الصفحة الأساسية > البديل الثقافي > قولٌ في الإشهار الانتهازي
قولٌ في الإشهار الانتهازي
27 تشرين الأول (أكتوبر) 2011

لم يعد القول السياسي شأن السياسيين فحسب ولكن امتد إلى فئات أخرى فأضحى القول هو المرادف الضروري للحرية قد يكون ذلك جيدا ولكن جودته تقاس بهوية المتكلم وموقعه ولماذا رأى ضرورة في كلماته كي تتحول إلى شأن عمومي.

لقد تغير المشهد السياسي اليوم ولا نعلم إن كنا قد غادرنا الاستعراض إلى المشهد أو أن الفضاء المشترك قد استبدل السّجون بفوضى الكلام. ما هو مغري للدراسة اليوم هو التغير الذي أصاب الإشهار وتحوله من الاستهلاك إلى الانتهاز وتحول الفضاء العمومي إلى سوق يومي ركيك. هذه الانتهازية لم تتوقف عند الإيحاء فحسب ولكن إلى الفضائحية المجحفة وهو أمر قد يمر بسلام وهمي. ما هو ملفت في ذلك التحول الذي أصاب الأحزاب السياسية في الترويج لنفسها باعتبارها بضاعة تلزم المواطن بالاستهلاك الإجباري والذي يبدو مجانيا وذلك يفهم ولكن الأخطر أن تتحول البضائع الاستهلاكية إلى أحزاب سياسية وتلك هي المهزلة.

ها هنا تحديدا نتساءل حول جديّة تمثل الحدث وجديّة تمثل الدم والنضال والشهداء وثورات الشعوب. وبرأينا أن استخفاف الأحزاب بشعوبها واستخفاف البضائع بوعي الشعوب لم يكن وليد صدفة ولكن يمكن أن يقرأ على اعتباره مؤامرة بين الأحزاب والشركات لتمييع جدية الفضاء العمومي والعمل على إشباعه حدّ التخمة كي لا يترك فضاء يمكن أن يستقبل أمرا جديا وجذريا وواضحا.

من هنا يمكن قراءة الحرية والديمقراطية باعتبارها آليات تصفية وتحويلها عن المسار الضروري لها وهو أمر أكثر حدة وخطورة من الأنظمة الديكتاتورية حين يقع المتاجرة برمزي الشعوب. الأمثلة على ذلك متعددة وهو ما يجعنا نقر أن ما نحياه اليوم مجرد خيال فحسب واستبدال الأدوار هنا استبدال خضع لذكاء واستراتيجيات مفرطة الدهاء وهي الخطوة الأولى نحو إنجاز الديمقراطيات الوهمية والشعوب الوهمية والنضال الوهمي والدّم الوهمي

وتحت هذا الاستبدال ذاته نفاجئ باستكمال الاستعراض ونقدم نموذجا نراه الأصدق على المتاجرة بالفضاء المشترك والمتاجرة بالكلمة إلى حدود المتاجرة بالحرية. نقدم المثال ونحاول تقديم ما نراه استكمال لما أراد قوله ولكن هي دعوة إلى مقاضاة الاعتداء على الفضاء باعتبارها جريمة لم يقع التعامل معها بجدية.

الواقعة:

شركة لإنتاج العصير تقدم إشهارها على كل المحامل السمعية البصرية وعلى صفحة Facebook …

ننقل هنا التفاصيل لنمكن القارئ من رؤية حجم المهازل الإشهارية باعتبارها ثورات مضادة في تمييع الرمزي:

شعارات الإشهار

يا غلال العالم اتحدوا
العصر أو الثورة حتى النصر
معا من أجل الفيتامينات
حق الشعوب في تقرير العصير

وقائع الإشهار

حزب المنڤا التقدمي يحذّر الخوخ من المساس برعاياه ومصالحه في جمهورية الغلة و يهدد برفع شكوى إلى مجلس الغلال المتحدة !

عاجل : خروج مظاهرة مليونية مؤيدة للسيد «بردڤان» أمام فندق الغلة تطالب بالتصعيد وأخذ موقف حازم تجاه المنڤا.

برتقالة سيتي: مظاهرات مؤيدة لنظام التيّار البرتقالي الحرّ والمعارضة ترد برمي القشور على المتظاهرين

مظاهرة ضدّ محاولات الرّكوب على التمرة الوطنيّة.

أحزاب الإشهار

حزب الإجّاص الدّيمقراطي
حزب الأنناس القومي
حركة الاتجاه المتفّح
حزب الخوخ الشّعبي
حزب الخضر الڨويافي
التيّار البرتقالي الحرّ
حزب المنڨا التّقدّمي

النتائج الكارثية للإشهار

- توضيح: في المآسي العظيمة تتضخم المهزلة (كثر الهم يضحك)
- سيريالية: في تونس يمكن أن يتحول دم الشهداء إلى عصير برتقال
- الديمقراطية: أن يتحول عصير برتقال إلى مترشح إلى المجلس التأسيسي
- الحرية: أن تتحول المتاجر إلى بيع الدم والتهكم من الشهداء
- ثورة: ثورات الشعوب تؤهل الرأسمالية لأن تكون أبشع
- مصير الشعوب: يمكن للمصير أن يتحول إلى عصير ويوضع على طاولة استقبال الأصدقاء
- دم الشهداء: قد يكون مفيدا باعتباره فيتامينات لانطلاقة صباحية جيدة لأطفالنا
- الشهداء: كائنات ميتا – أرضية تتمتع بإرادة الموت المجاني
- العمال: بآلة البلاغة والاستعارة يمكن للعمال أن يتحولوا إلى غلال للعصر، كما يمكن لحزب العمال الشيوعي التونسي أن يستبدل شعاره إلى: يا غلال العالم اتحدوا
- الذوق: مسألة ليست استعجالية ويمكن الاستناد إلى الذوق النوفمبري حتى يقع فيه النظر إثر انتخابات المجلس التأسيسي
- لأحزاب السياسية: غلال مختلفة ولكن يمكن أن تتحول إلى كوكتال غلة في إحدى النزل
- جمعية الدفاع عن المستهلك: تدافع عن ثمن العصير ولكنها تنسى مادة العصير (لحم الشعب)
- القضاء: لا ينظر القضاء التونسي في جرائم الصورة ويحتفل بالجريمة في تناول فطور الصباح
- الشعب: مادة مخبرية لتجارب الاستهلاك
- الأمم المتحدة: مصنع لتكرير الغلال
- المواطن: حيوان يقتات على الأكياس البلاستيكية
- الصمت: المرادف الضمني لـــــ 14 جانفي
- لصوت: طاقة تبقى رهينة عهد التغيير
- المهزلة: أن تقرأ هذا المقال وتبتسم

عمر علوي



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني