الصفحة الأساسية > البديل الثقافي > وسوساتُ شيطان الثورةِ
وسوساتُ شيطان الثورةِ
كانون الأول (ديسمبر) 2009

نجتر آلامنا، أوجاعنا وهزائمنا في الوقت الذي يجترنا فيه التاريخ، نتجرع قسوة الأوطان نتلجم أفواهنا بالحنظل المعسول مخافة أن تـُطلق أصواتـُنا أنينـًا مسموعا، ونحنط أجسادنا ونبالغ في تحنيط تقاسيم وجوهنا خوفا من انكماشها تقززا من قذارة وبذاءة صناع الوطن أو انكشاف عوراتهم عند أول امتحان للتاريخ... حينا نحتمي بأوراق بيضاء نخط عليها خطوات لم نمشيها، وأحيانا نختبئ خلف طلق خافت لرصاص يخرج من بندقية لم نحملها. نرهق أذهاننا بمشاريع أحلام رغم أننا لا نرويها... نعلم أنه حتما سيلقى علينا القبض بتهمة الشروع في الحلم المتعمد بسبق الهزائم واليأس المتجدد. نرتكب جرائم في حقنا فنغض البصر عنها فهو فريضة من دونها تندلع نار الفتنة.

كخطوة أولى لترميم الإنسانية المهمشة على صخور الحرية المزيفة وترقيع الكرامة الممزقة بمقصات الذل والإهانة، نقترف مواساة بعضنا البعض، بمفردات الصمت طبعا، نجدها في قاموس القهر قمعي اللغة. جميعنا نفهم هذه اللغة جيدا لكننا نجد صعوبة في الرد عليها فنلجأ إلى السكوت.

أحيانا نسمع من يردد أنينا أو، نادرا من يصرخ لكن يبقى صراخ مختلف عن الرد بما يناسب هذه اللغة الوقحة ثم ننتقل لإيجاد حلول جذرية بمنطقة تمر بمحاذاة جوهر هذه المشكلة دون أن نلامسه فعلا فنعود بالتاريخ إلى نقطة الصفر حيث اللاإنسان، فوجدنا أننا وجدنا فـ...مهلا، خـُلقنا، فحُكمنا، فظـُلمنا، فهُزمنا. وعند تحليلنا للأحداث وجدنا أن أفعالنا مبنية دائما للمجهول المنسوب للمعلوم ضمنيا فأخذنا نحدد المفاهيم ونسمي الأشياء بمسمياتها حيث لا مكان للمجهول، فهذا الاسم محاولة لمغالطتنا.

المجهول هو في الحقيقة القدر، وهناك من يقول أنه الزمن الذي طغى وتجبّر، حكم وتولى، ونادى في الناس أنا ربكم الأعلى، أُحيي وأميت وأنا على كل شيء قدير. لعلكم تجهلون لا أحد غيري يعلم جهرا، السر وما يخفى. أنا من يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الدامسة في الليلة الحالكة، وأنا من يدي تطال البعيد قبل القريب، لي ملك السماء والأرض... السماوات السبع وسابع أرض، أنا الباقي... الدائم، الوارث، الواحد، المنتقم، الجبار فمن يعرض عن ثنائي أبشره بظنك من العيش وليعيش في جحيمي حتى يوم لا تاريخ له، سأصليه عذاب زبانيتي، أما من وسوس له شيطان الثائرين بأن يكفر بوحدانيتي ويدعو لأنداد لي فإني آذيه وذويه ممن تحدّث له نفسه بأن يتبع القوم الضالين بحرب لا تخمد ولتخضعوا فذلكم خير لكم، والويل لمن يشك في عدلي أو حكمتي ستحل عليه لعنتي وأسلط عليه سنين يموت فيها ولا يحيا وذكـِّرْهم بقولي الكريم "قل عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم"... هل من عالم أدرى مني بما ينفع عبادي ومن أكثر حرصا عليهم مني، أنا الرؤوف، المُغـْني، أحيي الحامدين، الذاكرين بكرة وأصيلا والمحدثين بنعمي والشاكرين فضلي أثناء الليل وأطراف النهار، الراكعين عند عرشي، الصابرين على بطشي، الراضين بظلمي، الطائعين لأمري الواهبين لي قرابين من رؤوس المتمردين والجاحدين. هؤلاء هم عبادي الذين أهبهم جناب البلاد ليدخلوها بسلام، يأكلوا ويشربوا ويسرفوا، كل من حولهم هو حل لهم. ولهم مني الأمان، هم يدي التي أبطش بها وعيني التي تخترق الأحلام وأنفي الذي أشم به رائحة جنين الحوت في أعماق المحيط، وهم قدمي التي أهز بوقعها الأرض إذا غضبت. وفجأة وسوس شيطان الثورة الرجيم للقوم الكافرين بأمر كان غائب عن أذهانهم، إنهم لن يعصوا ولن يتمردوا ولن يجحدوا النعم ولن يحسدوا المؤمنين السابحين في أنهار الخمور، ولن يكفروا ويدعوا لتعدد الإله إلا إذا بتروا يده وقدمه في الأرض وفقؤوا عينيه. وهكذا سينتهي الباقي في السماء وتصبح الأرض وجناتها للعاصين، ملك للقوم الكافرين.

مواطنة مع وقف التنفيذ
ولكم سديد النظر


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني