الصفحة الأساسية > البديل الثقافي > عندما ينفجر الحقد!
عندما ينفجر الحقد!
تشرين الثاني (نوفمبر) 2009

ذات فجر تناثر الوطن نيزكا لامعا كالرمح، ومن أعماق الأرض تلاشى... وفي الصباح أفاق الناس على هذا الطيف البنفسجي الذي قرع الطبول ونادى بأعلى صوته: "أفق أيها الشعب من سباتك ! أنا من تنتظر..! أنا من سينسف كل أحلامك ويحرمك من المستقبل، فافرح بهذا "التغيير"...

أعدك بالكثير من العذاب والقهر والذل... أبواب سجوني مفتوحة على مصراعيها فادخلوها راكعين...

خيم الخوف والصمت والأمل الكاذب... وبدا الطيف يتألق من كل الجهات، وراح ينثر السواد والخراب أينما حلّ، فرشت الأرض تحت أقدامه جراحا ودما منبثقا من جوف الأرض.

دقت الطبول، ونفخ في الأبواق... ارتعشت القلوب... فتأكد الناس أن زمنهم هو زمن الموت البطيء، زمن الخوف والصمت الذي يغطي ليالي هذا الوطن الكالحة والغارقة في حدادها. هو الزمن الشبيه بنجمة بعيدة في سماء معتمة. إنه ذلك الضوء الذي يهدينا إلى دروب أكثر قيود وأكثر صمت.

لقد فقد الشعب البوصلة وتعب من الخطابات الجوفاء والوعود العرجاء وتجاعيد النفاق. أصبحنا نرى بوضوح لا مثيل له هذا الاضطهاد والحصار وكل القيود التي تكبلنا. هم الآن منتشرون في كل شارع، في كل الساحات والأزقة، وفي الملاهي والمساجد والجامعات... وتحت الإيقاع الوحشي لعصا الجلاد نعيش ونموت. وفي غمرة هذا المهرجان، وهذه المسرحية المملة حيث رقص من رقص، وغنى من غنى وشارك من شارك ولوحق وقـُمع من قاطع، حيث جُدّد "العهد الجديد" ورفعت كل "التحديات" وفوجئ الجنرال بفوزه كالعادة في انتخاباته، وأن البلاد هي حِلٌّ له ولكلابه...

ولأن زماننا نحن الشعب غائب في رحم الضباب، نموت بصمت وبلا صرخة.

والوطن الضائع يئن من ثقل أوزارنا

هل ترانا نستحق الموت قهرا هذه الليلة؟ أم أن الجنرال وأتباعه وكل من خان الوطن، هم من يستحق فعلا المحاسبة في هذا الزمن الأعمى؟

فخلال 22 سنة من السنوات العجاف التي مرت على تونس السياسة والثقافة والاقتصاد والشعب، وهي وراء ستار خشبهُ المسرح بعيدة عنا نفيا وسجنا وهروبا، قريبة منا حبا ونبضا ودما يتدفق على أرضها.

هي نفسها السنوات التي نأت وما تزال بيننا وبين أولي الأمر فينا، الحاكمين برقابنا عُنْـتًا واغتصابا.

ونحن اليوم الشهود والشهداء في هذا الوطن. الشهود بصمت كصمت القبور، لأن الرعب والخوف استوطن كل خلية من خلايا دماغنا وسرى في عروقنا كالدم، شهود على كل أنواع الاستلاب والاضطهاد والقمع والتزوير... شهود على كل ما يجري باسم الإنسان ومستقبله والوطن وتقدمه، وهو في الواقع من أجل السلطة. سلطة الواحد الأحد الذي لا يصير اثنين في هذا البلد الذي صار فيه بن علي ربها الذي لا يقبل الشراكة في الألوهية المقدسة.

ونحن الشهداء لأن الوقت ليس وقتنا. هو وقت الوحوش الفالتة من أقفاصها. وقت أحلام اليقظة المحاطة بالحديد والنار، والأخلاق القديمة، والخداع الديماغوجي، والانتصارات الكاذبة والتاريخ المزور.

تتراءى لنا الآن في مرآة مكسورة هشمتها الدكتاتورية المكللة بالفجائع وصرخة الإنسان الضائع عشية المهزلة التي ما تزال مرارتها في الروح، دماء ذاك الشهيد الذي رفض أن يركع، واستشهد واقفا، فكان استشهاده وحده من أعلن نصره. ولعل البعض يتساءل أمام كل هذا: لماذا هذا الخوف الفجائعيّ فينا، بينما تتألق ساحات الفاشية محتفلة بنصرها؟

وماذا يمكن ان نسمي هذا اليوم بغير اسمه الحقيقي: العار ! وسيقول آخر: إن الجحيم هذا كله. سأكتفي بنفسي لأن الواحد لا يصير اثنين فيي بلاد كهذا البلد الساقط من حساب الزمن والتاريخ.

الكل محاصر، مقيد، مقطوع... لكن سيبقى الوطن يشتعل في الروح كالنيران، وفيما بعد نذهب إلى حساب اليوم الأعظم، حساب الفاشية، والدكتاتورية الغاشمة. فيوم يكون الخيار بين الموت والعيش بكرامة لا ينبغي التوقف طويلا للتأمل، فالوطن في خطر.

اعلم يا شعبي أنك لم تغب يوما عن ميدان الصراع... صراعك مع كل القيود التي جعلتك أسيرا لها. صراعك ضد الفقر، التهميش، البطالة، القمع... صراعك هو صراع الحياة أو الموت...

وحقدك لن يبقى إلى الأبد واقعا عاديا تحاول إخفاءه تحت غطاء بارد في التهكم والسخرية، ففي يوم من الأيام، وبذريعة ما، سينفجر هذا الحقد وتكتشف أن لا شيء منذ 22 سنة أو مائة عام أو حتى ألف عام قد نـُسي، لا الصفعة ولا القمع ولا الجوع.

هــُـدَى


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني