الصفحة الأساسية > البديل الثقافي > حتى نحقق ثقافة ديمقراطية
حتى نحقق ثقافة ديمقراطية
10 آذار (مارس) 2011

إن استباق الثورات والانتفاضات الشعبية، بعصور تنوير ثقافية يبدو شرطا للنهوض بالشعوب والمجتمعات من عصور الانحطاط والذل. فالوعي الثقافي مؤشر لحالة الجيشان في أعماق الشعب، لأنها المنبئة بأن المجتمع يتمخض عن عالم جديد قيد الولادة. لذا لا بد أن يترسخ الأدب والفن في أعماق الأحياء من البشر الذين ينشدون الحد الأدنى من حياة الحرية والكرامة والمستقبل المضيء... فذاكرة الناس لا تنسى، والكذب والزيف وحقن عقول البشر بالأضاليل وطمس الحقائق سُجّل بكثير من المقت والازدراء في ذاكرة الشعب الذي استذل وأهين بقوة القمع والخوف.

وكماركسيين يجب أن نكشف هذا العار الذي يرى في البشر قطيعا، يأكل ما يقدم له من فتات أسيادهم غير قادرين على الإبداع.

ولسائل أن يسأل: ما علاقة الماركسية بالأدب والفن؟

إن للفلسفة الماركسية مفهوما للعالم كله ونظرية في المعرفة ومنهجا ماديا جدليا في البحث والتحليل، وهي كذلك لا تهمل الفن والأدب من بحثها.

وقد طبق ماركس وأنجلس المادية التاريخية كمنهج في الأدب والفن ليوضحا الأثر السيء للأدب البورجوازي على البروليتاريا. كما بيّنا من منظور الصراع أن الأدب والفن في أي عمل ذو حدين: موضوعي وذاتي: كفاح الإنسان في العالم، طبقيا ضد القوى الطاغية اقتصاديا واجتماعيا، وداخليا، نزوعا نحو التوازن النفسي ضد الاغتراب والإحباط والألم... الذي يكرسه الجهل ومظاهر الانتهازية والطائفية، وهذا الاغتراب ما قبل الوعي، يدفع هذه الطبقات أحيانا لتكون ضد مصالحها ومستقبلها على نحو إرادي.

لذا نجد أن ماركس وأنجلس يدعوان، في كتاباتهما وملاحظاتهما، الأدباء والفنانين أن يرسموا صورة دقيقة لواقع الصراع الطبقي في العالم، ويسهموا في تشكيل الضمير الطبقي لدى المستغلين. فالفن الطلائعي مذهب يحوي بداخله كل المضامين والقياسات الجمالية والإنسانية. وعلى نفس الدرجة يعمل على إبراز النضال الطبقي ويكشف الدعاية الرأسمالية والبورجوازية الفجة التي تؤسس لثقافة استهلاكية وتشيّء الإنسان وتدجنه وتفرغه من كل القيم الراقية. فقد أكد ماركس حتمية وضرورة التصادم بين القوى المادية للإنتاج في مرحلة ما من تطورها مع علاقات الإنتاج القائمة التي تستحيل إلى قيود لقوى الإنتاج وهو ما سيؤدي إلى ثورة اجتماعية يتغير فيها البناء الفوقي بأكمله مع تغير الأساس الاقتصادي. وهنا لا بد أن نميز بين التغيّر المادي للظروف الاقتصادية للإنتاج والتي يمكن أن نحددها بدقة، وبين الإيديولوجيا التي يعي بها الناس هذا الصراع ويتغلبون بها عليه. لذا ينبغي على الفنان أن يفسر الوعي بتناقضات الحياة المادية، وبالصراع القائم بين القوى الاجتماعية للإنتاج وبين علاقات الإنتاج. وبإشارتهما إلى بعض القصص الأدبية أو اللوحات أو مدارس فنية يوضح ماركس وأنجلس أثر الرأسمالية ومعنى الإنتاج الرأسمالي، بمعنى أنهما يكتبان ليحققا فعلا سياسيا، وهنا لا بد من توضيح مسألة مهمة غالبا ما ركزت عليها البرجوازية في دعايتها ضد الثقافة والإبداع الطلائعي، مفادها أن الإبداع والأدب والثقافة عليها أن تتخلص من الإيديولوجي والسياسي وكأن المبدع والمثقف كائن ضوئي فوق الصراع الطبقي، ومتعال عن هموم الإنسان الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وكأن ما تروج له الرأسمالية والبرجوازية خال من الإيديولوجيا. إن المثقف الإنسان والمبدع الطلائعي هو كائن سياسي بامتياز لكنه يعالج ويمارس السياسة بآليات الثقافة وبرؤية المبدع وروح الفنان الذي ينتصر دائما للقضايا العادلة. إن المبدعين والفنانين في مختلف مجالات الإبداع هم "مهندسو أرواح". والفن هو تعبير عن الصراع، لا بين الفرد والمجتمع فحسب، بل أيضا بين الإنسان والطبيعة وبين قوى مناضلة صاعدة من جهة، وقوى معادية للشعب وتطور التاريخ نحو المستقبل الأكثر عدالة والأكثر تقدمية من جهة أخرى.

والواقع دائما يُعبّر عنه بأشكال مغايرة، لكن لا بد لنا أن نكون أوفياء لعصورنا وشهودا عليها، نرصدها ونحللها ونشهد عليها بكل تجلياتها الجائرة والقاسية والمنحطة رغم كثرة المضللين الذين يرفعون رايات الفرح والتفاؤل والطمأنينة في عصور الشقاء وفقدان الأمان وسحق الحرية والكرامة بأحذية بوليس الفاشية والرأسمالية.

ولعل اهتمام ماركس وأنجلس ببلزاك دون غيره من الواقعيين الآخرين، وإعلان أنجلس أنه تعلم من بلزاك ما لم يتعلمه "من كل كتب العصر التي كتبهــــــا المؤرخون والاقتصاديون والأخصائيون المحترفون مجتمعين"، خير دليل على أهمية الدور الذي يلعبه الأديب في مجتمعه. فقد فضح بلزاك البرجوازية الفرنسية. وروايته "الكوميديا الإنسانية" مفعمة بصور البرجوازيين الأدنياء والخسيسين الدساسين المتآمرين، والأجهزة الخفية المتحكمة بالشعب. إن روايته تعكس واقعيا الأهواء المرتشية وجنون التملك الذي تجاوز القانون في سبيل التلذذ بالعيش على حساب الشعب.

مثل هذا الأدب يبدو اليوم نادرا، بل ربما كان على حافة الانقراض. وهذه الصيغة واقعية في عصر الانحطاط وزمن الاستهلاك. فالأدب والفن مسخر لخدمة الطبقة الحاكمة التي بلورته ومنهجته لترسيخ بقاء الطبقة المسيطرة وإحكام هيمنتها المطلقة مسلحة بنظام قمعي، بوليسي، هدفها التدجين الديماغوجي للشعب بأسره. بمعنى أن الطبقة التي تملك وسائل الإنتاج هي التي تملك الإنتاج الفكري في نفس الوقت، فتحول في ظلها الأدب والفن إلى ثقافة مؤسساتية مشلولة وضيقة الأفق. فالسلطة تأخذ من الأديب والفنان شرعيتها وهويتها ثم تدجنه داخل آلية قمعها وقانونها المزيف وغير الشرعي، وتعتبر العمل الفني سلعة تتحدد قيمتها بنجاح عملية البيع أو فشلها. وهي تسعى إلى المراوحة بين الثقافة السائدة والموروثة، والثقافة الغربية كسياج ملفق لحماية سلطتها السياسية مكرسة هيمنة فكرها وثقافتها البرجوازية، لتعرقل تقدم المجتمع داخل استمرارية واقع يظل أسيرا لهيمنة الماضي المقدس وحاضر يدغدغ غرائز الجماهير.

ولعل الواقع والمشهد الموضوعي للشعب في بلادنا اليوم، يورث إحساسا بالمرارة والعجز والسلبية لدى بعض الأدباء والفنانين. كما يولد شعورا بالهرب والحياد والاغتراب... للبعض الآخر. لكننا نجد أدبا يخترق الجميل إلى الكريه والدميم، ويتجاوز التفاؤل الأبيض باتجاه الواقع الأسود والسوداوي فيعريه: كما يرى الحب يرى الخيانة، وفي عصور القمع والذل وجنون الدم وبشائر الموت على يد الدكتاتورية، لا يمكن أن يكتب أديب وروائي مثل عبد الجبار المدّوري والأزهر الصحراوي وجلول عزونة ومحمد جابلي ورضا البركاتي والفاضل الجعايبي وسامي النصري وتوفيق الجبالي ونور الدين الورغي وغيرهم والسينمائيين وخاصة من الشباب مثل نصر الدين السهيلي ورفيق العمراني والموسيقيين مثل منير الطرودي ورضا الشمك ونبراس شمام والذين ظلوا صامدين وما زالوا، عن التبشير بالحرية والديمقراطية والسعادة والفرح في ظل نظام فاشي.

إن حزب العمال يرى ولا يزال أن تحقيق ثقافة ديمقراطية مشروط بتوفر عوامل أساسية ثلاثة:

أولا، الحرية، أي حرية الإبداع في كافة المجالات الأدبية والفنية والعلمية.

ثانيا: تكفـّل الدولة بتمويل الثقافة حتى لا يتحول النشاط الثقافي إلى نشاط تجاري غايته الوحيدة الربح، وحتى تتوفر نفس الحظوظ لكافة أفراد المجتمع سواء في الخلق والإبداع أو في التمتع بالمنتوج الثقافي.

ثالثا: إعطاء الثقافة مضمونا وطنيا اجتماعيا، تقدميا، علميا، إنسانيا ينهض بالوعي الجماعي لأفراد المجتمع ينمي معارفهم ويرتقي بأذواقهم ويقربهم من الثقافات الإنسانية الأخرى. وعلى هذا الأساس فإن النظام الديمقراطي المنشود يضمن:
- حرية الإبداع والبحث العلمي
- التمويل العمومي للنشاط الثقافي
- بعث هيئات منتخبة في مختلف القطاعات الثقافية تتولى توزيع الدعم المالي.
- تطوير الفضاءات الثقافية (مسارح، قاعات سينما، إلخ.) وتوزيعها بشكل عادل على كافة مناطق البلاد.

وبصورة فورية:
- إلغاء لجان الرقابة على الإنتاج الأدبي والفني.
- إلغاء كافة القيود القانونية والعملية على حرية التعبير والإبداع.
- ضمان حق كافة المبدعين والمشتغلين في كافة القطاعات الثقافية في حرية التنظم. بعث مجلس وطني للثقافة ومجالس قطاعية منتخبة تتولى توزيع الدعم وفق معايير موضوعية.
- ضمان حق كافة المبدعين في استغلال الوسائل السمعية البصرية وخاصة منها الإذاعة والتلفزة لتقديم إنتاجهم.


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني