الصفحة الأساسية > البديل الثقافي > ونصيبي من الأفق(*)...!
أضْـــوَاء وظِــــلاَل*:
ونصيبي من الأفق(*)...!
2 كانون الثاني (يناير) 2011

بقلـم: رضا البركاتي
ridhabarkati@gmail.com

1. أضواء المدينة [1].!

كلّما طُرِح الحديثُ عن السينما التونسية ارتدّ الكلام إلى صيغة الماضي. ويذكِّركَ مُحدِّثك بعراقة علاقة تونس بسابع الفنون منذ ولادة الفنّ الجديد وقدوم تقنيي الإخوة لوميار.
كلام كثير يمكن أن تسمعه عن السينما التونسية مرصّع بصيغ أفعل التفضيل ومقارنات لا تحصى تحتل فيها سينمانا وسينمائيونا المرتبة الأولى في البلاد العربية والإفريقية...
ويتباهى العديدون بأنّ السينما التونسية سينما مؤلف، وما أدراك ما سينما المؤلف، لذلك أبدع التوانسة أفلاما في مختلف مدارس وأنماط ومذاهب وتجارب السينما... وحضروا كلّ المهرجانات المعروفة في المعمورة (حتّى أنّ بعضهم تحدّى جدار العار ودخل فلسطين المحتلّة من تل أبيب) وعرضوا ونالوا جوائز.

إنّ ما تحت يافطة "السينما التونسية" يذكّر بحكاية شريط "أضواء المدينة" للمبدع الكبير "شارلي تشابلن" حيث يجتمع الناس لحضور حفل رفع الستار عن تمثال أقيم احتفاء بالسلام والتقدم... بعد كلمات المسؤولين، يرفع الستار.. والمفاجأة: متسكّع ينام هادئا بين تضاريس التمثال. !

2. قنديل باب منارة [2].

في نفس الوقت يمكنك أن تسمع خطابا مضادا يدحض المديح ويطرح نقيضه فينفي وجود سينما تونسية أصلا إذ كلّ فلم تونسي يكاد يكون حالة خاصة لا تربطه بسابقه أو لاحقه علاقة تذكر. والسينمائيون التوانسة يقارب عددهم عدد الأفلام إذ قلّة منهم تمكنَّتْ من مراكمة تجربة في الإنتاج السينمائي. وإنتاج شريط سينمائي في تونس يعتبر "مغامرة" ومجرّد الإقدام على خوض المغامرة يعدّ بطولة والخروج منها بنسخة جاهزة للعرض يعتبر نصرا مبينا.
ثمّ إنّ تحقيق وإنجاز هذه الأشرطة أصبح منذ عشريتيْن وأكثر مرهونا للمساهمة المالية الأجنبية: التلفزات الأوروبية، السفرات، بعثات التعاون الثقافي والمراكز السينمائية الغربية...

لذلك يصعب اعتبارها منتوجا تونسيا بالعودة إلى مبادئ الاقتصاد كما يصعب اعتبارها إبداعا ثقافيا تونسيا لأنّه لا يخفى على المتفرج العادي علاوة على الناقد والدارس والمتفرج اليقظ المتابع للشأن الثقافي... لا يخفى على أحد أنّ أجواء تلك الصور تفوح برائحة المنظور الغربي للواقع الشرقي. ويبقى شريط "الدكتاتور" للمبدع شارلي شابلن، على سبيل المثال، أقرب للتونسي، كما لأيّ إنسان في المعمورة، من عديد الأفلام التونسية؛ ويمكن أن نضرب أمثلة بما لا يحصى من روائع الفن السينمائي العالمي.

فروائع الفنّ كشموس الحقيقة تنير السبيل لكلّ البشر. ولكنّ "قنديل باب منارة يضوي على البرّاني".

3. "فاوست" [3]

وإن أكّد البعض أنّ مصادر التمويل الأجنبية هذه لا تتدخّل في السيناريو وكافة مراحل الإنجاز فإنّ الأمر يصبح خطيرا باعتبار أنّ الرقابة الذاتية قد لعبت دورها.

وفي صورة ما نفى السينمائي التونسي – أو المغربي أو الإفريقي أو الجنوبي عامة- أيّ رقابة خارجية أو ذاتية مؤكدا أنّه قدّم مشروعا حرّا مستقلا حَظِي بالموافقة التامة والترحيب من قبل جهات أجنبية لها سياستها وبرنامج واضح للتعامل مع المستعمرات القديمة ومؤسسات لنشر ثقافتها واستهجان ثقافة الآخر فإنّ الأمر يصبح أكثر خطورة ولا يمكن فهمه إلا بإحدى الفرضيات التالية:
أ‌- أن نكون نحن أغبياء ولا نفهم هذا التلاقي البريء بين مبدع من الجنوب يصوّر حكاية العاشق والمحبوب ومموّل من الشمال يتحلّى بأخلاق المسيح ويذرف على دراما الرمال دموع التماسيح.
ب‌- أن تكون هذه الأطراف المموِّلة من الشمال غبية ولم تفهم في ثنايا إبداعه انتماءه لنجم الجنوب [4].
ت‌- أن يكون هذا الفنان في تماه تام مع الآخر فهو ينتج وفق مواصفات تأثيث "سهرة الأربعاء" بإحدى قنوات بلاد الثلوج فيمتّع ماري وجاك والآخرين بصور الحمّام وأزقّة المدينة وصور بطاقات بريدية عن رمال الشواطئ والصحاري والعجز الجنسي عند الرجال وصورة المرأة المتحررة...
وبالمساهمة في إنتاج هكذا أفلام تتذكر الدوائر الغربية بـ"مودّة فائقة" مُقاطعاتِها القديمة التي أصبحت حقول موز.
ففنانُنا الواقف بالجنوب ينظر إلى الواقع بنظارات غربية وقلبه يخفق على إيقاعات غريبة ووعيه مركب بخمائر "البيفديس" المنعش.

إنّ هذا النوع من السينما لا يمكن إلا أن يذكر بحكاية "فاوست" ذاك العالم الذي عقد صفقة مع إبليس الذي يحقق له كل ما يتمنى من ملاذ الدنيا ومُتَعِها مقابل التخلي له عن ضميره.

4. وغــــــــــــدا [5]

وللحديث عن السينما في الحال والاستقبال أي الآن وغدا، يَطرح السؤالُ نفسه: ماذا لدينا؟ وماذا نريد؟

1- لمّا سأل أحدهم (هم = منشطي نوادي السينما) مخرجا مصريا في إحدى دورات "الجي سي سي": "لماذا تنتجون أفلاما تجارية، سخيفة، وهابطة، ومائعة كهذه؟" أجاب بكلّ بساطة وثقة وكأنّه تاجر يبيع نوعا من الكعك الذي زادت حلاوته عن اللزوم: "الجمهور عايز كدة."
ولكنّنا في تونس، وبفضل عديد العوامل المتظافرة، لنا جمهور سينما ثقافية، جادة، فنيّة. وهذه أرضية خصبة تُعتبر رأس مال لا يُقدَّر بمال الشمال ولا بـ"فلوس" إبليس.
2- ولنا أيضا نخبة من المبدعين الشبان خاضت مغامراتها الأولى وأعلنت عن وجودها في الساحة وكلّها عزم على مواصلة المشوار. ولكنّهم أشبه بجزر مُنفصلة لا تشكل أرخبيلا.
فلو تسلح الجماعة بوعي حقيقي، واقعي وجمعي (لأنّ السينما فعل جماعي بالأساس والمخرج ليس إلا رئيس جوقة يمسك بيده عصاة تؤلف سيمفونية من أنغام كلّ الآلات) وبمشروع يضعونه بأنفسهم لأنفسهم مع الالتفات إلى الساحة الثقافية بكلّ مكوناتها في الأدب والمسرح والموسيقى والرسم... فلو تخلص الجماعة من غواية إبليس وتمسكوا بالضمير والمبادئ والقيم ورسالة الفنان لأتوْا بالعجب العجاب ودخلوا معبد الفن من بابه العريض.
3- ولنا أيضا في العلم والتكنولوجيا خير نصير في خدمة الفن والإنسان إذ صار بالإمكان إنتاج أفلام بأبخس الأثمان.
4- ولنا أيضا نمط إنتاج سينمائي لا يرتكز على المؤثرات والنجوم ولا يتطلب من الأموال إلا ما يمكن أن يتوفر لدى الفقراء.

فهل يكون للسينما التونسية غد مشرق؟ وهل من مُجيب عن سؤال "ونصيبي من الأفق؟"؟

ملاحظة

(*) "ونصيبي من الأفق": رواية لعبد القادر بالشيخ مشتقة من سيناريو شريط وغدا لإبراهيم باباي.

هوامش

[1"أضواء المدينة": شريط شهير لشارلي تشابلن عرض لأوّل مرّة بلوس آنجلوس نهاية سنة 1931 ويدوم عرضه 86 دقيقة وهو طبعا صامت وبالأسود والأبيض.

[2"قنديل باب منارة يضوي على البرّاني" مثل شعبي.

[3"فاوست": هي أسطورة ظهرت في القرن 15 بأوربا تمّ استغلالها في عديد الأعمال الفنية والأدبية ولعل من أشهر توظيفاتها مسرحية الأديب الألماني "غوتة".

[4نجم الجنوب: يستعين به الأمازيغ لتحديد الاتجاهات وله مكانة في الثقافة والعادات الأمازيغية والإفريقية والنصف الجنوبي من الكرة الأرضية. باعتماد مجموعة نجوم تحمل اسمه يمكن تحديد القطب الجنوبي السماوي.

[5"وغدا" شريط لإبراهيم باباي 1972. استعان مخرجه في بناء وضبط السيناريو بثلّة من المثقفين ومن رجال الأدب مثل الأستاذيْن توفيق بكار وعبد القادر بالشيخ ولمّا تأخر إخراج الشريط "أخرج" هذا الأخير رواية "ونصيبي من الأفق" من السيناريو... !


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني