الصفحة الأساسية > البديل الثقافي > نحو تأسيس مناخ إبداعي أصيل...
نحو تأسيس مناخ إبداعي أصيل...
4 آب (أغسطس) 2011
صوت الشعب - العدد 10 الخميس 4 أوت 2011

تتأتى الدعوة إلى تأسيس مناخ إبداعي أصيل من رحم سيرورة حراك شمل البنى الفوقية والتحتية بمختلف أبعادها، فاتسام هذه المرحلة بآلام مخاض عسير للانتقال من الوعي الجمعي المدّجن إلى أساس جديد تحقق فيها الذات التونسية إنسانيتها الحقّة اقترن ببعض الظواهر أبرزها العنف.

لقد غابت الفعاليات المجتمعية وغاب معها الفكر النقدي الإبداعي وهو نتاج طبيعي لحياة مفروضة، حياة القسر والطاعة والخضوع... خضوع لسلطة خارج الذات وليست حيلة الاختيار والالتزام النابعين من داخل ذات حرة مستنيرة ومن تفاعل الذات مجتمعيا نحو تحقيق هدف التكافل ووحدة المسار.

يقول «ألبير كامي» في مستهل قناعته أن الحرية تتأسس بالثقافة التي بدورها لا تصقل إلاّ في مناخ إبداعي أصيل «من دون ثقافة وما تعنيه ويقترن بها من حريات يغدو المجتمع غابة، حتى وإن بدت صورته كاملة لذلك فالإبداع الأصيل هبة والمراجعة النقدية إبداع فكري» والإبداع الأصل كما أسس لذلك كامي، فقيمة الإبداع يقاس تأثيرها في الفرد والمجتمع بمدى تطور المناخ الإبداعي حين تكون - قيمة الإبداع- اختيارا مسؤولا قرين التزام بفعل داخل إطار جمعي.

إن الإبداع هو الوحدة المتكاملة لمجموعة من العوامل الذاتية والموضوعية التي تقود إلى تحقيق إنتاج جديد وأصيل ذي قيمة من الفرد والمجتمع يقتضي إيجاد حلول جديدة للأفكار والمشكلات والمناهج. ويبقى الإبداع شكلا راقيا للنشاط الإنساني متطلبا ضرورة توفر «مناخ إبداعي» كالوسط المباشر والتأثيرات الاجتماعية والنفسية والاقصادية والثقافية والتربوية فالمناخ الإبداعي كل ما يحيط بالفرد من أمور اجتماعية وتأثير العمل والثقافة حيث يمكن لها أن»تسهل» أو «تحبط» التفكير والأفعال الإبداعية. الإبداع لا يظهر من أدمغة معزولة عن سياق الأوضاع العامة للفرد والمجتمع إذ بيّن «أنجلز» في رسالة وجّهها إلى «بورجيوس» كيف أن العامل والمناخ الاجتماعيين ضروريين في حياة الإنسان المبدع في أي مرحلة تاريخية وظروف عينية معطاة وتتنزل في هذا السياق إضافة «جيرارد» :»إن تصوراتنا المبدعة بكاملها ليست نتاجا لدماغ إنسان معزول بل لدماغ كان مرتبطا بالتفاعل مع الناس الآخرين» .

إن المناخ الإبداعي المؤسس لروح العقلانية والتجديد الفكري وامتداد لفلك الإنسانيات يقتضي أساسا عدم الإكراه عبر تطوير روح البحث والاستقلالية وهو ما يؤدي إلى إيجاد الأفكار الحسنة والحث على المناقشة والجدل والنقد البناء، بالتالي على قوى التقدم سواء كانت فكرية أو أكاديمية أو سياسية أن تعمل على تفتح القدرات الإبداعية وخلق سيادة الانعتاق من القيود المتصفة بعدم الإكراه و إبعاد العوامل التي تقود إلى الصراع وتشجيع الاتصال والمخاطرة واختيار الصعب في الحدود المقبولة سينمي ويطور الشخصية المبدعة.

إن تطوير المناخ الإبداعي في بلادنا وإثراء المعارف هو واجب وطني لبناء مجتمع حداثي تقدمي تقود مساره وصراعه المرير ضد قوى الردة طليعة المفكرين والسياسيين، إن العهد القادم بحق عليه أن يكون عهد القطع مع الصنمية والتشيؤ اللذان حوّلا الصفات الإنسانية إلى أشياء جامدة بالهيمنة المكبلة لإرادة الشعوب عبر فرض نسق معين عليهم.

لا ريب أن «المناخ الإبداعي» يقوم على العدالة وتكافؤ الفرص لجميع النّاس، مع التقليص المتزايد للتمايز بين الطبقات والفئات الاجتماعية وردم الهوة ما بين العمل الجسدي والعمل الفكري انطلاقا من وحدة تكوين الشروط المادية والروحية المتكاملة الخلاقة ومن ذلك فإن المجتمع الديمقراطي هو الذي يوفر لمواطنيه شروط العمل البناء والمبدع ضمن آفاق جماعية بهدف رفع المستوى العام للثقافة والحضارة وتأكيد القدرات المبدعة للإنسان ألم يقل أفلاطون: «من يكن مكرما في بلاد ما فسيكون إنتاجه لهذا البلد» .

سفيان بوزيد



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني