الصفحة الأساسية > البديل الثقافي > "مناضل رغم أنفه" لعبد الجبّار المدّوري نموذجًا (1/3)
أدب السجون في تونس:
"مناضل رغم أنفه" لعبد الجبّار المدّوري نموذجًا (1/3)
11 كانون الأول (ديسمبر) 2009

ارتبط أدب السّجون في الوطن العربي بظاهرة القمع المستشري في الدّول المستقلّة حديثا (أهملنا الحديث عن الرّوايات التي تناولت هذا الموضوع أثناء فترة الاستعمار). فما إن تخلّصت الشّعوب العربيّة من ربقة الاستعمار المباشر وتاقت إلى بناء دول وطنية تنعم فيها بالسّيادة والحرّيّة والرّفاه حتّى استحال حكّامها طغاة عتاة يكمّمون أفواه المعارضين ويصادرون حرّيّة المثقّفين ويُلقون بالمناهضين لحكمهم في غياهب السّجون والزّنازين.

وهكذا أضحى الوطن الكبير سجنا صغيرا انكسرت فيه الأحلام وتبخّرت بين زواياه الآمال وغدا معتقلا يُخصب الذّاكرة ويحفز القابعين داخله إلى تسجيل فترات من حياتهم قاســية وسنوات من أعمارهم بائسة.

واللافت للانتباه أنّ هذا القمع أصبح ظاهرة عامّة امتدّت من المشرق إلى المغرب وتوزّعت على أحقاب متتالية ولم تنقطع منذ خمسينات القرن العشرين إلى يومنا هذا ممّا يؤكّد كثرة التجارب وتعدّد المقاربات.

I - كثرة التجارب وتعدّد المقاربات :

لا نهدف من وراء هذا العنوان إلى تحليل ظاهرة أدب السّجون في البلدان العربية تحليلا معمّقا مفصّلا والمقارنة بين نماذجها للوقوف على نقاط الاختلاف والائتلاف بينها. نريد فقط أن نشير بإيجاز إلى أنّ هذه الظّاهرة شكّلت جزءا مهمّا من المدوّنة القصصيّة العربيّة وعالجت قضايا محدّدة بطرائق مخصوصة وركّزت على محورين كبيرين تشابكت عناصرهما وتفاعلت أحداثهما. فقد استعرضت بعض النّصوص أساليب التّعذيب الوحشيّة التي استعملها الجلاّدون لتدمير المعتقلين وانتزاع الاعترافات منهم في حين رصدت نصوص أخرى انعكاسات فترة الاعتقال على سلوك السجناء بعد تسريحهم.

والنماذج الّتي صوّرت هذه الظاهرة كثيرة ومن أهمّها "العسكريّ الأسود" ليوسف إدريس(1962)، "تلك الرّائحة" لصنع اللّه إبراهيم (1966)، "الوشم" لعبد الرحمان مجيد الربيعي (1972)، "الكرنك" لنجيب محفوظ (1974)، "شرق المتوسّط" لعبد الرحمان منيف (1975)، وروايات مبارك ربيع (رفقة السلاح والقمر1976، والرّيح الشّتوية 1977)، وعبد الكريم غلاّب (سبعة أبواب 1965)، وحميد لحمداني (دهاليز الحبس القديم 1979).

والمطّلع على هذه النّصوص يتبيّن التداخل الجليّ بين ما وقع داخل السّجن وما ترتّب عليه. ففي "العسكـري الأسود" و"الكرنك" يصف يوسف إدريس ونجيب محفوظ الوسائل التي يستخدمها المثقّفون لتخطّي الأعراض التي تنتابهم من جرّاء السجن والتّعذيب. وفي "تلك الرائحة" يحسّ المثقّف بمشاعر الانحباس والانحصار والدّوران في حلقة مفرغة ويعتبر المستقرّ الجديد سجنا آخر ويفشل في استرجاع علاقاته الحميمة بأهله وأصدقائه وحبيبته... أمّا كريم النّاصري بطل رواية" الوشم" المنهار فقد انتهى إلى حالة من الإحباط واليأس والاعتراف والخيانة. وتصوّر رواية "شرق المتوسط" قدرة المناضل على احتمال الأذى والتّعذيب والصمود ثم انهياره واعترافه و مغادرته الوطن للتعريف بقضيته لدى المنظّمات الدولية المهتمة بحقوق الإنسان ...إلخ.

بدت هذه النّصوص مثقلة بهموم الفرد العربي وطموحات المثقفين الملتزمين وآمال الشعوب، كاشفة طبيعة النّظم الحاكمة المتحكّمة في مصائر شعوبها، مندّدة بقمعها وعسفها. فكُتبت بلغة حزينة مضرّجة بدماء المناضلين الّذين تعرّضوا لأبشع أنواع العسف وأفظع ضروب الإهانة، لغة منغمسة في عالم الأنين والمعاناة والانكسارات والخيبات.

ولئن سجّلت ظاهرة سجن المثقّفين حضورها في أغلب الأقطار العربية فإنّ تحويلها إلى نصوص قصصيّة تفاوت من بلد إلى آخر. وتُعدّ تونس من البلدان التي يندر فيها الإنتاج الأدبي الّذي يؤرّخ لظاهرة السّجن رغم تواتر سلسلة القمع والمحاكمات السّياسيّة منذ عقود. وقد ظهرت في السنوات الأخيرة بعض الكتب التي تُسجّل هذه التّجربة.

II - أدب السّجون في تونس:

محاولات قليلة تصدّت لهذه الظّاهرة بأساليب مختلفة من قبيل" cristal" لجلبار النّقّاش و"الحبس كذّاب والحي يروّح " لفتحي بن الحاج يحي. وليس بوسعنا إدراج هذين الأثرين في خانة الإبداع القصصي. فهما يتراوحان بين المذكّرات واليوميّات والشهادة التّسجيليّة ومن ثمّ يعسر تحديد جنسهما الأدبي. ذلك أنّ جلبار النقاش وفتحي بن الحاج يحي ليسا بكاتبين بل هما مناضلان يساريان سُجنا في سبعينات القرن الماضي فسجّلا تجربة الاعتقال. لذا ينتمي هذان الكتابان إلى أدب السّجون بصفة عامّة. أمّا النّصّ الذي استلهم مادته من هذه التجربة والّذي ينتمي إلى عالم القصّ فهو "مناضل رغم أنفه" لعبد الجبّار المدوري. فأيّ منهج ملائم لمقاربة هذا النّـــــــــصّ؟ (يتبــع)

علي بن صالح



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني