الصفحة الأساسية > البديل الثقافي > لهذا السّبب أحبّكَ يا رفيقي
لهذا السّبب أحبّكَ يا رفيقي
29 آذار (مارس) 2010

وصل إلى مكان اللقاء قبل الموعد المحدد. منذ مدة، بدت له كالدهر، لم يرها. كم اشتاقها، كم اشتاق إلى ابتسامتها المتسائلة وكم هو محتاج إلى كلماتها المشجعة. ابتسم وهو يتذكر لقاءَهما الأخير. حينها قالت له قبل أن يفترقا: "فليمض كلّ منّا في طريقه الآن، فما ينتظرنا ليس بالشيء السهل ولا القليل. لست أدري متى سنلتقي مجددا، ولكن إلى ذلك الحين سأظل أحبك يا رفيقي، فلا تقلق..!". ضحك. نظرت في عينيه. احتضنته بقوة، ثم انصرفت. أعاده من ذكرياته صوت مشوّشٌ انبعث فجأة من جيب رجل كان يقف بجانبه، كان جهاز الاتصال اللاسلكي الذي انطلق زاعقا صوته الكريه. قال في سرّه: "ما أكثركم وما أحقر ما تقومون به! صرتم في كل ركن وفي كل زاوية. فاق عددكم عدد المواطنين ورغم ذلك فإنكم مهما فعلتم فلن تقدروا على مصادرة أفكارنا ولن تمنعونا، مهما حاولتم، من حقنا في الحياة..".

تابع بنظراته الرجل وهو يهرول باتجاه شاب يهمّ بالدخول إلى محطة المترو مطالبا إياه بالاستظهار بهويته ومتسائلا عن محتوى الحقيبة التي يحملها فوق ظهره. كان يراقب المشهد الذي غدا مألوفا، وهو يرقّ لحال الشاب الذي امتزجت سذاجته باضطراب شديد وهو يبعثر أدباشه من الحقيبة شارحا أنه جاء إلى العاصمة بحثا عن عمل مقسما بأغلظ الأيمان بأنه لم يفعل شيئا وبأنه يحبّ الرئيس!! اغتاظ هو يرى ارتباك الشاب ونظرة الخبث المتقدة في عيني العون السري. لا بد أنه سيستغل سلطته وسذاجة الشاب ليبتزه... أشاح بوجهه، لم يكن يريد أن تأتي لتجده معكّر المزاج. إنّه يحبّها، يحبّها جدّا... نظر إلى السّاعة، مازال عليه أن ينتظر بعض الوقت حتى تصل. كان يعلم أنها لن تتأخر عن الموعد. ولكن الانتظار طويل... طويل.

فكّر أن يشغل نفسه قليلا. أخرج كتابا من محفظته وأخذ يتصفحه. لم تمض لحظات حتى شعر بشخص يقترب منه، رفع رأسه متلهفا... رآها واقفة أمامه. سألته مباشرة:
- لو سمحت كم الساعة؟

زفر بعمق وأجابها مبتسما. كان مظهرها ملفتا للنظر فلم يتمالك نفسه وأخذ يتأملها وهي لا تزال متسمّرة أمامه. استغرب:
- لقد أجبتها فماذا تريد بعد؟

مازالت واقفة أمامه تنظر إليه! طويلة، نحيلة، لم تفلح المساحيق في إخفاء شحوب وجهها ولا الشعر الساقط على جبينها في إخفاء ندبة قديمة. كان يهمّ بسؤالها عما إذا كانت تريد شيئا آخر حين باغتته:
- لعلّك ترغب في اصطحابي في نزهة صغيرة؟

تفاجأ... قال في نفسه:
- أيمكن أن تكون..؟ كيف لم أتفطن منذ البداية؟ إن طريقة لباسها كانت كافية حتى أنتبه لما تحاول فعله!
- لن نختلف اطمئن!

ردّ بهدوء:
- آسف فأنا أنتظر شخصا آخر...

قاطعته:
- قلت لك لن نختلف أرجوك!

أربكه إلحاحها، إنها المرة الأولى التي يتعرض فيها إلى موقف كهذا. هل وصل بهن الوضع إلى هذا الحدّ؟؟ ألهذه الدرجة انتفت كرامتهن حتى صرن يبعن أنفسهن بمثل هذه الطريقة؟ كان يعلم جيدا بوجود هذه الظاهرة وتفاقمها في السنوات الأخيرة. ولكن بالرغم من ذلك فإن معايشته للموقف جعله ينظر بطريقة جديدة. تساءل:
- لماذا أنا؟

لم يجد الوقت ليفكر في إجابة، فقد رآها قادمة... حين رأته ابتسمت وأسرعت الخطى. انتبهت لتلك الواقفة قربه. أجابها دون تردّد وهو يلتفت إليها:
- حسنا، هيّا، تعالي معي...

نظرت حولها مستغربة، طلب منها أن تجلس، أجلسها قبالته. فقال:
- أرجو ألاّ تمانعي في احتساء قهوة معي، أريد التحدّث إليك قليلا.

بدا وكأنها لم تفهم قصده فغيْرُه لم يطلب منها مثل هذا الأمر، ولكن لم يظهر عليها أنها تبالي كثيرا فسيّان عندها، المهم هو أن "تقبض" في نهاية الأمر. بدأ بالحديث، أخبرها منذ البداية أنه لا يطلب منها شيئا سوى أن يتحدثا معا، بدا واضحا أنها تستريب نواياه ولكنه واصل المحاولة. تحدّث ببساطة وعفوية وصدق، محاولا تكسير الحاجز الذي كان متأكدا من وجوده بينهما منذ البداية. أحس مع مرور الوقت أنها بدأت تستأنس برفقته وترتاح إليه. كان في قرارة نفسه يتساءل إن كان قادرا على كسب ثقتها وجرّها للحديث... أخيرا كان له ما أراد. حين بدأت الحديث شعر أنها لن تتوقف... تتكلم وتتكلم. حكت له عن عائلتها، عائلة فقيرة، والدها صار عاجزا عن العمل منذ تعرضه إلى حادث العمل المشؤوم. والدتها أنهكتها الأمراض والزّمن الجاحد. أختها تدرس بالجامعة وتعمل في نفس الوقت لتأمين جزء من مصاريف دراستها. أخواها أحدهما يدرس والآخر انقطع عن الدراسة لعدم قدرة العائلة على تمكين الاثنين منها... كانت كلماتها وهي تذكر أفراد عائلتها تقطر أسى انقلب نقمة حين تذكرت جارهم المتنفذ الذي استغل سلطته ليسلبهم قطعة أرضهم الصغيرة، مورد رزقهم الوحيد دون أن تأخذه بهم شفقة ودون أن تستعطفه توسّلات أبيها ودموع أمها... سكتت برهة وأضافت:
- السافل، كنت شابة وكان يريدني مقابل الأرض، لم ألبّي حينها طلبه... الآن أشعر بأني السبب وراء ضياع الأرض، فلم يعد لي شيء لأخسره ولو عاد بي الزّمن إلى الوراء لما رفضت له طلبا ولحفظت حق والدي.

صمتت ثانية وشردت، كانت عيناها شاردتان كأنهما قطعتان من الجليد... فجأة لمعت عيناها وقد تذكّرت شيئا:
- لا يغرنك ما أصبح عليه مظهري وهذه النحافة وهذا الشحوب... لقد كنت من أحلى فتيات القرية صدقني!

ابتسم مشجعا. لم يقاطعها. فلديها الكثير لتقوله:
كان في قريتنا شاب أحبني وأحببته... كنا بسيطين ونفرح لمجرد رؤية بعضنا عرضا... حين ذهب للجامعة وعدني أن يعود بشهادة وأن يبحث عن عمل حتى يتسنى لنا العيش معا... معه بنيت كل أحلامي... تخيّلت مستقبلي معه بعيدا عن الحرمان الذي رافقني طوال حياتي... كنت مستعدة لبناء حياة جديدة معه... مرّت السنوات وعاد... عاد بالشهادة، وعاد معها بالإحباط كذلك... حدّثني عن أزمة البطالة وعن فشله في الحصول على عمل. كنت أشجّعه وأطمئنه بأني لن أتخلى عنه... سنوات مرّت ونحن على تلك الحال إلى أن كان الخبر الذي غيّر كل حياتي. لقد سافر، بطريقة غير شرعية... ترك لي مع أخته رسالة، أخبرني أنه أحبني فعلا ولكنه لم يعد في مقدوره البقاء في الوطن، هذا الوطن الذي - على حدّ تعبيره - لم يعد في حاجة إلى أبنائه... كانت صدمتي كبيرة، لم أكن قادرة على استيعاب فكرة خسارته... ثم كانت الصّدمة الأكبر حين عاد ذات يوم مرفوقا بعجوز أجنبية قيل إنها زوجته وأنها هي التي ساعدته على تسوية وضعيته وإيجاد شغل له...

فتحت حقيبة اليد وأخرجت علبة سجائر... تناولت واحدة وناولته أخرى، اعتذر مبتسما. ضحكت:
- لا تدخّن؟! زمن عجيب صارت فيه النساء تدخنّ وتجرين وراء الرجال!
- كنت أدخن وأقلعت. لقد التزمت أمام نفسي وأمام الذين أحبّ أن أمتنع عن كل ما يضر بي وأنا عند وعدي... لديّ الكثير لأفعله لذلك عليّ ضمان عمر أطول.
- أنا لا رغبة لي في هذا العمر... فاتني أن أخبرك أني حاولت الانتحار مرة، لسوء حظي لم تنجح محاولتي... ولِمَ الأسفُ؟ فأنا أموت في اليوم ألف مرة...
- هل تزوّجتِ؟
- نعم... وهذه الندبة على جبيني دليل على ذلك... زواجي لم يدم طويلا... كان زوجي فظـّا قاسيا... سكّيرا ويضربني بسبب وبدونه... لم أستطع الاستمرار معه... طلبت الطلاق فرفض... كان عقيما وكان يتهمني أنا بأني أنا العاقر، كان يعرف أنه إن تزوّج بأخرى سيكتشف الجميع الحقيقة، وكان عليّ أنا أن أكون كبش فداء... لم أقدر على مواصلة تحمّله... قرّرت تركه وترك القرية والرحيل... لم أفكر في شيء سوى الهروب ، كنت أعرف أن العار سيلاحق عائلتي، كنت أدرك أنهم إن وجدوني لقتلوني... ولكني لم أبال. صرت متجمّدة المشاعر وأصبح كلّ همّي أن أعيش كيفما اتـّفق إلى أن أموت... منذ وصولي إلى العاصمة امتهنت البغاء.. إنها مهنة "مريحة"! والزبائن في أغلب الأوقات كثيرون... مع بعض الأزمات أحيانا بطبيعة الحال، وما حصل معك اليوم دليل على أزمة كبرى!

ضحكتْ وابتسم... نظر إليها طويلا... كان إحساسه مزيجا من الشفقة والغضب... سيل من الأفكار غزا رأسه وقبل أن ينجح في تنظيمها سألته فجأة:
- لما فعلت معي هذا؟ إنها المرة الأولى التي يحصل فيها مثل هذا الأمر معي! وكأنك لا تنتمي إلى الرّجال! لا أقصد الإساءة ولكنك تفهم قصدي، ألست تفهم قصدي؟!".

أحسّ بارتباكها فأجابها مطمئنا:
- أفهم قصدك وأقدّر شجاعتك على سرد قصتك لغريب التقيته صدفة... إنك يا سيدتي، لا ريب، واحدة من الكثيرات من بنات هذا الوطن، اللاتي عشن تجارب قاسية، وظلمتهن الحياة ولم ينصفهن المجتمع، هذا المجتمع الذي غلب عليه الجبن والأنانية... تتساءلين عمّا يدفعني لمعاملتك بهذه الطريقة؟ إن الأمر في غاية البساطة، لقد تخيّلت لو أنك كنت أختي، أو أمي، أو حبيبتي التي كنت في انتظارها والتي وصلت لحظة انصرافنا إلى هذا المكان... لقد تركتُ حبيبتي، وكلي شوق إليها، حتى أتحدث إليك لأني أحسست أنه من واجبي أن أفعل ذلك... أريد أن أطلب منك امنحي نفسك فرصة حتى تبدئي حياتك بطريقة جديدة، بطريقة تضمن كرامتك وتصون قيمتك كامرأة... أنا راغب بحق في مساعدتك، أستطيع أن أوفـّر لك - على الأقل - الإحاطة، فإذا كنت راغبة فعلا في شقّ طريق أخرى أعدك بأننا لن نتخلى عنك، صديقتي وأنا وآخرون... كوني متفائلة واخلعي عنك ثوب الذل هذا... لا تفقدي ثقتك في الجميع، لا تفتدي ثقتك بنفسك وسوف ترين أنك قادرة على العيش بطريقة أفضل ممّا أنت فيه الآن.. أعرف أن الأمر لن يكون سهلا ولكن لا شيء مستحيل صدقيني...".

تكلم بسرعة وبانفعال. أمّا هي فقد كانت ساكتة، تنظر إليه كأنما الذي أمامها كائن غير الكائنات التي ألفتها... طال صمتها... مسكت يده وضغطت عليها... كانت هي... قالت لها:
- هدّئي من روعك... سوف نرى ما يمكن أن نفعله... سوف نساعدك... لا تخافي... لقد انتهى الكابوس ابتسمي الآن...

ثم نظرت إليه مبتسمة وقالت: لهذا السبب أحبك يا رفيقي...

(بدون إمضاء)



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني