقضَّ عليها كالصّخرة الصلدة، بما تحمله من قساوة الصحراء، وعجرفة ثوّار المنفى الريفي، وتُمسك بشعرها المنشور على صدريّتها الحمراء. وقلتَ:
- يمكن "للورود أن تنبت على مفاصل الصخور"، لكن من الصّعب أن تستمّر في مقاومة قسوة المكان، هكذا أنت اليوم تُراقصين وتُراوغين الأمْكنة والأزمنة والمُحيطين بكل اقتدار، فللمسرح فوائد.
- ماذا تقصد؟
- لقد تعلّمتُ أن أكون تلك الصَّخرة التي يجب أن تتحطّم عليها كافّة الأمراض البورجوازية، أي أن أكون وفيا للنضال من أجل الحق والحرية، بعيدا عن كل ما يمكن أن ينتزعني من الواقع المُرّ الذي يعاني ويلاته العمال والفلاحون والمهمّشين والمضطهدين في الدّاخل والخارج.

تنهّدَ مطولا، وعيناه تشعّان قوة وألما، وأكمل:
- لذا كي أكون صادقا معكِ، فإني سأضطر إلى ترككِ ذكرى جميلة في حياتي، ذكرى لذيذة بعنفوانها، بمغامراتها، بغضبها، بفرحها، بجنوحها نحو المجهول، بانحيازها إلى الحب والفوضى، ذكرى تُولّد فيّ الغضب، والغيرة، والأمل، ذكرى تغتال السكينة فيّ، ذكرى تُحفّزُ عندي الرغبة في الانتقام من الموروث الذي حرمنا كي نكون كما نحن دون بروتوكولات وتصنّع، ذكرى نراوغها أحيانا، ونتماهى معها أحيانا أخرى.
- هكذا تريد أن تختزلني في مجرّد ذكرى، هكذا أنت دائما لك القدرة في تفسير وتبرير ما هو غير مبرّر، لكني لم أعتقد أن لك القدرة في تبرير همّك بهذه البساطة.
- همّي اليوم هو النسيان وليس الذكرى، فأنت ستكونين حاضرةً معي على البحر، في المسرح، في أغاني زياد الرحباني، في قصائد درويش المبتورة من الأرض المغتصبة، في تفاصيل المدينة التي جمعتنا، في مقاهيها، في مطاعمها، في حاناتها، في شوارعها المُمتدّة جُسورًا بيني وبينك، في تقاسيم وجوه الكادحين، في فوضى الوجوديين، في لمسات الأم من وراء القضبان، في ضحكة الأطفال المشرّدين، في رياح الجنوب التي تراقصني كلما ارتبكتُ.
- لماذا لا تكون أكثر وضوحا؟

لم تحبَّ أن تنهي حديثكَ معها، فنسمات الصباح المتسللة عبر إحدى النوافذ قد أشعركَ بالبرد وبالرغبة في أن تحضُنها مرّة أخرى، لكنك كنت أكثر صلابة هذه المرة وقُلت:
- كي لا نكون الشواذ في مجتمع نطمح لتغييره، يتطلب من كلينا الواقعية في الممارسة، في محاكاة الناس لا مزيد الابتعاد عنهم بصرف اهتمامنا عن معاناتهم اليومية، وطرح الأسئلة الغير المناسبة في الوقت غير المناسب، كأن نتجادل عن ماهية الذّات البشرّية، في حين أن هذه الذات تعاني التهميش والاستغلال والاضطهاد، وهو ما يُجبرنا بالضرورة على البحث في حلّ هذه التناقضات لا الهروب منها نحو أسئلة مُثقّفي المقاهي.
- لماذا تحدثني وكأنني بعيدة عن همومك التي هي في النهاية هواجسي؟
- أعلم، ولي اليقين بهامتك النضالية، لكن هنالك مشكلة الأولويات.
- اعذرني، ولكن ما تقوله لم يقنعني باختيارك الهروب منّي، فأنت عاجزٌ عن الغفران والتّجاوز وليست لك الرغبة في انطلاقة جديدة، فلازالت ثنائية الرجل/المرأة تشتّتُ أفكارك وحياتك؟
- ربما نعم، وربما لا، لكنّني على يقين بأن القرارات العقلانية هي التي تنبع من الواقع المُعاش لا من الأحلام.
- عفوا.. لكن أفكارنا هي في النهاية أحلامنا، وانحيازنا للواقع لا يمكن له أن يحرمنا من لحظات تجلٍّ وغور نحو المجهول، الصوفيّون في تاريخنا العربي الإسلامي يسعون دائما لتلك اللحظات التجلّي مع الله، أليس لي الحقّ في لحظات تجلٍّ مع الذات؟
- إذا.. ها أنا سأترك لك كلّ الوقت الذي يكفيك للتجلّي، فلي القليل من الوقت للـتملّي.

لم تترك لك الوقت، وانسحبت ببطءٍ من تحت اللّحاف الأبيض، أحسّت بجفاف في الحلق، كانت بحاجة لقطرة ماء بعد هذا الجفاف. وقفت بعد أن غطّت نصفها السفلي، كنتَ تستمتع بالنّظر لقوامها الممتلئ، فربما كنتَ تعلم بأن المستقبل سيحرمك منها إلى الأبد، لكنك تذكرت درويش عندما تَغَّنى بالأندلس قائلا: "فللرّحيل الكبير.. أحبُّكِ أكثر".

كانت قد تجوّلت في أرجاء الغرفة، وألقت نظرة على أحد الكتب الملقاة في مشهدٍ سريالي، أرادت أن تقرأ عليك مقطعا من تقديم رواية "زُورْبَا" للكاتب "نيكوس كازنتزاكايس"، ما كنت لترفض سماعه:

"لقد قرّرت أن أبدل طريقة حياتي"، وقلت لنفسي:

حتى اليوم يا نفس، لم تكوني لتري سوى الظل، وكنت تكتفين به، أما الآن فسأقودك إلى الجسد.

هذا ما يجعلك إنسانا: الحرية !

هذه هي الحرية: أن تهوى شيئاً ما، وأن تجمع قطع الذهب، وفجأة تتغلب على هواك وتلقي بكنزك في الهواء.. أن تتحرر من هوى لتخضع إلى هوى آخر أكثر نبلاُ منه، لكن أليس هذا شكلاً آخر من العبودية؟"

انتهت، كانت قراءتها سلسة وممتعة، كأنها تحفظها عن ظهر قلب، وكانت كلمات الراوي أكثر وقعا، فهي تغريك إلى النقاش، حيث لا رغبة لها في مغادرة الغرفة التي اجتاحها ضوء النهار، وضجيج السيارات العالقة في الطريق، لكنك أحسست بأن الوقت حان وأن الزمن الجميل قد مضى دون رجعة.. وأن عليها الذهاب إلى الأبدية البيضاء لعلها تفتكّ من التيه حياة، وأن عليك النوم كي تتلذّذ تلك الليلة/النهاية، بكل عمق، فعلى رفوف ذهنك الكثير من وصايا الشهداء.

كان صرير الباب نهاية اللقاء، فعيناك لم تتحمّلا التأمّل في طيفها الذي ما زال يُداعبك، فدعوته بكل لطف إلى الرحيل.

لم يمنعك نور الشمس من النوم...


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني