الصفحة الأساسية > البديل العربي > أزمة كرويّة أم أزمة أنظمة فاسدة؟
أزمة كرويّة أم أزمة أنظمة فاسدة؟
11 كانون الأول (ديسمبر) 2009

فجأة ودون سابق إنذار تحوّلت مقابلة في كرة القدم التي دارت بين المنتخبين الجزائري والمصري في إطار تصفيات الترشح لكأس العالم، إلى أزمة ديبلوماسية بين النظامين "الشقيقين". ورغم مرور قرابة الشهر على هذه المقابلة، فإن التلاسن والتهديد والوعيد، لازال متواصلا ولاشيء يدل أنه سائر إلى الزوال كما تنبأ العديد من الملاحظين الذين اعتبروا أن المسألة مسألة أيام كما تعوّد على ذلك الرأي العام الرياضي في كل أصقاع العالم، فأن تثير مقابلة رياضية، بقطع النظر عن رهانها، أزمة سياسية بهذا الحجم بين نظامين عربيين، فالأمر يستحق النظر والتعمق.

يجب الإشارة في البداية أن المقابلتين اللتين جرتا في القاهرة والخرطوم لم تثر حولهما أية احترازات حول أداء الحكام أو شرعية الأهداف، أما ما أثار الجدل فهو "تعرّض بعض أنفار المنتخب الجزائري إلى العنف في القاهرة" مما حدا بهؤلاء إلى رد الفعل والثأر في الخرطوم ب"الاعتداء الواسع بالعنف ضد أنصار المنتخب المصري" إلى هنا تبدو المسألة محصورة في "النطاق الرياضي" وما يمكن أن يترتب عنه من "تجاوزات" من جمهور هذا الفريق أو ذاك. وقد أصبحت هذه الظواهر عادية في عالم كرة القدم الذي لوثته الرأسمالية وحولته إلى مجال عنف وسمسرة وتوظيف لتخدير قطاع واسع من الجماهير المفقرة والمحرومة، لكن ما شد الرأي العام العربي والدولي هو دخول النظامين المصري والجزائري على الخط بثقلهما مما يعكس بشكل واضح حقيقتهما الرجعية، فكلاهما كان في حاجة ماسّة إلى "انتصار" في هذه المقابلة والترشح لتصفيات كأس العالم كي ينقص ولو قليلا من "الضغط" الذي يتعرّض له خاصة في المدة الأخيرة، فنظام الجزائر يعيش "توترا" متواصلا بحكم تواصل ضربات فرع "القاعدة" المتمترس في جبال الجزائر والذي كثف في المدة الأخيرة من عملياته ضد المؤسسات الرسمية وخاصة منها العسكرية والأمنية، هذا فضلا عن اتساع رقعة الفقر والبطالة والهجرة السرية... ومن شأن "انتصار وترشح" أن يعطي للنظام مساحة من المناورة لتسويق هذا "الإنجاز" وتقديمه كإنجاز من إنجازات الرئيس بوتفليقة ودليل على سداد سياسته في كل المجالات ومنها الرياضة.

أما النظام المصري فأزمته أشد وحاجته لهذا "النصر" أكثر من أكيدة، بل إننا نستطيع الجزم أنه الخاسر الأكبر في هذا الرهان الرياضي، فهذا النظام العميل والفاسد والمستبد يتحين أي فرصة مهما كانت ليمرر قرار توريث الحكم من مبارك الأب إلى جمال الإبن. وهذه المسألة تشغل بال الجميع في مصر، النظام كي يمررها رغم ما فيها مـــــن "إحراج"،والمعارضة الديمقراطية التي كثيرا ما فرضت على النظام أن يعود إلى مربع دفاعي، لذلك تحول وضعه أشبه ما يكون بالحيوان الكاسر الذي يتحين الفرصة للانقضاض على فريسته. ويبدو أن هذا النظام اعتبر أن الفرصة حانت، فتحول "أمين السياسات" في الحزب الحاكم جمال مبارك إلى وزير للرياضة ورئيس للدولة في الآن نفسه. وقد حضر المقابلات صحبة شقيقه علاء (بوتفليقة أرسل شقيقيه لتمثيل الدولة الجزائرية في الخرطوم !!) ممثلا لدولة مصر وهو الذي نظم التعبئة استعدادا لمقابلة الخرطوم بأن فتح جسرا جويا نقل بموجبه أكثر من 20 ألف مصري إلى الخرطوم بمعاليم "رمزية" (وهو ما قام به بوتفليقة). كان النظام المصري يمني النفس بالنصر الذي سـ"يهيج" على نخبه شعب مصر حينها تكون اللحظة مواتية كي يعلن جمال خليفة على عرش مصر، لكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه، فالهزيمة أحبطت المؤامرة وأفسدت الملعوب لذلك انصبّ جام الغضب على نظام الجزائر وجمهور منتخبها ودخلت وسائل الإعلام الحكومية في حمّى هستيرية عنوانها الأبرز أن ما وقع في الخرطوم هو "اعتداء على الكرامة المصرية وإهانة للشرف المصري ومس من الوطنية المقدسة". وانخرطت القنوات التلفزية الرسمية وشبه الرسمية فضلا عن عديد المواقع الإلكترونية في حملة شعواء بل إن عديد القنوات أصبحت تحمل "مصر فوق الجميع" محاطا بعلم مصر على مدار الساعة، وقد حاول النظام الرجعي تقديم المسألة على أنها "مسألة وطنية" وإن "الجزائر أهانت مصر العظيمة"، مصر "أم الدنيا" و"والشقيقة الكبرى للعرب". بل إن عديد المنفلتين من أزلام النظام اعتبر أن مصر "لم تعد عربية" لأنها "أكبر من العرب والعروبة"، مصر "صاحبة التاريخ المجيد والأصول الفرعونية" إلخ...

ولمزيد صب الزيت على النار استدعى النظام المصري السفير الجزائري للاحتجاج والسفير المصري في الجزائر للتشاور (يعني تجميد العلاقات الديبلوماسية) فضلا عن الاعتذار عن استقبال بطولة الأمم الإفريقية لكرة اليد في دورتها القادمة لتجنب استقبال المنتخب الجزائري. واستدعت الرجعية المصرية احتياطييها من "فناني الخدمات" للانخراط في هذه الجوقة. فها هي الممثلة يسرا تطالب بمقاطعة الجزائر على كل الأصعدة وتقوم بإرجاع الجائزة التي حصلت عليها من مهرجان وهران للفيلم العربي وصرّحت:"يجب أن نوضح لمن يكرهنا قيمة مصر وقوتها ويجب أن نقف بجوار قيادتنا... ضد كل من تسوّل له نفسه بأن يمس من كرامتنا". كما أرجع الممثلين شريف منير وأحمد السقا جوائز حصلا عليها من نفس المهرجــان وانخرط في نفس الجوقة محمود ياسين وفردوس عبد الحميد وغيرهما من الممثلين الذين تابع الجمهور العربي أعمالهم بكثير من الإعجاب ليفاجئ بمستواهم المتخلف وانخراطهم في معركة وسخة بين نظامين رجعيين. ولم يقتصر الأمر على الأفراد بل تعداه إلى نقابات الفنانين التي أصدرت قرارات تجمّد نشاط منظوريها الجزائريين.

وفي الضفة الجزائرية أطلق النظام الرجعي أتباعه كي "يردوا الصاع صاعين" حول "الجزائر أيضا كبيرة وأكبر من الجميع" وهي بلد المليون شهيد... وعاد الحديث عن "الذاتية والهوية الجزائرية المتفردة والمتميزة والأشرف من الجميع...".

إن ما يجمع الموقفين المتقابلين هو انخراطهما في شوفينية إقليمية لا تعكس بتاتا موقف شعبي الجزائر ومصر اللذين لا مصلحة لهما في هذا التوتير وهذه الغوغائية. فهذه الأنظمة المنصبة والفاسدة والمستبدة لا علاقة لها بقضايا شعوبها أو تطلعاتها. ففي الوقت الذي يعربد فيه الكيان الصهيوني ويعتدي على الأقصى ويوسّع من مستوطناته ويأسر ويعتقل، تجد النظمة العميلة "الجرأة" للحديث عن الكرامة والشرف. ألم يكن من الأجدر تنظيم جسور الجوية نحو غزة. لكن العكس هو الحاصل فكل الأنظمة العربية منخرطة في حصار غزة وتجويع شعبها.

ورغم ذلك فإن في كل من الجزائر ومصر مثقفون شرفاء يشكلون بحق ضمير شعوبهم لا خدما وتبعا لأنظمة فاسدة ولا شرعية. فقد أصدر مثقفون وفنانون مصريون بيانا أدانوا فيه أعمال العنف التي مارسها جزء من الجمهور المخدر والمغلط، وأدانوا كذلك الشحن الإعلامي غير المقبول في البلدين، كما ركز البيان على "أن الشعبين المصري والجزائري تربطهما أواصر وطيدة وعلاقات وثيقة منذ القدم (...) فقد اختلطت الدماء المصرية والجزائرية في العديد من معارك التحرير (...) ونحن كفنانين عرب نؤكد ضرورة ألا يتحول المثقفون والفنانون المنوط بهم قيادة الرأي العام، إلى قطيع في صفوف الغوغاء (...) إن علاقات الشعبين المصري والجزائري أكبر وأعظم من عبث العابثين ودعاة الفرقة والإثارة والتحريض وصناع الدسيسة الذين يلحقون أكبر الضرر بمصالح الشعوب العربية جمعاء".



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني