الصفحة الأساسية > البديل الثقافي > "مناضل رغم أنفه" لعبد الجبّار المدّوري نموذجًا (2/3)
أدب السّجون في تونس:
"مناضل رغم أنفه" لعبد الجبّار المدّوري نموذجًا (2/3)
25 كانون الثاني (يناير) 2010

1- قراءة إيديولوجية لرواية إيديولوجية:

قد يبدو هذا العنوان غريبا ومثيرا للدهشة في زمن تخلّت فيه المقاربات النّقديّة عن دلالة الرّواية الإيديولوجية واهتمّت بمقوّماتها الفنيّة. وقد تكرّس هذا المنحى منذ عقود حتّى أصبح قناعة راسخة يتشبّث بها جهابذة النقد ويتوق إليها المبتدئون الساعون إلى ترسيخ أقدامهم في هذا المجال. لذا قد تكون العودة إلى النقد الإيديولوجي ضربا من الحنين إلى مدرسة نقديّة ولّى عهدها وتجديفا ضدّ التيّار الجارف وإحياء لمقاربة استحالت رميما. ورغم هذا الاقتناع فقد أقدمنا على قراءة هذا النص من زاوية إيديولوجية لأنّه لا يخفي الخلفيّة الإيديولوجية التي تحرّكه ولا يُضمر مقولاته الإيديولوجية المستوحاة من الفكر الماركسي والتي تجلّت بدون لبس في ثناياه. وسنسعى إلى تبيان ذلك من خلال دراسة الشخصيّات وعناصر أخرى.

أ - الشخصيّات:

تحرّكت في فضاء هذا النص شخصيّات شتّى اضطلعت بأدوار مختلفة واحتلّت مواقع متفاوتة الحجم وأقامت فيما بينها شبكة من العلاقات. وقد شغل جابر مساحة هامّة من نسيج السرد وارتبط بسائر الشخصيّات:

البطل جابر ولد مبروكة

بدت حياة جابر حلقات من القمع والإهانة والمذلّة مترابطة ومتداخلة، حلقات خلت من البسمة والفرحة والحنان والعطف. فجابر شاب مقطوع النسب. فهو لا يحمل بطاقة هويّة ولا ينتمي إلى عائلة محدّدة ولا يتأصّل في رقعة جغرافية معيّنة. فقد روت له أمّه التي عاشت مشرّدة بلا أب ولا أمّ أنّها تعرّفت إلى أبيه لمّا هرب من الجزائر حيث ارتكب هناك جريمة قتل فعاشرته ثلاث سنوات ثمّ قرّر العودة إلى الجزائر لكنّها رفضت مرافقته فتركها وسافر. وهكذا حُرم جابر من اكتساب هوية ومن عطف أبيه وحنانه فلُقّب باسم أمّه" جابر ولد مبروكة" وكأنّه "ابن زناء" ونتاج لحظة عابرة طائشة وابن أب عابر سبيل في حياته.

وفي القرية عاش جابر مع أمّه في "غار الثعلب" في كوخ متداع تحيط به زريبة لتربية الأغنام. كان يرعى أغنام إقطاعي كبير، فظّ غليظ القلب، يغضب لأتفه الأسباب ويشتم أمّه دون سبب مقنع. تعرّض جابر في هذه القرية للإهانة والقسوة، وعاش حياة تختلف عن حياة أبناء القرية الآخرين. فلمّا كان أترابه يرتادون المدرسة كان هو يرعى أغنام أحد الفلاّحين الشداد، وحينما ينعم الأطفال بالراحة كان يتنفّس الغبار في الصيف ويتعثّر في الوحل في الشتاء. وإذا ما شاهد الآخرين يركبون السيارة أو الدرّاجة النارية أو ينشدّون إلى التلفاز كانت أحلامه تكبر عبثا... ذلك هو أهمّ ما ميّز حياته في صباه: طفولة شقيّة وأحلام مجهضة وآمال محبطة، وحرمان وشتم وتحايل.

استحالت حياة جابر جحيما لا يطاق وأضحت علاقته بصاحب الأغنام متشنّجة متوتّرة. فلمّا طالب بالتّرفيع في الأجر هدّده وحينما ماتت على يديه نعجة أثناء التّوليد طرده.

وقد اقترن هذا الطرد بالتمرّد على الفلاّح وسبّه وشتمه و مثّل بداية مرحلة جديدة قوامها رفض الإهانة والبحث عن شغل في القرية أو بعيدا عنها مثل العمل في معمل المياه المعدنية لكنّه طُرد منه أيضا. وقد قاده هذا البحث إلى التوجّه إلى المدينة حيث اتّخذها ملاذا ليحمي نفسه من المهانة والمذلّة، وهناك اشتغل "مرمّاجي" في حظيرة وافترش "كرذونة" والتحف السماء. لكنّ العمل في الحظيرة لم يدم طويلا فسرعان ما ألقي عليه القبض وزُجّ به في السجن دون أن يرتكب أيّ جُرم.

ويُعدّ السجن لحظة فارقة في حياة جابر وحدًّا فاصلا بين مرحلتين وقد أطنب الراوي في وصف ما تعرّض له جابر هناك. فكيف اُعتُقل؟ وماذا ترتّب عن هذا الاعتقال؟

لم يكن جابر مناضلا حتّى يُسجن ولا قائدا حتى يُطارد ولا معارضا حتّى يضطهد وإنّما لعبت الصدفة دورا في اعتقاله. فقد كان، ذات ليلة، قلقا مسهّدا فخرج يمشي ليخفف عنه هذا السهاد فلاحظ شخصين يكتبان بالدهن الأحمر على الجدران ويوزّعان المناشير، التقط ورقة وأخذ يقرؤها متّكئا على الجدران فاتّسخت ثيابه بالدهن الأحمر. هرع الشابّان للإفلات من سيّارة كانت تلاحقهما فأخذ يجري معهما دون أن يدرك أسباب ذلك فاعتُقِل. وقد تبيّن فيما بعد أنّ هذين الشابين ينتميان إلى حزب العمّال ويوزّعان مناشير ممضاة باسمه .لذا أُلصقت بجابر تهمة الانتماء وهو منها براء. وهكذا بدأت رحلة العذاب. فقد تعرّض للضرب واللطم واللكم والركل والسبّ والشتم منذ أن ألقي به في سيارة الشرطة، وراوح الجلاّدون بين الترغيب والترهيب وزاوجوا بين الإهانة الماديّة والإهانة المعنويّة، وتفنّنوا في تعذيبه للاعتراف بانتمائه والوشاية برفاقه: لسع جسمه العاري بسياط، تعليقه، التمدّد فوق ظهره، اللعب بمؤخّرته، مخاطبته بلغة بذيئة وكلام جارح، تغطيس رأسه داخل سطل ماء متعفّن أسود وخاثر، انسياب البول الساخن على وجهه، ورمي سطل قاذورات على وجهه وشدّ وثاقه إلى السرير...

وأينما حلّ جابر أُهين. ففي "بيت عزرائيل" عاش لحظات مرعبة لازمته أيّاما وأيّاما وسمع أقوالا للجلاّدين سكنت أذنيه أشهرا وأشهرا. ففي هذا البيت حبال وأسلاك وكلاليب من الحديد في أشكال مختلفة ومسامير قديمة وقطع من الحديد الصّدئ ودماء مجمّدة على الحيطان وبقايا هيكل عظمي لترهيبه ودفعه إلى الانهيار والوشاية برفاقه المفترضين. وإن أصرّ على التحدّي أقنعه الجلاّدون بأنّ مصيره لن يختلف عن مصير من مرّوا بهذا البيت. وقبل الدخول إلى مكتب المحامي أمروه "بنزع جميع ثيابه بما في ذلك ملابسه الداخلية. بقي عاريا كما ولدته أمّه إلى أن أتمّ العون فلي ثيابه فليا دقيقا. وقبل أن يأذن له بارتداء ملابسه أرغمه على الركوع والسعال بقوّة مع إبراز لسانه حتّى يتأكّد أنّه لا يخفي شيئا في مؤخرته أو داخل فمه"... وهكذا تعرّض جابر لشتّى أنواع التعذيب والإهانة والإذلال والتحقير.

إلاّ أنّ السجن ليس سبًّا وشتما وإهانة و تعذيبا فحسب بل له وجه آخر قوامه المحبّة والرأفة والمساندة وتبني القضايا العادلة مثل قضيّة جابر. فقد ساعده محمود على التعلّم وفكّ الحروف ودفعه إلى التساؤل عن دلالات كلمات من نحو الحزب والديمقراطية وحقوق الإنسان. وكلّف حزب العمّال بالتعريف بقضيّته وكانت الطبيبة سارّة لطيفة معه مشفقة عليه. لذا انحاز جابر إلى محمود وسانده في مخاصمته "الفرطاس" الذي فرض على المساجين نظاما خاصّا وقاوم معه أعوان البوليس إثر تلك المعركة. فكان حاضره مختلفا عن ماضيه وكان السجن تجربة ثريّة أفادته كثيرا ومدرسة غنيّة عوّضت ما حُرم منه ماضيا وعمّقت وعيه بالعالم المحيط به حاضرا.

وتنتهي رحلة جابر بالهروب من المحكمة، والهروب يعني تحدّي السلطة القضائية الّتي وُظّفت لخدمة السلطة الحاكمة وتبرير قمعها وانتهاكها أبسط حقوق الإنسان. ونجاح جابر في الفرار من المحكمة يعني أيضا هشاشة الجهاز الأمني الذي جُعل لمراقبة المساجين وقدرة البعض على تحدّيه دون عناء. وهكذا وجد جابر نفسه حرّا طليقا تساعده الطبيبة سارّة على التخفّي ويبحث عمّار عن أمّه.

تلك هي صورة هذا البطل كما صاغها خالقها. فقد حكم الكاتب على جابر بأن يعيش هامشيّا مهمّشا في كلّ مراحل حياته. فهو راع في "غار الثّعلب" وعامل وقتي في القرية و"مرمّاجي" في المدينة. ومن ثَمّ انتمى إلى البروليتاريا الدهماء الّتي تعيش على هامش الدورة الاقتصادية وتتبنّى الفوضويّة إيديولوجية لها وتتميّز بالعفويّة المدمّرة أثناء اشتراكها في الأحداث العنيفة. لذا لا تصلح البروليتاريا الدهماء أن تكون بطلا يرمز إلى جملة من القيم والمبادئ يؤمن بها الكاتب ويريد طرحها من خلاله. فالبروليتاريا الدهماء أو الرثّة ليست الطبقة العاملة التي تحدّث عنها لينين والتي تحتاج إلى توعية المثقّف لتتجاوز واقعها المادي الملموس وترتقي بوعيها وتكون وقود الثورة ومحقّقة أحلام الكادحين ومبشّرة بالمجتمع الجديد الخالي من الاستغلال والاضطهاد. والمهمّش لن يقدر على تغيير وجه التاريخ أو الاضطلاع بدور حاسم في المجتمع بل قد يقوم بأدوار سلبيّة. وعندما تحدّث ماركس عن البروليتاريا الرثّة لاحظ أنّها مؤهّلة للقيام "بأحطّ الأعمال اللصوصية وبأقذر أنواع الانحلال الخلقي"، وحين درس لينين ظاهرة الرعاع والمعدمين انطلاقا من الواقع الروسي عشيّة الثورة أكّد أنّ الحالة النفسيّة لهذه الفئات تتّسم" بالتذبذب الطفيلي وعدم الكفاءة لخوض النضال" (اُنظر: د. خلف الجراد: البروليتاريا الرثّة في العالم الثالث/ مجلّة "دراسات عربية"، 19 مارس 1983، صفحة 98/99).

إلاّ أنّ السجن لم يضمّ جابرا والجلاّدين فحسب فقد ضمّ شخصيّات أخرى بينها قواسم مشتركة.

صورة المناضل الشيوعي:

سعى راوي "مناضل رغم أنفه" إلى تقديم صورة مخصوصة لمناضلين شيوعيين اضطلعوا بجملة من الأحداث والتقاهم جابر في السجن وفي مكتب المحامي والمستشفى العسكري. وقد "عكست" أقوالهم وأفعالهم الإيديولوجية التي يحملونها ورسمت لهم صورة مطابقة لهذه الإيديولوجية. وإنّ استعراضا لهذه الشخصيّات لكاشف لهذه الصورة:

- محمود الشيوعي: انتقى له الراوي من الصفات الماديّة أحسنها ومن الصفات المعنويّة أفضلها. وعندما يصفه يرتقي الوصف إلى مصاف الغزل. فهو شابّ وسيم رشيق جمع بين بياض البشرة وسواد الشعر، ورقة الشفاه وتحفّز العينين وقد عُرف بين السجناء بأنّه شيوعي: "محمود... هذا منكم... شيوعي مثلك". وهو يُعدّ من سجناء" الانتماء" وله وضع خاصّ في السجن.
محمود سجين سياسي اُعتُقل أكثر من مرّة بحكم انتمائه إلى حزب العمّال. لذا زار أربعة سجون موزّعة بين أقصى الشمال وأقصى الجنوب. فقد أُمسك متلبّسا بتوزيع المناشير وعُذِّب تعذيبا خلّف له كوابيساً لا تزال تلازمه، هو مناضل خارج السجن وداخله، جريء لا يعرف الخضوع ولا الخنوع .وقد تجلّت شجاعته أثناء مطالبته بحقوقه وحقوق المساجين السياسيّين أمثاله إذ انتصب خطيبا مفوّها يعدّد للمساجين المطالب التي لا يتمتّعون بها ويحثهم على افتكاكها ويؤكّد لهم أنّهم أقوياء إن توحّدوا وأنّ أعوان الأمن ضعفاء ولا يستمدّون قوّتهم إلاّ من عصيّهم وهراواتهم... بل فكّر في الدخول في إضراب جوع للمطالبة بحقوقه وخاصة حقّه في قراءة الصحف والمجلاّت.
وقد ضاعف السجن جرأته وإقدامه وحمّله مسؤوليات تجاه السجناء بصفة عامّة وجابر بصفة خاصّة. وقادته جرأته إلى خصومات مع "الفرطاس" وأعوان البوليس.
وفي السّجن عرف محمود كلّ أنواع التعذيب من قبيل الضرب على الرأس والتعليق والحرمان من النوم والأكل والشرب والوخز والحرق والتغطيس في الماء. وبعد خروجه من السجن تعرّض للضّغط وحُرم من العمل والعلاج والحصول على جواز سفر، وطُرد من العمل كلّما اشتغل وأُهين أمام زوجته وابنه الأكبر.
وكانت علاقة محمود بجابر علاقة خاصّة ظنّا منه أنّه شيوعي مثله ورفيق دربه ومناضل جدير بالعناية. فقد غمره بمحبّته منذ أن رآه وكأنّه يعرفه منذ زمن طويل، ورحّب به ترحيبا حارّا وأطعمه من الطعام الذي أعدّته له زوجته، وبعث في نفسه الراحة والطمأنينة اللتين افتقدهما منذ أن اُعتُقل. وهكذا عرف جابر خطابا وسلوكا مناقضين للمعتاد. بل فكّر محمود في تعليمه القراءة والكتابة، وتوطّدت العلاقة بينهما وراح يشرح له مصطلحات "فُرضت عليه فرضا" من قبيل الحزب والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وبهذا التوجّه تتكرّس ثنائية المثقف/العامل. فالعامل يمتلك وعيا حسّيّا لا يتجاوز ما هو مادّي ملموس ومن ثمّ فهو يحتاج إلى المثقف ليطوّر له وعيه ويرتقي به حتّى يدرك حقيقة الأشياء. ولمّا تكرّس هذا اللقاء انحاز جابر إلى محمود أثناء الخصومة العنيفة التي جعلته يواجه "الفرطاس" وأعوان البوليس وتجرّأ على ضرب أحد الجلاّدين.

وقد حفل النصّ الروائي بنماذج شبيهة بمحمود.

-  المحامي: كهل وسيم صفاته تدلّ على "رجولته"" رجل في العقد الرّابع، وجهه عريض وله شاربان كثيفان.عليه بوادر صلع لم يتّضح..." كان ودودا رقيقا مع جابر. يقول الرّاوي: "رحّب به المحامي ترحيبا جيّدا كأنّه يعرفه من زمان ثمّ سأله والابتسامة لا تفارق شفتيه عن أحواله داخل السجن..." وهو أيضا مناهض لسياسة النظام القمعيّة ومنحاز إلى قضايا المقموعين والمضطهدين: "ما تعرّضت له يشكّل منعرجا خطيرا للنهج القمعي الذي اختارته السلطة في التعامل مع القضايا السيّاسية". وهو محام متطوّع للدفاع عن مناضلي الحرّيات ورمز للعدالة في مجتمع انتفت منه العدالة. وجابر لم يجد من يدافع عنه فقط بل وجد من يعالجه.

- الطبيبة سارّة: هي طبيبة تعمل بالمستشفى العسكري وقد انتقى لها الراوي من الصفات أجمل ما يميّز المرأة من قبيل سحر العينين ورقّة الشفتين ورشاقة القدّ وصفرة الشعر اللمّاع المربوط برباط من الحرير الأحمر... وقد كان في نظرتها الكثير من الحنان والعطف والتأثر بما رأته من آثـار التعذيب البادي على جسد جابر. كانت عباراتها رقيقة وإحساسها مرهفا...

ويمكن أن نضيف إلى هذه الشخصيّات الثلاث شخصيّتين أُخريين أدّتا أدوارا محدودة لكنّها مهمّة. فعمّار امتطى حافلة وراح يبحث عن أمّ جابر لتكتمل فرحة البطل. أمّا زوجة محمود فقد كانت خير سند له في محنته وأكبر مشجّع له على الصمود وتحدّي سلطة الجلاّدين.

تبدو هذه الشخصيّات خالية من العيوب، تمثّل النقاوة وترمز إلى الاستقامة والمبدئية والنضال والتضحية. وفي الحقيقة هي نماذج صاغها الكاتب في ذهنه وقدّمها إلى المتقبّل فبدت شخصيّات مثالية لا توجد إلا في عالم المثل وقد لا نجد نظيرا لها في عالم الواقع، وهي شخصيّات تذكّرنا بالبطل الإيجابي الذي شاعت صورته لدى كتّاب الواقعيّة الاشتراكيّة فصاغوه صياغة مثالية وجسّدوا من خلاله كلّ القيم الإيجابية. (يتبع)

محمد بن صالح



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني