الصفحة الأساسية > البديل الثقافي > هنا تونس
هنا تونس
24 أيار (مايو) 2010

هنا لا يمكن لأيّ شيء على الإطلاق أن يصبح شعرا

هنا لا يمكن أن يَسلم عرضك من عضة كلب يمضغ الفلك ويشرب الخريطة
هنا يمكن أن تبلّ نفسك وتشربها باردة
هنا لا يمكن أن تعوّل على الحبْ
هنا يمكن أن تصبح فأرا بلديّا عاشقا لأيّ جرذ أصيل
هنا يمكن أن تحبّ أيّ فِلم وتصبح على ما تريد

هنا لا يمكن للفكرة أن تكون فكرةً

هنا عليك أن تحارب شبابك كما لو انّه عدوّك
هنا الشيوخ أطفال يتامى
هنا لا يمكن للمشمش أن ينضج
هنا يمكن أن تكون لمدّة يوم إطارا شابا وحيويا ومهذبا
فيهجم عليك الجيران وأهل الإقليم بأسره طلبا لشغل أو قرض أو هجرة...
كأنك الملك الملاك رسمائييل
أو الوزير ناجوت ابن مالوت

من هنا يمكن أن تشارك في الحبّ على غزة
هنا يمكن أن يستدعيك السفير الأمريكي إلى إقامته ولا تذهب
لأنّ العراق يعني لكَ شيئا
هنا يمكن أن يستدعيك البوليس لتشابه في اسم البلد وتذهب
لأن أمريكا لا تعني لكَ شيئا

هنا يمكن أن تهدأ كثيرا كثيرا أيها المسكين
هنا يسألونك كلّ يوم عن الرّوح فيُعرج بك على نفسك
فتحسّ بالراحة
إنها راحة، راحة،
لو تدري...أوه لو تدري يا صاحبي
طرب الواحة
هنا أنت ثقيل على بلدك
وهو خفيييييييييييييييف
هنا تتقيأ حليب أمّك طلبا للمغفرة

هنا مجرد هنا
لا قبل هنا ولا بعد هناك

هنا أصبحتَ إلى حدّ الآن شابا
وكفى
ماذا تريد أكثر؟
هنا تُسمَّى الحياة غدا
وغدا نصف غد
وبعد غدٍ...

هنا عليك أن تخطّط لمدينة رمزية
ومهنة رمزية
وحديقة رمزية
وحياة رمزية
ومقبرة رسمية

هنا تستطيع أن تختار بين فنان عاديّ ومواطن عاديّ
هنا يمكن أن تصبح فقيها بسَلاسَة
وأن تصبح شاعرا دفعة واحدة
هنا يمكنك أن تبادر بمداعبة قطرات الأمطار في فراشها
ويمكنك أن تلبّي طموح القمح في مهده
هنا يمكن أن تباغت الصباح بالتحية فيتفحّم
هنا يمكنك اقتياد الريح بإرادتها إلى حيث تشاء رياح أخرى
هنا يمكنك أن تُجري تحويرا على لحيتك كل يوم
ويمكن أن تفرح إلى أن يتفتق سروالك
هنا يمكن لأمّك أن تنجب لكَ مدينة دستورها تساوي أمل الحياة عند الولادة
هنا يمكنك بكل أريحيّة أن تشرح ذوقك لامرأة حامل
على أمل أن تنجبك
وهنا كذلك يمكن أن ترث عشاء قتلاك
هنا يمكنك أن تلاطف الموج بين يدي ربّك

هنا يمكن للدولة أن تعترف بك عصفورا مدنيّا له قوت يكفلها الجيش
هنا يمكن للياقوت أن يصبح ديناميت لولا الاحترام المتبادل
هنا يمكن للطبيعة أن تعترف برائحتك دون محاكمة
هنا يمكن أن تهذي على راحتك
هنا يمكن أن تصبح حرا كبالونة زرقاء فوق جدار السماء الأبيض دون تطبيع مع أيّ كان
هنا لا يمكنك أن تكون عبريّ النفسية في القميص الأزرق

هنا يمكن أن تسافر إلى النّيبال دون أن تصبح شيوعيا
هنا يمكن أن تعود من الجنة بسلّة خمر
هنا يمكن أن تُتهم بمعاداة السامية الوطنية
وبتخريب اقتصاد الاتحاد الأوروبي وشركاؤه
لماذا تنسى درسك المميز: المزيد من الرأسمالية يؤدي حتما إلى الشيوعية
هنا يمكنك أن تتدخل في أمور لا تخصّك
هنا يمكنك أن تموء دون أن تموء
هنا يمكنك أن تسافر إلى الشقيقة بيجين دون أن تتبني شيوعية رأس المال
ويمكنك أن تتفكك دون أن تعتقد في اشتراكية الدولة
هنا يمكنك أن تخوض إضرابا خارج القوانين الفرنسية
هنا يمكنك أن تظل مفتونا بالسياسة المدنية والديانة المدنية والدولة الاجتماعية
فهذا يعفيك من فكرة الجمهور والأمة والثورة وما على ذلك

هنا يمكنك أن تتمنى وزيرة شابة تناجيها بحب ونعومة وربّما تقع في غرامك وتصطحبها على المسرح
وربما تنجبان شاعرا وموسيقيا ورائد فضاء وجيمس كامرون ومانديلا على كاهل الدولة
وربّما، ربما
لمَ لا؟

هنا يمكن أن تعقد اجتماعا حاسما حول المستقبل دون أن يراك ودون أن تراه
هنا يمكنك أن تتحمل قهرك ولكن بلا طائل
هنا تفكر في أن تُدخل السيارة في حائط انتقاما من ذبابة حرة
هنا قد تدور حول الأرض وتعود
والقطار العظيم يُفتح من باب وحيد خوفا على الوحيد من الوحيد
هنا يمكنك أن تقرأ جريدة أو تتبادل اللكمات والركلات مع التلفاز الوطني والحاسوب الوطني دون أن تضرب عن الطعام
هنا يمكن لآيّ كان أن يقول لك أنا تونس والبلاد متاعي

هنا كان بودّي أن أكون هنا
هنا لستَ هنا

صلاح الداودي


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني