الصفحة الأساسية > البديل الثقافي > المَصِـيـر*..!
بالمختصر المفيد:
المَصِـيـر*..!
3 تشرين الثاني (نوفمبر) 2011

رضا البركاتي
ridhabarkati@gmail.com

***
عَلِّ صوتــكْ علِّ صوتــكْ بالغُنــا [1]
لسَّةْ الأغانى ممكنهْ.. ممْكِنهْ
ولِسَّةْ ياما.. ياما ياما، ياما فى عُمْرِنا
***

قرأت بتاريخ 13 سبتمبر 2011 مقالا في الملحق الثّقافي لجريدة الشّروق التّونسية بعنوان «فنّانون تونسيّون: حياد الفنّان واجب... لكنّه صعب» وحقيقة صدمني هذا العنوان لما فيه من استفزاز لأكثر قناعاتي بديهية وهي أنّ الفنّان، والمثقّف بصفة أعمّ، منحاز أو لا يكون !!

فلا أدري كيف يمكننا، بعد نصف قرن من سياسات ثقافية تتدحرج بين التّهميش والاحتواء، وبين الإقصاء والتّوظيف، أن نسوّق لحياد المثقّف على أنّها ظاهرة صحيّة في المشهد الثّقافي... أم ترانا لا نتحدّث عن نفس البلد الذي أعيش فيه والذي صارت فيه الأوساط الثّقافية مرتعا لشعراء البلاط وممتهني السّخافة تحت مسمّيات عدّة كالحداثة والتّحديث والثّورية والتّجديد وأحيانا وبكلّ بساطة «خبزة الأولاد»...؟ وماذا جنينا من هذه السّياسات؟ عزوف شبه تامّ عن الفنون والكتب والفكر لتوفيق النّظام في نسج نموذجين لا ثالث لهما للمثقّف: مثقّف موظّف لدى الحزب الحاكم يمثّل الذّراع الثّقافي للنّظام، وهو تارة نخبوي متعال، وتارة شعبوي منحطّ. وإمّا المثقّف البوهيمي السّكير، القبيح، المتّسخ، اللاّأخلاقي والذي يعيش في ملكوت عالم خيالي صنعه لنفسه... وصراحة، أجد نفسي مرغما هنا على ضرورة التّذكير بين الاستقلالية والحياد وخطورة الخلط بينهما: فأن يكون المثقّف مستقلاّ، فذلك بالضّبط ما هو مطلوب، وأن لا يكون له ولاء إلاّ للفكر الحرّ وللوطن وللإنسان في إنسانيّته المتعدّدة والمنفتحة، فذلك هو المنشود، وأن لا يكون عليه سلطان إلاّ العقل وتوقه الدّائم إلى الحرّية وبحثه الدّؤوب عن الجمال والحقيقة العارية، فذلك هو الهدف.

كما أنّ انضواء المثقّف تحت لواء تيّار إيديولوجي أو حزبي لا يعني - بالضّرورة- تبعيّته. على أن يكون هذا الانتماء الأرضيّة التي ينطلق منها المثقّف للانفتاح على الآخر الإيديولوجي والسّياسي والثّقافي، لا أن لا يصبح الوعاء الذي يسبح فيه ويسقط في تلك الدّعاية الفظّة للإيديولوجية التي تمنح صكوك الوطنية والولاء القومي والدّيني لمن يحاكيها ويغازلها وتخوّن كلّ من يعارضها ويخافها، وتصحّ حينها مقولة درويش: «الإيديولوجيا مهنة البوليس» مع أنّه لا يخفى على أحد أنّ الشّاعر من أبرز رموز اليسار في العالم وأنّه مفعم، إلى حدّ كبير، بالعزّة القومية، أي أنّه مشبع بالإيديولوجيا.

أمّا، في الجهة المقابلة، أن يكون الفنّان أو المثقّف مسبّحا في عالم المثل أو محلّقا خارج سرب الواقع في عوالم طوباوية مثاليّة، فذلك ضرب من ضروب التّرف والعقم الفكريين، فنحن لا ننكر أهمّية الحلم والطّموح بالنّسبة للمثقّف، بل بالعكس نعتبره المحرّك الأساسي للإبداع ونؤمن بأنّ المثقّف أكثر أهلية من غيره لجعل شعبه ومن يعتبر نفسه متحدّثا باسمهم عموما يواصلون التّوق إلى مستقبل أفضل، وإلى زعزعة النّظام وضرب السّلطة المكبّلة لمخيلتهم المتجذّرة في النّمطية والرّداءة. لكن أن يصير الحلم شكلا من أشكال التّصوف الفضفاض، وتحليقا عبثيا في عوالم المثالية المنسلخة عن الواقع المادّي المعيش، فذلك ما نرفضه ونعتبره منتوجا ترفيهيا وصناعة للأفيون مساوئها أكثر من منافعها. وبدون شكّ، فإنّ هذه المقاربة النّخبوية المتعالية لا تزال متجذّرة عند شقّ كبير من مثقّفينا، فلا يمكن أن أنسى الحادثة التي حصلت لي مع أحد الأساتذة بلجنة تحكيم أحد مهرجانات الأدباء الشّبان، حينما قال لي ببعض الاستهجان، بعد أن قرأ أقصوصتي: «تركت لي روح نصّك الانطباع بأنّك منحاز لكذا» فأجبته: «أستاذي، أنا أكتب لأنّي منحاز» وهنا بالضّبط يكمن جمال العملية الإبداعية: فهي نسبية في آخر المطاف ولا تخلو من ذاتية تجعلها من قبيل البديل الممكن الذي يحتمل الصّواب والخطأ، والذي يخرج الفكر من صمت المعابد وجمودها إلى معترك الحياة وضوضائها، فـ«الفلسفة حظيرة وليست معبدا» كما قال الفيلسوف الفرنسي كانغيلام، والشّأن يصحّ لبقيّة أشكال الإبداع.

وللأسف، فإنّ هذه المقولة لم تتجسّد في مشهدنا الثقافي والسّياسي إلاّ باحتشام، فمن منّا رأى أحد رموز الثّقافة أو السّياسة في إعتصام أو مسيرة إحتجاجية بعد الثّورة؟ مع بعض الإستثناءات الّتي لا يتجاوز عددها عدد أصابع اليد... والحال أنّه لنا من روّاد الفكر والإبداع من بلغ العالمية، وأخشى أن يكون ذلك مردّ إعتكافهم أبراجهم العاجيّة، ممّا يحيلني على ظاهرة أخرى وهي إنزواء عدد لا بأس به من اليسارويين والحداثويين بتعلّة أنّ السّاحة اكتسحها الانتهازيون والرّجعيون.. أ وليس من المفروض أن يكون ذلك كافيا للإنخراط في الصّراع بل ويجعله أمرا طارئا وعاجلا من أجل الحفاظ على المكتسبات الحداثية والثّورية لتونس وتعزيزها؟ أم ترانا إزاء صنف جديد من المثقّفين: تكنوقراط الفكر، علاقتهم بالشّأن العامّ كعلاقة الكيميائي بقواريره وعقاقيره، تنتهي بمغادرته للمخبر؟ إنّ الطّبيعة لا تحتمل الفراغ، والوطن لا يحتمل الحياد، وكمّا أنّ الأرض لمن يفلحها فانّ الثّقافة لمن ينتجها...

في الختام، أتمنّى أن يبلغ صوتي جميع الثّوريين والتّقدميين وأن تتكاتف جهودهم لصياغة عقيدة سياسية وفكرية جديدة قائمة على المشاركة وعلى السّعي الدّائم لتطوير الذّات والوعي بطبيعة الصّراع سعيا لكي يكون المستقبل لهم شريطة مراعاة الإطار الزّمكاني للصّراع، وأن يكونوا أبناء «الآن وهنا»...

1- سألوني.

هي مربيّة شابة، زاهية، جميلة، خفيفة وعفيفة [2] تشقُّ، عند كلّ استراحة، ساحة المعهد، بين البنات والبنين، كالفراشة، كنسمة الصباح الجديد. ولكنّها اعترضتني هذا الصباح، الثلاثاء 25 أكتوبر، تحت سارية العلم، شاحبة الوجه زائغة العينين كأنّما دمغتها الفجيعة أو هي تمكّنها الخوف من غول داهم.

قالت: ما رأيك؟ أترضى؟

لم تنتظر جوابا وانهالت أسئلة الاستنكار والحيرة: لماذا كلّ هذا؟ كيف وصلت تونس إلى هذا الحدّ؟ من أين نفخت رياح الردّة؟

وأضافت: أنا خائفة. وخوفي على ابنتي خاصة.

مثل هذا من ردود الفعل لا تحصى. وأصحابها يعبّرون عن انعدام الثقة في المتستّرين بسربال الدين الذين يحذقون الخطابات المزدوجة ولا ينطقون إلا بما تريد كلّ أذُنٍ سماعه. وأصبح الخوف أمرا واقعا والمكروه آفة واردة في جدول الأعمال مبرمجة في أجندة مدعومة من ابن العم النفطي والحليف «اليانكي».

2- عناصر إجابة.

- هو نصف قرن وزيادة من الاستبداد والاضطهاد والاستغلال. وخلاله قطعت النخب عن جماهير الشعب وتصحّرت الحياة السياسية وتكلّست الثقافة السياسية وعششت ثقافة الوهم والبخور.
- لن نتحدث عن المال السياسي وشراء الأصوات والخروقات بالجملة قبل الحملة وأثناءها ويوم الانتخاب وأثناء الفرز.
- لقد تمّ توظيف كلّ المنابر بما فيها المساجد والإعلام الوطني والأجنبي للانزياح بالحملة عن مجالها: البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
- عديد الأطراف ساهمت عن وعي أو دونه في توجيه الأنظار لثنائية المقدس والمدنس، الإيمان والإلحاد. فكانت النتيجة: قرابة نصف الذين ذهبوا إلى الصندوق صوتوا للفصل الأوّل، للهوية، فقط.

3- العنصر الذاتي هو الإجابة.!

كانت السّاحة تعجّ بالناشئة. فتيات وفتيان في عمر الأزهار في غدُوٍّ ورواح غير شاعرين، غير منتبهين، لا يدرون ولا يعلمون ما تُحيكه الأقدار المزوّرة لمستقبلهم، الذي أطلَّ منذ بضعة أشهر، وإذا به يلتفت إلى الوراء.

أشرت إليهم وقلت: أرأيت كلّ هؤلاء؟ إنّهم ناخبات وناخبو المواعيد القادمة. هم الذين سيقرّرون حياتهم وحياة ابنتك ومستقبل البلد. هل تظنين أنّ بهم أغلبية تحترم حقوق الإنسان؟ وتتعلق بالآداب والفنون؟ وتحترم الرأي الآخر؟ وتتبع العقل؟ ولا تنزل شتما وسبابا في المنهج العلمي؟

لقد أفلست مدرستنا من زمان يا زميلتي. ولا أحد في البلد يعلم هذا أفضل منك ومنّي، منّا نحن نساء ورجال التربية.

لو طُلِبَ من أحدنا أن ينشِّط أحد النوادي المدرسية تُراه يَقْبَلُ ويُقْبِلُ على ذلك فَرِحا مَرِحا، راضيا مرضيا.؟

نحن المسؤولون عن واقعنا وحاضرنا وحلمنا ومستقبلنا ولا مسؤول سوانا.

العنصر الذاتي هو المحدّد.

أين نوادي السينما؟ والمسرح؟ ونادي الفكر؟ ونادي الدراسات؟ ونادي القصّة؟ ونادي الأدب؟ ونادي المجلّة؟ أين الرحلات الاستطلاعية التي كانت تنظم في المعاهد؟

«بالعلم والعمل فرحة الحياة».

أتذكرين هذا النشيد الطفولي الذي ترتسم لسماعه اليوم الابتسامات على الشفاه لبساطته وصدقه في عالم انقلبت فيه القيم وصار فيه الشباب يسخر من العلم ويحقّرُه ويسفّهه ويهزأ بالعمل فلا يعرف طعم ملح العرق ولا تحسن يده مسك أبسط أداة عمل وإن كانت.. قلماً. إنّ هذا الشعار اليوم يعتبر الوصفة السحرية الأساسية للخروج من دهاليز الظلام، من ثقافة عذاب القبر، وبخور المشعوذين التي تردّينا فيها مع منعرجات التاريخ وبسبب استقالتنا وتقاعسنا وقبولنا بالخضوع والركوع والخنوع.

***
ولو فى يوم، راح تنكسر، لازم تقوم
واقفْ كما النّخل باصِصْ للسّما للسّما
ولا انهزامْ.. ولا انكسارْ
ولاخُوفْ ولا.. ولا حلم نابِتْ فى الخَلا
***

المصدر: "صوت الشعب" العدد 22 بتاريخ 3 نوفمبر 2011

ملاحظة

(*) «المصير»: شريط للمخرج المصري يوسف شاهين إنتاج سنة 1997، يصوّر حياة ومأساة ابن رشد (1126م - 1198م) قاضي القضاة بقرطبة والفيلسوف وشارح أرسطو الكبير والذي حُرقت كتبه وهو الذي يمثل حلقة الوصل بين الثقافة العربية الإسلامية النيّرة والنهضة الأوروبية...

هوامش

[1علِّ صُوتَك بالغُنا: أغنية شهيرة من أداء محمد منير وقد أدّاها في شريط «المصير».

[2بمثل هذه النعوت رسم علي الدوعاجي الأرملة التي صارت امرأة «سيدي المدّب» في أقصوصته «أمن تذكر جيران بذي سلم؟» الواردة ضمن مجموعته «سهرت منه الليالي».



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني