الصفحة الأساسية > البديل الثقافي > المقَامَــة السُّـــوقِـــيَّة
المقَامَــة السُّـــوقِـــيَّة
رضا البركـاتي
31 تشرين الأول (أكتوبر) 2010

حكاية نجيب،
الطالب المتحصّل على شهائد عليا ولمْ يَزلْ،
منذ خمس سنوات معطّلا عن العملْ،
وما سمِعَ ورأى وعايَن في موعد شغلْ،
وكيف حدّث مجلسَ أصدقائه وما نَقَلْ،
وما كشفه في نفوسهم عن حقيقة الأمل،
وما أثاره في مجلسهم بالجدّ والهزل،
من ضحكٍ وفضح لأهل الرَّبْطِ والحلْ.

هذه الحكاية يحكيها حسّان قَوَّال الكلامْ في مجْلس الكِرَامْ على شَرَف الهُمَامْ حسن بن عبدالله المِقْدام ورفيقه ولد كدّوس الفاهِم الفهّام فارس الإعْلام وكافة رفاقهم في ساحة الخِصام من أجل الخبْز والحَمَام والشّغْل وتحقيق المُرام لأبناء المناجِم العِظام الذين ظنّوهم "أيْتام في مأدُبة اللِّئام".

مع تحيّة خاصة للرديِّف بلاد الأديب اللبيب ولد خريِّف الذي سجّل أحوال البلاد وشرح عيْش العباد بعجلة الاقتصاد من الدّقلة في عراجينها إلى الفسفاط في "فقاقينها " وصوّر ماما ديجة أمّ الأجيال رمز المرأة صانعة الأبطال.

وتحيّة لاحقة لبن قردان التي التحقت بالميدان وفضَحَتْ الكذب والبهتان وعدّلتْ الميزان ومثيلاتها كثيرة من القرى الصغيرة، في الحجم، الكبيرة، في الاسم، بدءا بقعفور بدء الشرارة وصولا للصخيرة صخرة الحضارة مرورا بالمتلوي وفرنانة وبن عون وجبنيانة والقائمة تطول، تطول، تطول،،، وقريبا الهمّ يزول.

والسّلام على سامع الكلام ومن يعي الكلام ومن يردّ الكلام لأهل الكلام وخاصة الشباب في "سنة الشباب" من حملة الشهائد أو الطلاب وعلى رأسهم مناضلي كلية الآداب الذين اختطفوا من قاعات الدرس بمنوبة وحشروا بزنزانات المرناقية لأنّهم وقفوا مع القضية...

من حدّاثكم وراوي أحداثكم وخادمكم حسّان قوّال الكلام.

حدّثنا حسّان قال:

كنّا متحلّقين في ظلّ دار منير، قُبالة دار الفرح وقد اجتمع الشمل فضمّ مجلسُنا ثـلّةً من الشباب لا يشتغل منهم إلاّ القِلِّة لمّا وصل نجيب وهو شاب فطِن لبيب، من القلوب قريب، لسِنٌ فصيح، مجلسه مليح. جلب كرسي بلاستيك وجلس يرتاح. وطمعنا من حضوره بالأنس وسألناه عن علي وإن كان قدْ رآه فأخبر أنّ أخاه خرج منذ الصباح يطلب الرَّباح. وليس عنه من جديد لعلّه ذهب إلى بعيد.

وسألتُه عن الجديد عنده، عن الشغل، وإنْ فُرِجَتْ أمْ مازال خارج دورة الإنتاج، كما يحلو له دوما أن يقول، فقال: "إذا كان الاقتصاد هَشّا، مهمّشا فكيف لا تكون قوى الإنتاج مهمّشة؟ ألا ترى التشويش والتبعية في دواليب الانتاج فكيف لا يعيش العمال ومن إليهم في ضيم واحتياج؟"

فخطفه زياد على الطائر: "هكذا دائما تتكلم بالصّعب... انزلْ وحدّثنا بالملموس... ألم يكن لك اليوم موعد اختبار أو مقابلة للانتداب؟"

ابتسم نجيب وقال: "مَايفُوتِكْ شَيْء"، ولكن للتوضيح وطلبا للدقّة والتصحيح لم يكن الأمر مقابلة انتخاب ولا موعد امتحان وحصّة عذاب بل هو بالتصريح ودون تلميح حفل انتداب."

فقلت له: "حفل انتداب؟!!! ... ما هذا يا نجيب؟ والله لقد صار زياد على حقّ."

قال: " نعم. هو حفل انتداب بمناسبة حفل منتوج جديد."

قال زياد: " إذن خبزك مخبوز وزيتك في الكوز ولم أنت منبوز؟. هذا حفل في حفل إذن الفرح مضمون. "

قال نجيب: "هي عناقيد من الفرح الخاوي.!"

قلتُ: "هلاَّ عتَقْتَنَا يا نجيب.!"

قال: "حاضر. سأوضّح لكم الأمر. لقد قدّم رئيس مصلحة "الماركوتينق" اللقاء، هذا الصباح، على أنّه حفل تعارف سيُسفر عنه انتداب مجموعة من المدعووين لتُكوِّن مع مكتب المدير التجاري فريق تسويق المنتوج الجديد: " الهوب إين"."

قال زياد: "وهل كنتَ ضمن الفريق؟"

أجاب نجيب: "سوف تعلّق قائمة الفريق المنتدب، غدا، في بهو الوكالة."

"إذن إن شاء الله تُفْرج." سارع زياد بالقول.

قلتُ: "وما هو "الهوب إين"؟"

قال: "هذه من باب: يسألونك عن الرّوح- قُلْ هي من أمر ربي."

وجم الجماعة وقد أعجزهم البيان.

ابتسم نجيب وقال: "سأضعكم في الصّورة. إذْ لا مناص من إخباركم عن كلّ شيْء. "ما هو "الهوب إين" ؟، من هنا افتتح المحاضرة رئيس مصلحة "الماركوتينق" فقال:

"أعرف أنّ هذا السؤال يجول في بال من لم يسأل كما في خاطر طارج السؤال. لكن هذا غير مهمّ. المهمّ هو: هل أنت مسوّق شاطر أم لا؟ أنت لا تسوّق منتوجا بعينه بل تبيع حلما.

السرّ يكمن في صيغة الربط بين المنتوج وبين الشعور بالسّعادة، بالرفاه، بتحقيق شيء من الحلم. الشعور بالانتماء إلى درجة اجتماعية، إلى فئة، إلى طبقة. المسألة متعلّقة بـ"البهيفر، بالواي أوف لايف"(behaviour. Way of life) أي السلوك وطريقة التصرّف في علاقة بطريقة الحياة عموما والاستهلاك خصوصا. فالمهمّ ليس المنتوج في حدّ ذاته وإنّما الشعور بالحاجة إليه، الشعور بالحاجة إلى الاستهلاك. فوظيفة اقتصاد اليوم ليست تلبية حاجيات الإنسان الأساسية، التي تمّ تجاوزها، وإنّما يرتكز اقتصاد السّوق الجديد على خلق حاجيات جديدة ثمّ تلبيتها.

بعبارة واحدة أنت تخلق الحاجة تولِّدها في المستهلك فيُقبِل طوعا، صاغرا، بل متهافتا على اقتناء المنتوج، على استهلاكه.
تسألني عن "الهوب إين". لقد قامت وكالتنا بعديد الحملات منذ خمس سنوات وكان لـ"الهوب إين"، في كلّ مرّة، شكل ولون ووظيفة... وقد يُصْنَعُ من مادة البلاستيك أو الورق أو الماء أو.. الهواء ولم لا؟ قد يكون صوتا. أيَّ صوتٍ.
صوت طلق الهواء ولم لا؟.
المسوّق الشاطر يمكنه أن يُسوِّقَ.. ضَرْطةً.
فانفجر الضحك في القاعة."
وانفجر الضحك في مجلسنا.

قال نجيب:
"وحكى المنشط، رئيس مصلحة "الماركوتينق"، كيف باعت الوكالة الضَرْط وتهافت عليه الناس. لقد ارتكزت الحملة الدعائية على هذا الذي يسمّونه "الستراس" أخو الكآبة وخطره على الصحّة وما يسبّبه من أمراض سواء نفسية مركبة ومعقّدة أو بيولوجية تصيب القلب والكبد و"البانكرياس" أي الطيحان وهي جميعا أعضاء حياتية في جسم الإنسان... والدّواء الوقائي من كلّ هذه الأخطار المحدّقة ليس إلاّ قرصا من البلاستيك، تكاد لا تنتبه إليه العين، يُرمَى به فوق مقعد أو أريكة فإذا جلس عليه أحدهم أطلق ضرطة فينفجر الضحك الصافي، العفوي، الصادق. ولأنّ الضحك أصبح نادرا اليوم لذلك هو ثمين. وأنتم لا تجهلون طبعا قولة عالم اقتصاد السّوق العظيم "كَيْنِسْ": "كلّ نادر ثمين."

لاحظوا أنّ ضحكة الضرطة هذه تتميّز بخصائص هامّة ومفيدة. فهي مشتركة بين المحتال والمحتال عليه، بين واضع الفخّ والفريسة، إضافة على مشاركة الحضور الشّاهد، وبذلك هي تطرّي الخلافات الاجتماعية وتذيب الحدّة في التعاملات بين الناس وتسهّل التواصل بين الأطراف... هذا علاوة على القضاء على "الستراس" وطرد سحب الكآبة وتفريج الكربة عن القلب وتسريح الشرايين وتنشيط الدّورة الدموية ومنافع ذلك على الكبد والطيحان لا تحصى..."

قال نجيب:
وختم السيّد "ماركوتينق" بقوله:
"وأذكر أنّنا لم نطلق المنتوج الجديد، كما في كلّ مرّة، إلاّ بعد انتهاء الحملة، عندما تأكدنا من المسك بناصية الجمهور الذي تحوّل إلى كتلة حرفاء جاهزة للاستهلاك."

سكت نجيب وظلّ ينظر إلينا.

كان رؤوف يتلوّى من الضحك. أمّا زياد فكان يرفع ساقيه ويضرب بهما الأرض ويصفق بيديه وينتفض كالديك المذبوح. وضحكتُ حتّى سالت الدموع من عينيّ. وكاد النفس ينقطع. لقد كاد الضحك يقتلنا جميعا.
ولكنّ نجيبا كان هادئا. نظر إلينا طويلا ثمّ قال:

"مالكم تضحكون؟ هل هناك من ضرط في حضرتكم؟"

وانفجر ضحِكٌ جديد.

قال زياد:
مبروك يا نجيب. لقد فُرِجَتْ، وبعد طول انتظار، ها أنت وجدتَها وأصبحتَ تشتغل في وكالة طلق الهواء وتبيع.. الضرط."

فضحك نجيب وقال:
"ضامر يا أبا زيد. ويُشرِّفني أن تكون أوّل ضرّاط من زبائني."
وامتدّت موجة ضحك أخرى.

-  وهل انتهى االلقاء إلى هنا؟
-  لا. أبدا، يا زياد، ولكن بما أنّ الجماعة تفهم في قوانين السّوق كالعرض والطلب ومعنا سي الصادق وهو نقابي ومن اختصاصه الحديث في الأسعار والأجور... والربط بينهما... والأستاذ يفهم لها في الاقتصاد السياسي فإني سأنقل لكم محاضرة السيّد "ماركوتينق".

قال زياد:
أعرفك لا يحلو لك إلاّ الكلام الصعب. لو عدت إلى سابق الحديث لكان حقّا إمتاعا ومؤانسة كما تحب دائما أن تنْعَتَ مجلسَنا.

قال نجيب:
لا تحكمْ على الكلام قبل الاستماع. إنّك فطِن ولا يصعب عليك شأن. وقوانين الاقتصاد تهمّك وأنت إن لم تكن تعرفها معرفة الكتاب. أنت تقدّرها في جيبك عندما يتوجب عليك الدفع قبل الرّفع. وقوانين الاقتصاد تعود معك في قفتك من السّوق إلى بيتك. تحسّ بها في رجلك حين تلبس حذاءك الذي اهترأ من البحث عن شغل.

قال زياد:
أفْحَمْتَنِي فأسْكتَّني. ومن يغلبك في الكلام يا هُمام؟ وشوّقتَّنا. فهات يا حَدَّاث قعْدتِنا.

قال نجيب:
وعاد سي "ماركوتنق" يتحدّث عن المُسوِّق الشاطر وكيف يتوجّب عليه أن يكون صيّادا ماهرا. والصياد الماهر هو..؟ وأشار إلى أحد المترشحين بإصبعه وبعيْنَيْن مُفتّحتَيْن أنْ أجِبْ، أن أتْمِمْ. فبادر هذا المترشح: هو من لا يُخطئ المرمى. فقال: يعني؟ فأجابه: من يصيب مرماه. مازال السيّد "ماركوتنق" على وضعه: كتلةَ حماسةٍ مندفعةً إلى الأمام مستعدة للوثوب، إصبعُه موجّهة دائما إلى المترشح المتحمّس لمشاركتِه، وصاح يستحثه على مزيد الدقّة: يعني؟ فجاء الجواب: يسجّل الهدف.. فعاد إليه يحاصره بالسؤال: كم؟ كم هدفا؟ ولم يضف المتحمّس شيئا واكتسحته الحيرة فعاد إليه يحاصره: الهدف. هدف واحد؟ كن كصيّاد الحمام.

وتراجع خطوة ونظر إلى الجماعة سائلا: هل تعرفون طريقة صيد الحمام بالشباك؟ من لا يعرفها يمكنه أن يحضر إحدى حملات بلدية الحاضرة التي تُنظم في كلّ موسم لصيد عصافير باب البحر.

من يفكّر في إصابة المرمى قد يصيب وقد لا يصيب. قد يفلح وقد يخفق.ومن يفكر في إصابة أكبر عدد ممكن قدْ يصيب عددا ممّا أمْكن. ولكن الشاطر يخطط لكي لا يفلت من شباكه أحد.
الأمر واضح ولا فائدة من العودة إلى المثال الكلاسيكي العالمي : مثال الكوكا كولا.

ولكي لا تُخطئ المرمى كما تقول حدّدْ لوحة التصويب حدّد الجمهور الهدف. ولمن يروم النجاح المؤكد في خطّته فالجمهور الهدف المفضّل هو النساء، ثمّ الأطفال، ويتبعهم كلّ الرجال الذين يعطفون عليهم ويدللونهم. عليك أن توقع بغرائزه في شباك من الأوهام تنسج له أجمل الأحلام

وإذا لم تساهم في هذا بكلّ حزم أغلقت مؤسَّستك أبوابها في وجهك بشكل أو بآخر وعُدت إلى رصيف العطالة ويرجع اسمك رقما في قائمة طالبي الشغل.

قال نجيب:
والطريف أنّ هذا المنشّط استشهد في خاتمة عرضه بمقولة لعالم أمريكي كبير ومشهور جدّا لكنّه نسي اسمه ويقول هذا العالم:


L’être civilisé se définit par
son paraître et non par son être,
par son avoir et non par son savoir !
o.k ?

وقد ترجم هذه القاعدة العلمية كبير المترجمين بالجامعة اللبنانية:

الإنسان المتحضّر يُعَرَّفُ
بمظهره وليس بماهيته
بِمَا لَه وليس بما هو
بِمَالِه وليس بعلمه

فقال له أحد المترشحين بلهجة جديّة وبصوت اليقين أنه يعرف هذه الحكمة ونسي أين قرأها ولكنّه يتذكّر اسم قائلها وهو "البروفيسور يعقوبيان الدلفوني". فسُرّ المنشط بهذه المساهمة البنّاءة وفاته أنّ نظرات السّخرية مصحوبة بابتسامات هازئة وتعليقات جانبية قد تبادلها ثلاثة أو أربعة من المترشحين لسابق علمهم أنّ "يعقوب الدلفــوني" « Jacob de Lafond » ليس إلاّ اسما لماركة مسجّلة للخزف مختصّة في صنع أواني بيوت الراحة وهذا الاسم منقوش على مقاعد الراحة تلك التي يجلس عليها الناس لقضاء الحاجة.! وهي دعابة ساخرة يطلقها الطلبة ضدّ كلّ أستاذ مُدّع، مهزوز، غير واثق بمراجعه.

قال زياد:
"بدأنا بالضرط وانتهينا ببيت الرّاحة لكي لا أقول شيئا آخر." ونطق الكلمة الأخيرة بنغمة مرتخية فيها اختلاف في النطق وإيحاء بجناس."

فقال له نجيب:
" ماذا قلت؟ ألا تستحي؟ ..."
-  لم أقل شيئا.
-  بل قلتَها.
-  أبدا لم أنطق بها.
-  ماذا قلت إذن؟
-  قلت: الطّقس خريفي. وانفجر ضاحكا مثيرا موجة من الضحك.

قال رؤوف:
"كفى أخلاقا سوقيّة يا جماعة. لقد حولتم المجلس إلى بيت راحة جماعي. ألا تستحون؟"

قال نجيب:
بيت راحة جماعي. ألا تعرف أهميّة هذا المكان عند تجّار الرومـــان؟ ألم تزر المراحيض الجماعيـــة بمدينة دقّة الأثرية؟ ففي المراحيض الجماعية يتخّذ كبار التجار، وهم متحلقون، القرارات المالية الحاسمة ويعقدون الصفقات الرابحة.

وختم نجيب بقوله: يا جماعة، ؟ إنّ السّوقية في أخلاق السّوق. والمال هو وسخ الدنيا ورأس المال هو أساس السّوق ورأس الوسخ وأصحاب رأس المال وأتباعه هم الذين يوسّخون الدنيا ويلوّطون بهاءها ويدنّسون طهرها. فتطهير المجتمع من كلّ الأمراض والآفات لا يتمّ إلاّ بعد تطهيره من رأس المال، رأس البلاء، وسوقِه وجلاديه وثقافتِه السّوقية
.

قال حسّان:
فانقسم المجلس إلى مُؤيِّـــد للفكرة مُتحمِّــــس لحملة التَطْهيـــر، وإلى مُقْـتنِــع بالرأي كرأي لكن كرأي للنقاش دون تدبيـــــر، وإلى خـــــــائف رافض للعِــــبرة دون تبْريــــــر.

حمام الشط،
11 سبتمبر 2010

إلى اللّقاء في المجلس القادم


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني