الصفحة الأساسية > البديل الثقافي > من سجين سابق إلى سجين حاضر، من عبيد خليفي إلى حسن بنعبد الله
من سجين سابق إلى سجين حاضر، من عبيد خليفي إلى حسن بنعبد الله
الـــوصايا
7 آذار (مارس) 2010

مرّت اليلـة الأولى يا حســن..

والثانية نمضيها معا، نبكي حالنا... ونبكي حالهم بـلا شجن، ستمرّ الليالي بلا وسن تلامس فيها أطياف الوطن... سنجتـاز الجسر نحو ضـفّـة الجوع والمحـن... هل كنت تحتاج هـذا الامتحان ليمنحوك صكّ الغفـران... خطفوك من بيننا في عزّ الفرحة والمشهد مغر بالفجيعة والخديعة... عاداتهم تلك من عوائدنا، لم نخجل منهم فالذي تعرّى مـرّة قد يتعرّى ألف مــرّة..

في الليلة الثالثة من سجنك الأبدي ستعرف أنهم ما خلقوك وما سجنوك لكنهم حرّروك من خوفهم الأزلي فينا... تعبت يديّ حين لم تتعب سياطهم على ظهورنا.. تعبت يديّ حين لم تتعب غرائزهم وهي تغتصبنا في اليوم ألف مــرّة.. لكم الأمر يا أولي الأمر... لكم الطاعة ولنا المجاعة، ووهبناكم أنفسنا... فبــئـس البـضاعـــة...

في اللّيلة الرابعة حسـن ستتذكّـر أنّ هذا العالم أوسع من قاماتهم الفارعـة وهاماتهم الفارغة، وأنّك في سجنك أقوى من كل الذين حاربوك لحظة أسروك، عالمك الجميل يمـرّ عبر ثقب إبرة، ماذا لو حرموك من الشّفق المغري بالشهوة، لا تحزن يا حبيبي لا تحزن.. فالقمر يعرف كيف يتسلّل إلى الزنازين ويختلي بالعاشقين والنازحين.. يناجيهم حين يسلوهم عشقا مرمريّا عذبا.. القمر لا يبتسم إلا للرجال والجبال، وأنت يا حسـن رسمت بلدتك الرديف بين سفوح الجبال لتقيها حرّ الصيف وبرد الشتاء وبعضا من تلك الخيانات.. ضحكت منك تمشي هادئا وعقلك لا يكتظ بالمزايدات والحسابات.. إيه منك وجعي..

في الليلة الخامسة ستتذكرني.. أنت قطعة منّي يا حسن.. أنت بضعة منّي.. كم أحبك قريبا منّي بعيدا عنّي.. الجدار سميك وهو يفصلنا، والمسار جميل وهو يجمعنا.. وقضبان السجون ساعة وجد وبكاء مجنون.. قضبان السجون أوجعتنا حين أوهمتنا أنّا فقدناك زمنا، أو ربّما سنفقدك إلى الأبد.. الأرض تتّسع لنا جميعا، والوطــن أضيق من فم رضيع يتلمّس الحرف.. العرق يرشح بين أصابعي، ترتعش يدي.. يديّ ربّتك.. رعتك.. أثمرتك.. لترسل أحلامك.. هناك حيث سخريّة السجّان وضحكة الغبي الجبان.. داخل السجن وخارجه الأمر سيّان ونحن نحارب الأوثان...

اللّيلة السادسـة تؤذن بالخراب والعذاب، تطلّ على الرقم المفزع الذي أبكى شعبا بأسره، لن تسأل عنّا يا حسن لا فرق عندنا بين المنحة والمحنة، ولا فرق عندنا بين الارتهان والامتحان.. سقف السجن ليس عاليا لامسته يديّ قبلك والثقب يهرّب نفسا ضعيفا كئيبا، تستطيع أن تتنفّس برئة واحدة وأن تمنحنا الثانية لتكفينا عمرا آخـر.. لا تحزن حبيبي فمن أوجاعنا تعلّمنا كيف نعانق جبال الرديف الصامدة الشامخة.. لا تحزن فمثلك يولد فينا فرحا طفوليّا ممزوجا بالحيرة والبسمة المتعبة..

في الليلة السابعة من سجنك ستلعن الأعداد الأرقام والحروف التي فقدت معناها بالألم والوجع المندوب بالترديد الماسخ، ستدرك أنّ فضاءهم تعفّن أكثر ممّا تراه بأم عينيك بين الزنازين والعزلة التي يهدّدك بها كبير السجّانين.. سبع ليال وسبعة أيام ولن تحكي لك شهرزاد قصّتك لكنّك ستحكي للغارقين في سباتهم عن دمك الذي يفور وعن شعب أٌعد له التنّور والقدور.. لم تكن يوما من أصحاب الولائم ولا الغنائم فكيف حاربت وحدك جيشا مهزوما مهموما..

سينقضي الأسبوع الأول يا حسن، ربّما تعوّدنا على النسيان، وربّما سكرنا وحبّرنا صفحاتنا بالهذيان، ستنقضي الأسابيع.. نحن من يعدّها سكاكين الزمن تجرحنا وتنحرنا والموت تحنّط فينا كالصخر فما عاد يخيفنا أو يرهبنا، وعليك أن تتعلّم كيف تحي في زمانك وفضاءك، وأن تحارب عالمهم ولغتهم: آريا، الشمبري، الزيارة، الكرفي، الكونفة، الشّيبة، القفة، الممشى، الباكيا، اوتوروت، الكبران، حارس الليل... هم لا يحرسون الليل ولكنّهم يغتصبون النور في الليل.. عالمهم ضيّق يا حبيبي وعالمك أوسع فانهض لتحرق أوراقهم التي يبست، واكتب حروفك بين شوارع الرديف وأزقّتها وأنهجها الضيقة..

ولكم ركضت طويلا يا حسن، لم تهرب سوى من عينيك، ومن صورة ترجرج الصخر من تحت قدميك.. وتجرّح اللّحم في أعيادهم الوثنيّة.. ربّك ربّك يقتفي أثرك في الرّمل والملح ليكتب اسمك بين أسماء الأنبياء والأشقياء.. يا شقيّ الرّوح شقيّ التراب.. من علّمك أن تكون شقيق التراب والجبال.. من علّمك أن تصغي للريح بلا مسار.. كيف المسار يا حبيبي.. كيف..

تحنّ إليك حبات التراب يا حسن.. عيون الأطفال.. غمزات الصبايا.. دمعات العجائز والشيوخ.. تحنّ إليك الجبال والسهول والأودية التي سكنتها هاربا من بطش الشيطان وزحف الجراد الأزرق، والنمل يسير خلفك ليمحو آثار قدميك.. حسن.. يا حسن حتى النمل يعشقك ويعشقني وقد كفر بسنابك خيل الأنبياء من قبل.. حروفي تندبك وأسمائي تكتبك أضعاف الأبجدية المنسية من معاجمهم..

المشهد لم يكتمل بعد، والشوق وجع النهار كابوس الليل، الشوق للرجال محنة الرجال.. أنت تشبهنا لكنّ طيفك يمنحنا غربتنا، وغيابك المضني ينهكنا عن مواصلة المسيرة، وعليك أن تضحك منهم ومنّا.. كلنا نربض في الحضيرة، ونقتات من بقايا الزّبل ونفترش الحصيرة.. أنت لا تعرف الدّمع.. لا طعمه.. لا لونه.. لكنّه ينزل بلا مواعيد آو أمنيات مجنونة..

كطفل يعدو على الشاطئ ثم يسقط لكنّه ينهض مرّة أخرى.. يتعب وهو يلعب.. يضحك ثمّ يغضب.. يركض ليهرب.. يجثو على ركبتيه ليرسم على الرمـل خطوطا مائلة ومتعرّجة.. رسم طائرة ثمّ بعثر الرمل ليرسم غولا له أنياب كبيرة ووجه بشع.. خاف ممّا رسمت يداه، فهرب نحو حضن أمّه.. ودسّ رأسه بين ذراعيها وأغمض عينيه... وحاول أن يطرد الصورة من ذهنه..

حسن.. يـــــــا حسن.. الرديف تشتاق خطوك.. سيرك.. ركضك.. وبسماتك نشتاق ونحلم.. الخوف يصنع الحياة في وطني، والكل يبحث عن الحقيقة ويدّعيها.. الرعب يملأ الطرقات والأزقة والنفوس والنوم أمنية الخائفين من المجهول.. وحدك تعرف مصيرك مذ كنت غضّا طريّا.. ولنا موعد قريب معا ومعهم.. كلّما نزفت جراحنا عرفنا أنّ الطريق في نهايته وأننا على تخوم الفرح الأزلي الأبدي...

عبيد خليفي
سجين الحوض المنجمي

نشر في صحيفة "الطريق الجديد" في 6 مـارس 2010


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني