الصفحة الأساسية > البديل الثقافي > اللامنتمي
اللامنتمي
تشرين الثاني (نوفمبر) 2009

أتذكر الآن، ونحن نسير في خوف، ونأكل تحت سقف الخوف، وننام في فراش الخوف، ونكتب في جفن الليل تحت السكين أو في المنفى، ونعبر على حدّ السيف من أجل الحرية والكرامة، أنني كنت شاهدا على حادثة لازالت محفورة في ذاكرتي.

عندما كان الوطن فتيا، في ذلك الزمن المنسيّ، يومذاك كنا جماعة صغيرة مأخوذة بالقضايا العظيمة، انخرطنا في أحزاب ثورية ولا نقبل بديلا عن الحرية والديمقراطية وحفر القبور للامبريالية. كنا نحلم بدولة تقدمية، وأن تكون لنا منابر نقف فوقها لنعلن رغم الظلام والقهر أن المستقبل الأجمل قادم. كنا شبابا يتدفق أملا، وكان فتى واحدا، نحيلا، صامتا، ومنعزلا، كان دائما بعيدا عنا وعن همومنا ومشاغلنا العظيمة عن النضال والثورات وتجهيز قبور الامبريالية والفاشية. كان مشغولا عنا بكتبه في الوقت الذي كنا نحتفل فيه ونتغنى بالحرية والثورة... مدبرا عن الاجتماعات العامة الثورية. وفي الليل كان ينزوي في ركن في مقهى يشرب ويدخن ويحلم... كنا نسخر منه ونطلق عليه اسم اللامنتمي. وما وكان يردّ بهزة رأس وابتسامة ساخرة لينسحب بهدوء متجها نحو بيته المنعزل في الطرف من المدينة.

وذات يوم انتشرت أخبار مثيرة ومفزعة هزت المدينة وأرعبت الأهالي عن قطعان من الكلاب المسعورة تهاجم الناس فتصيبهم بداء الكلب المميت. ونظرا لخطورة الموقف دعت "جماعتنا الثورية" إلى اجتماع فوري وعاجل لمناقشة وتقرير مصير الأهالي. فكان القرار الثوري ينص على: تقديم عريضة شديدة اللهجة إلى بلدية المدينة للتدخل في إنقاذ الموقف. كما تقرر إقامة ندوات صحية لشرح أضرار المرض وكيفية الوقاية منه.

وفي إحدى الليالي المظلمة، أفاق الناس على دويّ طلقات نارية متواصلة استمرت طول الليل. وفي الصباح شاهد الأهالي جثث الكلاب المسعورة منتشرة على الأرصفة وفي الشوارع. وعلى الجدار قرؤوا: "أيها الثوريون، اقتلوا الكلاب المسعورة أولا !".
التوقيع اللامنتمي

هــدى


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني