الصفحة الأساسية > البديل الثقافي > قراءة في الأوراق النقدية (*)
بمناسبة – 5 ديسمبر- الذكرى 47 لاستشهاد الزعيم حشاد:
قراءة في الأوراق النقدية (*)
23 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009

من الخمسة دنانير إلى الخمسين، من حنّبعل إلى ابن رشيق

مـُرُورا بمَنْ بالحياة فـداها
ومن بِعَرَقِ الجَبينِ صوَّرَها وبالعملِ ضَمِنَها وبالثّقةِ تَداوَلهَا.

إلى أحفاد محمد علي...
إلى أبناء حشّاد...

إلى كلّ من يساهم في
خلق الثروة
وبناء الوطن
وصنع التاريخ

إلى العامل الكادح الفالح الذي...
كبا مرّات وانتصب مرارا
وعلى وجه الدنيا ترك آثارا
وإن مرّ عليها السّافي وكساها غبارا
فالريح ستسوق السُّحْبَ وتغسلها الأمطارا

هي آثار ليست كالآثار آثارا
شاهدة على ما مضى في عصور وأمصارا
على ما كان وأتتْ عليه أزمانٌ وأقدارا
قصورا، دورا، معابد وأسوارا

هي آثار قدم حافية، لا من رقّ، بل إصرارا
إن دكّت جبلا فجّرت نارا
وإن دقّت أرضا نبعت أنهارا
وإن لامست موجا أيقظت به إعصارا
وإن فلحت مرجا تفتّح زهرا ونوّارا
قدم تعبّد طرقا للأحرار الأحرارا

هي آثار يد عالية ترفع مدنا وديارا
يد تقرّب الأفْق مقدارا فمقدارا
وقبضة انتصبت للحريّة منارا
كفّ طهّرت عيونا فتّحت أبصارا
أصابع أوقدت للآتي أنوارا
ونصّبت النّور دينارا

في الحقيقة دار الحديث في هذا الشأن في الصّائفة الفائتة لمّا راج خبر استصدار البنك المركزي التونسي الورقة النقدية الجديدة، ورقة الخمسين دينارا. وشدّ الموضوع اهتمام المجلس وأثار النقاش الجماعة التي قد تكون لبعضهم اهتمامات نقابية ومتابعة للشأن النقابي ولكنّ البعض الآخر كان قد كفّ منذ مدّة عن ارتياد ساحة محمّد علي بعد أن أصابه فتور واعتراه عزوف عن بناية الاتحاد وهياكله ونشاطاته ولكنّ روح الانتماء النقابي لم تفتر وظلّت جمرته خابية تحت الرماد. لا علينا. ليس هنا مجال الخوض في هذا.

لقد كان منطلق الحديث التساؤل عن الشخصية التي سيكون لها شرف التصدّر على الورقة النقدية الجديدة.

ولأنّ الحديث ذو شجون أثار الكلام عديد المواضيع ذات الصلة أو المتفرعة على غرار هل أنّ ظهور ورقة نقدية جديدة في كلّ مرّة ذات قيمة أعلى (العشرة وبعدها العشرين ثمّ الثلاثين دينارا واليوم الخمسين) هو علامة قوّة اقتصادية مطّردة وتطور ورفاه وازدهار أم هي علامة تضخّم مالي؟ هل يعود ذلك لحالة الاقتصاد الوطني أيْ للعوامل الداخلية أم للعوامل الدَّخيلةِ دَخْلٌ؟

-1-
البنك المركزي أحد أركان السيادة الوطنية

وتساءلنا: هل ينحصر دور البنك المركزي في المجال المالي: إصدار الأوراق المالية، تنظيم السوق المالية والإشراف على البنوك ومراقبتها... أم يشمل الاقتصادي أو هو بالضرورة ذو صلة بالاقتصادي؟ والسياسي؟ أوليس السياسي في عنبر القيادة ومركز القرار؟ وهل يتوقف دوره هنا أم خلف المالي والاقتصادي والسياسي ثمّة وظيفة أو وظائف أخرى ثقافية وحضارية...؟

لم نختلف البتّة في أنّ البنك المركزي هو أحد أهمّ دعائم السّيادة الوطنية. وتذاكرنا أيّام بعثه وتأسيسه، ونحن صغار وكم شحن فينا المعلّمون الأوّل من فخر واعتزاز بالمؤسسة الوطنية الجديدة التي بعثت الدينار وصغيره الملّيم ودحرت الفرنك.

وتبادلنا بمرارة أخبار البنوك. كان كلّ واحد منّا يحكي كيف وقع التفريط في هذا البنك أو في قسط من ذاك وقد كان من الملك العمومي فخصَتْه الخوصصة ولفّته الخصخصة وصار لقمة سائغة إلى هذه المؤسسة المالية الأجنبية أو تلك. واستعرضنا ظاهرة ظهور أسماء بنوك أجنبية إلى جانب أسماء بعض البنوك التونسية. (كقولك: ديليس – دانون) وماذا يعني ذلك؟ هل هي علامة صحيّة أم تدخّل أجنبي في الميدان المالي (بعد التدخل في صناعة الياغرط الثقيلة التي استعصت علينا فاستنجدنا بتكنولوجيات تسويق مشتقات الحليب من بلاد جنون البقر)؟

أوليست هي العولمة في أرقى تجلّياتها: تدمير المحلّي، الجهوي، الخاص، المتميز، وتعميم النمطية وتحييد الذوق ومحو الثقافة وتبليد الفنون وتهجين الحياة... وذلك عبر ومن أجل مركزة رأسالمال على مستوى عالمي والمضيّ في تجميعه في قبضة واحدة؟

ويتبيّن للمتحدّث منّا في الأثناء أنّ المستمعين ليسوا على علم بذاك فقط بل منهم من أضاف معلومة ومنهم من دقّق خبرا أو قدّم مثالا لحالة ومنهم من وضع رقما على قيمة أو نسبة على معاملة.

فالتونسي يعرف كلّ شيء. ولا يخفى شيء على الواحد منّا. فكلّ تونسي "ؤُحيِّدْ" (هذه صيغة تصغير للواحد العارف بوحده لوحده في وحدته. هي حالة وعي فردي ممنوعا من التصريف الجمعي).

وحاول حسّان، مهرّج المجلس، أن يبعدنا عن النكد وأن يرفه عنّا برواية إحدى مغامرات العمّ سالم الذي أصبح معروفا في مجلسنا بنوادره الطريفة.

-2-
بنك الشعب أحد أركان سيادة الشعب

حدّثنا حسّان قال:

في بداية الستينات، وبعد بعث البنك المركزي، أُسِّس باسم الشعب الكادح بنك من حرّ ماله من عرق جبينه، من خبز عياله، وكانت قيمة السهم الواحد خمسة دنانير تقتطع من أجرة العامل في المناجم، في التعاضديات، في مصانع النسيج وغيرها. وسُمِّيَ باسمه: "بنك الشعب".

وكان العمّ سالم قد تحمّس واقتنى بعض الأسهم ويُعتبر ذلك تضحية كبيرة منه لأنّ الخمسة دنانير، سعر السهم الواحد، هي حوالي نصف أجرة العامل ففي عديد الحالات، بالكاد، تتجاوز، في الستينات، أجرة العامل شهريا العشرة دنانير وللمقارنة، بالكاد، كانت شهرية المعلّم تتجاوز العشرين دينارا.

وكان "بنك الشعب". يا للروعة. يا للنصر المبين.

إذا كان البنك المركزي هو أحد دعائم السّيادة الوطنية فإنّ بنك الشعب هو أحد دعائم سيادة الشعب.

وقال:

ولكن مع نهاية الستينات انتهت مرحلة ودخلت السبعينات وابتدأت مرحلة.

انتهت مرحلة العزّة والنشوة والنخوة والبناء والتشييد وبدأت مرحلة الدزّة والرشوة والخونة والهدّ والتدبير (الراس) والشدّ (إلى الوراء).

انتهت مرحلة "نحن" العالية وبدأت مرحلة "الأنا" المتعالية.

وأنْزِلتْ يافطة "بنك الشعب" واقتلعت الرخامة.

واختفى بنك وظهر بنك.

وبعد مرور فترة، وبعد أن تجاوز العمّ سالم مرحلة الدهشة التي شملت كلّ أرجاء البلاد والبهتة التي ضربت على يافوخ كلّ العباد، اكتشف يوما وهو يقلّب، في خزانته، وثائق وأوراق رسمية، أسهم بنك الشعب.

لفّها في جيب سترته ورمى برجله في القطار وانحدر إلى تونس ووجهته البنك المنشود.

وبعد أن لفّ في بعض المكاتب حيث السيّدات الأنيقات والأوانس الجميلات اللاّتي خاطبنه بلون من اللّطف المصطنع الذي يُخْفي عطف نفاقٍ وناديْنَه "يا بابا" بنبرة مشبعة بالإشفاق على هذا العجوز الذي زلّت به القدم في منعرجات الزمن المرتد، خرج من عندهنّ وطلب مقابلة المدير.

ولكن أنّى له ذلك؟

عندها نزل إلى البهو الكبير وراح العمّ سالم يخطب بأعلى صوته:

"ما هذه اليافطة الجديدة وما هذا الاسم الجديد؟ هذا البنك هو بنك الشعب وأنا واحد من الشعب وهذه حجّتي. هذه أسهمي. هذه شهادة ميلاد هذا البنك وشهادة الملكية."

فانفتح بابُ المدير.

وتعرّف المدير من خلف نظّارته المُذهَبَة على الأسهم واعترف به واحدا من مؤسسي البنك وأعلمه أنّ مجلس الإدارة قرّر بالأغلبية تغيير اسم البنك و..." ولكنّ عن أيّ أغلبية تتحدّث؟ هذا البنك هو ملك عمومي، ملك الدولة، أي ملك الشعب وأنا واحد من هذه الأغلبية ولم يقع إعلامي ولا استشارتي".

"افهمني يا "بابا" يمكن أن نعتبر هذه الأسهم صالحة - رغم رجوعها لمرحلة قديمة تجاوزها البنك وطواها الزمن - وبناء على ذلك يمكنك بيعها بالسعر الجاري اليوم وإن شئت إتمام العملية فالمكتب عدد: 10 في خدمتك."

وحاور بعضهم حسّانا:

- "حكاية أيّ بنك هذه؟
- بنك الشعب.
- ما اسمه؟... ما اسمه الجديد؟
- لقد غيّر اسمه مرّة أخرى بعد أن تغيّر مالكه، لقد تمّ بيع أسهمه نسبا بعد نسب.
- ومالكه الجديد؟
- آه. إنّه أجنبي ليس من هنا. إنّه اليوم على ملك طرف من الرأسمال العالمي ناشط في التجارة العالمية وله موقع قدم في سوق المال بالمغرب العربي.
- واأندلسـاه !
- يا للنكسة.! – يا للعجب. ! – يا للنكبة. ! – يا للعُربِ. ! – يا للنك(ح)ة. ! – يا للغَربِ.!

وصاح حسّان: هذه إعادة هيكلة. ألم تسمعوا بـ: (la mise à niveau !)

-3-
الأوْرَاق النقْديَّة أيقُونة ٌمن أيقوُنات الهُويَّة

ولكن من حسن الحظّ أنّنا مازانا نتعامل بأوراق نقدية بإمضاء بنكنا المركزي. وتمنّى حسّان أن يتواصل ذلك حتّى يصرف الواحد منّا آخر دينار في حياته.

وعدنا للحديث حول شكل الأوراق النقدية وتساءلنا عن دلالات الرسوم والصور التي تحملها. وما هو الخطاب الذي تروّج له؟ وإلى أيّ مدى يكون ذلك هاما وهل ثمّة رهانات؟ وغيرها من التساؤلات والإشكاليات.

ولم نختلف مرّة أخرى. وأجمعنا على أنّ الأوراق النقدية أيقونة من أيقونات الهُوية.

إنّ المتمعّن في الأوراق النقدية التي أصدرها البنك المركزي – ونقصد تحديدا أوراق العشرة دنانير والعشرين دينارا والثلاثين دينارا- يمكنه أن يلاحظ خطّة ومنهجية ومسحا تاريخيا في اختيار الشخصية التي تحلّي الورقة النقدية في كلّ مرّة.

لقد ظهر حنّبعل على ورقة الخمسة دنانير وعلى ورقة العشرة دنانير ظهر ابن خلدون شاركته فيها علّيسة في إحدى طبعاتها.

فورقة العشرين دينارا وعليها صورة خير الدين التونسي.

ثمّ كانت ورقة الثلاثين دينارا وقد تصدّرها أبو القاسم الشابي.

عليسة وحنّبعل يعودان بنا إلى التاريخ القديم وبالتحديد إلى تأسيس قرطاج وإلى المجال العسكري والانتصارات المجيدة على روما وزعامة البحر الأبيض المتوسط.

أمّا ابن خلدون فقد انتقلنا معه إلى التاريخ الوسيط والمجال الفكري الرائد.

ومع خير الدين التونسي ندخل التاريخ الحديث، النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وريادة الإصلاح.

وصحبة الشابي نلج فجر النهضة، الثلث الأول من القرن الماضي، الثلاثينات المجيدة والمجال الثقافي، الفنّي، الأدبي، تفتيق الخيال وتثوير الشعر وتجديد اللغة.

هكذا إذن تمسح شخصيات الأوراق النقدية أهمّ مراحل تاريخ تونس متنقّلة بين أهمّ مجالات الحياة.

-4-
المعــــيار؟

واليوم؟

واليوم من هي الشخصية التي ستحظى بشرف التصدّر على ورقة الخمسين دينارا؟

هذا هو السؤال الطريف الذي شدّ مجلسنا، مجلس الأنس، في سهرات الصيف الفائت.

طبعا لقد عُرِف الجواب وظهرت الورقة النقدية الجديدة وعليها ابن رشيق القيرواني صاحب كتاب العمدة...

ولكنّ البحث عن الشخصية المنتظرة آنذاك كان بالنسبة لنا تمرينا منطقيا شيّقا لذلك سأنقله ولو بعد فوات الأوان. ومتى كنّا في الميعاد؟

على كلّ.

إليكم ما كان وما صار.

لقد اتفقنا أوّلا على أن نحدّد الفترة التاريخية.

فبعد التاريخ القديم (المقصود الحضارة البونيقية) والوسيط (أي القرون الوسطى) والتاريخ الحديث (أواسط القرن التاسع عشر) والثلاثينات المجيدة من القرن الماضي والنهضة الشاملة التي عاشها المجتمع التونسي، لم يبق إلاّ المرور إلى أواسط القرن العشرين، مرحلة الخمسينات، التاريخ المعاصر.

إذن ستكون الشخصية من التاريخ المعاصر، قريبة منّا.

ثانيا يجب أن نتفق حول بعض المواصفات التي ستمكنّنا من تحديد الشخصية. الدور الهام وربّما الريادي في المجال الذي تنتمي إليه والاعتراف لها بذلك وضرورة حصول إجماع حولها بعد تمتّعها بالشهرة طبعا.

بقي الآن المجال. بعد التأسيس الحضري (عليسة) والعسكري (حنبعل) والفكري (ابن خلدون) والفنّي-الأدبي (أبوالقاسم الشابي) ماذا بقي من المجالات؟

إنّ مجالات المجتمعات الإنسانية المعاصرة هي بالأساس: الوطني والاجتماعي والرياضي ...

وصاح حسّان: نعم الرياضي وأقترح القمودي...

وبعد هياج حسّان وفيض غرائزه الرياضية البدائية عدنا إلى المجال الأوّل: الوطني. وصاح حسّان ثانية: عرفته إنّه المجاهد الأكبر. لكن ودون الخوض في تقييمات لزعيم الحركة الوطنية والرئيس الأوّل لمدى الحياة كان جليّا أنّ الرجل استهلك نفسه بنفسه وطرح نفسه عن السباق باعتبار أنّه احتكر الحضور على كلّ الأوراق النقدية (ورقات: النصف دينار والدينار والخمسة دنانير والعشرة دنانير والعشرين دينارا أيضا) المطبوعة خلال فترة حكمه: حوالي ثلث قرن.

ماذا بقي إذن؟ المجال الاجتماعي أو الوطني في أواسط القرن العشرين

وسطع النجم. ولمع الاسم الذي جمع بين الاجتماعي والوطني: بعث اتحاد الشغالين وقاد الثورة في الثاني والخمسين. وسقط شهيدا على طريق الانعتاق الاجتماعي والتحرر الوطني.

له الريادة والقيادة وحوله الإجماع بلا منازع.

إنّه الزعيم العظيم فرحات حشّاد.

لمّا ظهرت الورقة النقدية ذات الخمسين دينارا أُصِبْنا بذهول وخيبة أمل، بنوع من الفشل أو الفتور، شعور شبيه بالإحباط، ولأنّنا من فرط معايشة الإحباط ومعاشرته، في شتّى المجالات وخاصة فيما تعلّق بالسّاحة النقابية، حصلت لنا معه ألفة. احتملنا فشلنا في التكهن بكلّ روح رياضية علاوة على أنّه ليس لنا أيّ اعتراض على ابن رشيق، خاصة وأنّ حسّان من خرّيجي معهد ابن رشيق... ثمّ إنّ ما هوّن عليّ الأمر أنّي – وصدّقوني أرجوكم – لم أر الورقة النقدية الجديدة إلاّ مرّة واحدة. أرانيها أحدهم رأفة بي وطارت من كفّي في لحظتها ولم تمكث بين أصابعي أكثر من ثوان لأنّ الأيادي اختطفتها والعيون التهمتها. لذلك أقترح بالمناسبة على صديقي محمد، رئيس التحرير أن يدعّم هذا المقال، إن كُتِبَ له النشرُ، بصورة للورقة النقدية الجديدة حتّى يتعرّف عليها الشعب الكريم، وجمهور قرّاء "الشعب"، أقصد الجريدة طبعا وليس البنك، الذين لم يسعفهم الحظّ إلى اليوم للاطلاع على الورقة الجديدة العزيزة (والعزيز ما عزّ مناله أي صعُب الحصول عليه).

-5-
سـرّ الاخـتـيار

ولكنّ سؤالا محيّرا بقي يحفر في الدماغ بإلحاح: لماذا وقع الاختيار على ابن رشيق؟ ما هو المعيار؟ ما هو سرّ الاختيار؟ لا بدّ أنّ خيطا سريّا ما في الأمر جعل ابن رشيق القيرواني يزحف من الماضي البعيد ويتقدّم على فرحات حشّاد واحدا من أبرز وجوه العهد الجديد.

واليوم، وقد اكتشفتُ السرّ بعد أن عدت إلى سيرة ابن رشيق وعصره ومصره ونقّبت تنقيبا وفتّشت ربشا ونبشا حتّى خرجت حافيا عاريا وأنا أصيح وجدتها وجدتها أي بالعربية الفصحى: "أوريكا أوريكا". ها أنّي، إذن، بعد اكتشاف السرّ، أنقل لكم الحكاية كما هي.

لقد تمّ اختيار ابن رشيق لا لعلمه أو أدبه أو اسمه أو شهرته... أو قولته الشهيرة أنّ أجود الشعر ما أحال السمع إلى صورة، فسبق بها عصره وأعلن عن عصر الصورة قبل أوانه، بل لحادثة طريفة فاز خلالها في مسابقة شعرية ومن حسن حظّه أنّ التاريخ سجّلها له وها هو ينال عليها الاعتراف ثانية، الآن، بعد منّة الأمير المعلنة آنذاك.

وهذه هي الحكاية.

لقد وفدت ذات يوم من أيّام عزّ القيروان أيّامَها، على القصر الملكي قافلة سفارة من بلد إفريقي "بنانيٍّ" أي منتج للموز، وهو السودان. وفي السهرة انتظم المجلس ودار الحديث وكانت الصواني تضيق بالمشروبات والحلويات القيروانية وثمار جنائن إفريقية من كلّ الأصناف وتصدّر الموز مجلس الغلال وتسلطن معتمدا حقّ الضيافة وهو واجب مقدّس يجب على أصحاب الدار احترامه، ذلك أنّه دخل القيروان ثمّ القصر فالمجلس مع قافلة الضيوف وضمن الهدايا السلطانية.

وبعد أن تذوّق الحاضرون الموز واستطابوه وأعجبوا ببنّته ورطوبته ونكهته طلب الأمير من رجال الأدب في مجلسه أن يتباروْا في نعت الموز ومدحه.

فكان نظم ابن رشيق هو الحاسم حيث يقول:

مـوْزٌ سـريعٌ أكْلُهُ
من قبل مَضْغِ الماضِغ

مـأكَـلةٌ لآكـلٍ
ومشْــربٌ لسَـائِغ

فالفمُ منْ لينٍ به
مـلآنُ مثلُ فَارِغ

يُخَـالُ وهْـو بالغٌ
للحَلْقِ غيرُ بالِغ

-6-
الاعتـبار

لقد عدّل ابن رشيق، دون أن يشعر، نظريته الرائدة في الشعر والشعرية بهذا النظم البديع فبعد أن كان أجود الشعر ما أحال السّمع إلى صورة صار أجود الشعر ما يحيل السّمع إلى الذوق. أو – إن شئت – أجود الشعر هو ما يسوق اللقمة إلى الحلق.

أوليس لكلّ قصّة حبّ بداية؟

ومن يومها، عفوا، من ليلتها، أصبح الموز الغلّة المحبّبة لقلوبنا. وتبارى شعراؤنا في مديحه العالي ففيه قال ابن شرف ما قال وهاك قول ابن الرومي على سبيل المثال:

يكادُ لمَـوْقعـِـهِ المَحبـُوبِ
يَدْفعُه البـَلعُ إلى القـُـلـُوبِ

أوليس لكلّ اختيار حكاية؟

تلك هي حكاية الاختيار.

إنّه الاختيار الأنسب لاقتصاد العصر، لذوق العصر، لأخلاق العصر، لروح العصر ولما يجري في المصر.

ذاك هو سرّ اختيار ابن رشيق القيرواني وتقديمه على الرفيق النقابي. أمّا دواعي الاختيار فهي ثقافية بالأساس – حتّى لا ندخل في السياسة ومحرّماتها ثمّ إنّ الثقافي واسع يشمل كلّ أوجه الحياة ويمكن أن نتوقف هنا عند الثقافة الاقتصادية فحسب- وأسس الثقافة السائدة عندنا اليوم في المجال الاقتصادي هي:

- الربح السهل. – الربح السريع. – تحقير العمل. – تقديس رأسالمال. – نبذ كلّ نواة صلبة حاملة لبذرة (في كل مجال). – تمجيد كلّ رخو مائع لزج (في كلّ مجال). - البحث الدائب عن كلّ لقمة سائغة سهلة البلع لا تؤدي إلى الشبع ولا يحوم حولها أيّ منع...

فليهنأ ابن رشيق أيقونة للخمسين دينارا! خمسة وخميس!... وعين الحسود فيها عود يا حلاوة.!

وأخيرا نحن نعرف – ؤكلّنا عرفين - أنّ الأيقونة مَحْمَلٌ للمقدّس [1] لذلك وجب إبعادها عن العامة والرعايا و"الزّوِفْرَة" (جمع "زُوفْرِي" في لغة العكري، أي اللغة الفرانسوية، كقولك عامل أو خدّام) والهروب بها إلى غيوم السماء أو تجاويف التاريخ وجيوب الماضي. لأنّه لو حصل، لا قدّر الله، أن اقتربت الأيقونة من الناس وكانت بينهم، منهم، وإليهم فتلك من علامات النهاية لأنّ الجنّة ستزهر في الأرض وتُفتحُ أبوابُها بالبَرّاح وتَطْرَحُ للجميع التفَّاح المُبَاح...

وفي انتظار الصباح، صباح الرباح والفلاح، فإنّ الشاطر يعرف من أين تؤكل الكتف. وميمونة تعرف الله والله يعرف ميمونة.

وللشهيد في عيده النشيد.
وللشهيد في ربوة القصبة مواعيد.
ولحبيب الشعب في قلوب الشعب ترديد.
وللمجيد من أبناء تونس تمجيد.

رضا البركاتي

ملاحظة

(*) مع الشكر وصادق الودّ للصديق ع - ب الذي أثار الموضوع وما انفكّ يلحّ على كتابة هذه الأسطر.

هوامش

[1الأيقونة كلمة من أصل إغريقي ومعناها الصورة وانتشرت في الشرق مع الكنيسة الأرتودوكسية حيث الأيقونة صورة القدّيس. لذلك الأيقونة محمل للمقدّس(l’icône est un support de sacré) كما تطلق "الأيقونة" اليوم أيضا، بصفة واسعة، في مجال المعلوماتية، على رمز (صورة) برنامج أو منظومة.


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني