الصفحة الأساسية > البديل الثقافي > لقـاء على ضفاف الأمل
قصة:
لقـاء على ضفاف الأمل
11 كانون الأول (ديسمبر) 2009

م. كرامي

"بحر لأيلول الجديد... خريفنا يدنو من الأبواب".

بحر على امتداد البصر، بحر يمتد ليلامس بأطرافه الأفق. الشمس تميل للغروب، تتقدم بروية لتذوب عشقا في مياه اليمّ لتروي عطشها، شوقها لمياه البحر... تغوص رويدا رويدا لتختفي في أعماق المياه، تعانق البحر بشدة فتحمرّ المياه خجلا...

جلس قبالة البحر وراح يسبح في أفكاره المبعثرة في كل مكان، في ذلك المقهى الملقى على أطراف البحر اعتاد أن يلوذ بعيدا عن أعين البوليس والمتطفلين، اعتاد أن يختلي بنفسه وحيدا لا صاحب له سوى البحر ومياهه الزرقاء مترامية الأطراف تداعب أفكاره، يشكو له همومه، آلامه، وحدته... يحكيه أحلامه وآماله العديدة، يدفن أسراره مع كل موجة تنتحر على الأحجار الملقاة هنا وهناك في المياه العميقة. أحبّ البحر في غضبه وهيجانه، في صفوه واعتداله، في سكونه وحركته، وخاصة عندما يتطاير زبده في الفضاء...

استوى على كرسيه، نظر إلى ساعته، مازال أمامه متسع من الوقت قبل أن يفارق خلـّه للقاء قادم قد يتأخر موعده كما تأخر عنه كل هاته السنين. لم تمنعه من صحبة البحر سوى أسوار السجون التي قيدت حريته لسنين طويلة بعيدا عن أحبته، رفاقه، أمه، زوجته، طفله... كان يسترق اللحظات في سجنه ليخلو بنفسه بعيدا عن الأعين ليحلم بالبحر... هكذا مرّت سنوات السجن رتيبة متثاقلة منهكة وهكذا قضاها وحيدا مشتاقا متعبا، متعطشا لطعم الحرية ولا سلوى له سوى الحلم يخفف عنه آلامه ويدفعه للتشبث بالحياة.

وما كادت تنتهي مدة حبسه حتى دبّت فيه الحياة من جديد. أقبل مشتاقا متلهفا على الحياة بأحزانها ومسرّاتها. عاد أشدّ اقتناعا بأنّ حياته لا يمكن أن يفنيها إلا في النضال في سبيل الوطن.

اقترب منه النادل يحمل طبقا بخفة ورشاقة وهو يغني بصوت منخفض. وقف بجانبه. صمتَ. أمعن النظر فيه برهة من الزمن ثم صاح فرحا:

-  أنت... أجل أنت هو... وكيف لي أن أنسى هذه الابتسامة وهذا الوجه البشوش وهاته الملامح التي تدلّ على الرجولة والشهامة.
التفت ناحية الصوت، نظر إليه بتعجب ثم قام من كرسيه. تقدم نحوه النادل فاتحا ذراعيه واحتضنه بقوة كمن يحتضن شخصا عزيزا عليه لم يره منذ زمن. ازدادت حيرته... من يكون هذا الشخص؟ أهو أحد زملائه في السجن؟ أم رفيق نسي ملامحه؟

لم يتركه النادل لحيرته كثيرا، سأله بلهجة امتزجت بقليل من العتاب:

-  سيدي... أنا... هل نسيتني؟ أنسيت عندما كنت تأتي إلينا هنا وتجلس إلى البحر بالساعات تقضيها وحيدا بادئ الأمر ثم صارت تأتي معك لتبعث في هذا المكان المقفر الموحش الدفء والحياة...

صمت برهة يتذكر ثم أجابه:

- آسف لقد تغيرتَ كثيرا. أنا آسف.
- لا عليك لقد تغيرتُ حقـًّا ولكن أنت أيضا تغيرتَ لقد غزا الشـّيب شعرك... سحقا لسنوات السّجن.

أطلق النادل زفرة طويلة ثم أردف قائلا:" لقد فعلت بك زنازين الظلام فعلها. سحقا لهم لقد اختطفوك من بين أحضان زوجتك وطفلك...
طلب من النادل أن يجلس إليه. سحب سيجارتين، مدّ له واحدة وأشعل الأخرى... أخذ نفسا عميقا. مجّ الدخان في الفضاء فامتزج لونه الرّمادي بلون السماء وتمايل مع نسمات الخريف الباردة. عادت به ذكرياته لأيام كان يعود هذا المقهى كلما سنحت له الفرصة، تذكر النادلَ وكيف كان يخصّه بمكانة خاصّة ويجالسه ليستمع لحديثه عن أحوال البلاد والنضال ضد أعداء الوطن وكيف كان يلذ له أن يستمع إليه ويسأله بخجل أحيانا عن بعض الأشياء الغامضة بالنسبة له، فيشرحها له. أيقضه النادل من غفوته وراح يقصّ عليه ذكرياته:

-  إيه يا سيدي... مضت سنوات لم أرك فيها لازلت أذكر كيف افتقدتك فرحتُ أبحث عنك في المدينة... بحثت طويلا إلى أن يئست. وحتى من خلتهم أصدقاءك أنكروا علاقتهم بك. وذات يوم شاهدتُ صورتك في إحدى قنوات الأنباء الأجنبية وقد كتب تحتها "سجين سياسي في إضراب عن الطعام". تسمّرت مكاني، ذهلت لما سمعته من أخبار عن تعذيبهم لك... خفت عليك كثيرا، خفتُ أن يقتلوك نقمة وتشفـّيا. ومنذ ذلك اليوم صرتُ أتتبع أخبارك عبر الإذاعات والقنوات الأجنبية.

أنصتَ إليه بإمعان وعلامات الذهول بادية على محيّاه. كيف لهذا الإنسان أن يهتمّ لأمره بهذا الشكل وأن يُكنَّ له كل هذه المحبة؟ كان قد سمع قصصا كثيرة عن رفاق آوتهم عائلات لا علاقة لها بالسياسة طيلة فترة السرية. تذكـّر أن المناضل كلما كان صادقا مع الجماهير كلما احترمته وأحبّته أكثر. صحيح أنـّه كان يبادله الحبّ ويحادثه ويستمع لمشاكله ويساعده بقدر ما يستطيع ولا يتعالـــــــى عليه كما يفعل جلّ النزلاء ممّن يدعون أنـّهم متفوقون لأنه بنظرهم 99جاهل لم يكمل تعليمه وغريب عن هذه البلدة ويتيم هرب من وحش البطالة في قريتهم فالتجأ هنا يبحث عن عمل يقيه شرّ الفقر.

- أتعلم يا سيدي بعد أن اعتقلوك جاء عديد المخبرين يسألون عنك وإن كنت تأتي صحبة أشخاص آخرين. رأيتُ في نظراتهم المكر والخديعة والجبن. أجل إنهم جبناء، كلاب مسعورة، وحوش آدمية... لقد سمعتُ فيما بعد من يتحدث عن التعذيب الذي تعرّضتَ له مع رفاقك، فتمنيت لو كنتُ معكم. شاهدت زوجتك تتحدث أيضا والدموع تملأ مقلتيها في مضايقتهم المستمرة لها وسد أبواب الرزق أمامها. بكتْ وهي تحتضن طفلها... بكيتُ أنا أيضا انزويت بعيدا وحيدا... ويوم محاكمتك حاولتُ أن أتواجد إلى جانبك وأراك ولو من بعيد ولكنهم منعوني. سمعتُ الجميع فيما بعد خارج المحكمة يتحدثون عن بطولتك وصمودك أمام جلاديك. كيف رفضت أن تعترف عندما عذبوك وكيف صرّحت أنك تنتمي لحزب العمال بكل فخر وشرف أمام القاضي فبكيتُ مرة أخرى، ولكن هذه المرة شرفا وفخرا بك. تمنيت لحظاتها لو كنت مكانك، تمنيت لو كنت متعلما ومثقفا مثلك لو كنت مناضلا. صمت النادل وقد خنقته العبرات أراد أن يبكي أن يثور أن ينتفض... اغرورقت عيناه بالدّموع وربّت على كتفه بحنوّ، ابتسم وقال مشجّعا:

- هوّن عليك يا رفيقي فأنت شريف لأنك لم تبع نفسك ووطنك مقابل بضعة ملاليم... وإن كان التعلم والنضال ما يشغل بالك فأعدك أنك ستصير متعلما ومثقفا. فبالعزيمة والإصرار تستطيع كسر كل الحواجز.
- أجل... أتدري كنت أتتبع أخبار حزبكم وأبحث عنكم وأنا أسمع صوتا يهتف بداخلي ويقول لي أنكم صادقون وأنكم نذرتم أنفسكم من أجل أمثالي... إنكم تناضلون وتضحّون في سبيل عالم لا يضطهد فيه الأبرياء. أحسست أنني أنتمي إليكم وصرتُ أحدّث النـّاس عنكم وعن وقوفكم في وجه الظلم...

سكت برهة ثم سأله:

- كيف أحوال زوجتك وطفلك؟ وما هي أخبار رفاقك ممّن قبض عليهم معك ومن ظلوا خارج أسوار السجون؟
- إنهم جميعا بخير...
سكت برهة ثم واصل بشيء من التأثر:
- أتدري ما الذي كان يساعدني ويدفعني قدما في طريق الصمود والنضال طيلة فترة اعتقالي وسجني..؟ ما ساعدني على أن أظل نقيا ووفيا لحزبي ولمبادئي رغم سطوة الظلم وجبروت الظالم؟
- لا أشك في قناعاتك ومبادئك...

ابتسم، ناوله سيجارة، تجوّل في المكان بنظره... المكان خال من النزلاء... وحده البحر تتكسر أمواجه في سباق محموم لتنتحر على ضفافه. استدار إليه وحدّثه: - لم يساعدني في محنتي سوى صمود زوجتي ووقوفها إلى جانبي. لم يضاعف عزيمتي سوى إيماني أن رفاقي يناضلون خارجا وأنهم سيكملون المشوار من بعدي وأن حياتي لن تذهب هدرا. في لحظات الضعف يخال المناضل نفسه وحيدا بعيدا عن أحبته يشتاق إليهم ويبكي فراقهم، يتألم ويغريه الجلادون بحياة أفضل فإذا ظن لحظتها أنه لن يخسر شيئا إذا اعترف فهو مخطئ فليس أسوأ من أن يخسر الإنسان نفسه. فليس هناك ما هو أجمل من أن يناضل الإنسان من أجل مبادئه وإن مات فليمت شريفا. إن درب النضال صعب وطويل والاستمرار أصعب وما يجعل المرء يناضل ويستمر هو إيمانه بعدالة قضاياه وحياة الإنسان لا تساوي شيئا بدون نضالاته...

التفت إلى النادل فوجده شارد الذهن سأله:

- أظنني قد أزعجتك قليلا؟
- كلا يا سيدي لا تعلم كم أسعدني حديثك لقد ملأتني أملا.
- آه نسيت أخذني الحديث ولم أسألك عن أحوالك؟

حدّثه عن أحواله. أخبره عن بطش صاحب المقهى وظلمه وعن إحساسه بالضياع والتشرد، بالاغتراب، بالحزن لأن حياته تمر هباء، عن آلامه وعن عجزه. توقــّف النادل عن الحديث وأخذ يسبح في أفكاره. كان يكنّ له الاحترام والتقدير. أحبّ بساطته وتواضعه واهتمامه لمشاغله رغم ضيق الوقت. أضحى يمثل له رمزا للرجولة والشهامة وعنوانا للصمود.

لم ينس للحظة أيام التعذيب والسجن، أحبّ زوجته ورفاقه أكثر كلما زادوا في تعذيبهم وقمعهم له. كان الأمل يتضاعف داخله كل يوم أكثر فأكثر وعزيمته تشتد كل يوم وهاهو هذا النادل يزيده أملا وعزيمة على المضي قدما في درب النضال. نظر إليه النادل، أحسّ أنه يحبه بصدق، أحسّ بالألفة معه، كيف لا وهو من علمه معنى أن يكون الإنسان إنسانا، علمه أن الحياة نضال مستمر وأنه لا قيمة للإنسان إلا مبادئه والقيم التي يؤمن بها ويدافع عنها.

نظر إلى ساعته، حان موعد الرحيل. صافح كل منهما الآخر بحرارة. رجاه أن يعود لزيارته وأن لا يغيب عنه طويلا فأخبره أنه لن تمنعه سوى أسوار السجن وأنه سيظل وفيا لعادته كما سبق.

انصرف من المقهى وآلاف الأفكار تجول بخاطره. أقرّ العزم على مساعدة هذا النادل وعرض حالته على الحزب، فالناس الصادقون أمثاله قلائل...

دخل شارعا ضيقا. التفت خلفه ليطمئن أن لا أحد يتبعه. جال في شوارع المدينة وأزقتها قبل أن يتجه صوب المكان الذي اتفق مع رفاقه على أن يلتقوا فيه لمناقشة بعض الأمور... قال في نفسه:" هذه هي الحياة، دروب متشعبة... وأجمل شيء أن يختار الإنسان درب النضال مهما كلفه الثمن... واختفى في الظلمة...



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني