الصفحة الأساسية > البديل العربي > أين المنتدى الاجتماعي التونسي؟
المنتدى الاجتماعي المغاربي:
أين المنتدى الاجتماعي التونسي؟
25 أيلول (سبتمبر) 2008

احتضنت مدينة الجديدة المغربية أيام 25 و26 و27 جويلية الماضي فعاليات المنتدى الاجتماعي المغاربي الأول. وقد شارك من تونس 42 شخصا يمثلون مختلف فعاليات المجتمع المدني (الرابطة، اتحاد الشغل، النساء الديمقراطيات، المحامون...) فضلا عن مشاركين في نضالات اجتماعية جرت هذا العام (بحارة طبلبة، الأساتذة المطرودون) علما وأن بوليس المطار منع المناضلة غزالة المحمدي من السفر بتعلات واهية، وقد كان من المفروض أن تقدم شهادة حول أحداث الحوض المنجمي. ولم يستطع المشاركون التونسيون التشكل في وفد واحد تجمعه أرضية واحدة. وسبب ذلك يعود فشل ممثلي الجمعيات والمنظمات أثناء التحضير للمنتدى في الاتفاق على برنامج عمل مشترك أو حتى على حد أدنى من التنسيق. فاتحاد الشغل رأى أنه "الأجدر" في باحتضان أي نشاط يتعلق بالمنتدى الاجتماعي بدعوى أنه هو من "تصدر" الأعمال التحضيرية للمنتدى الاجتماعي التونسي، لكن ينسوا أن الاتحاد هو الذي قبر المشروع بضغوط من السلطة استجابت لها البيروقراطية النقابية دون مقاومة مما حرم التونسيين من منتدى اجتماعي كانوا يطمحون إلى بعثه خاصة أنهم خطوا خطوات محترمة في ذلك. في مقابل اتحاد الشغل يرى بعض ممثلي المجتمع المدني وعلى رأسهم مناضلات "جمعية النساء الديمقراطيات" أنهن الأجدر بقيادة الوفد التونسي، ذلك أنه عندما انسحب اتحاد الشغل ممثلا في مركزيته، قامت الجمعية بمعية فعاليات من المجتمع المدني (الرابطة، فرع تونس لمنظمة العفو الدولية، جمعية النساء من أجل التنمية) بعدة أنشطة يندرج بعضها في إطار التحضير للمنتدى المغاربي. فقد احتضن مقر الجمعية عديد الندوات والاجتماعات التنسيقية حول القضايا النسائية أو القضايا الاجتماعية من منظور نسائي.

وقد احتدم التباين بين وفدي الجمعية والاتحاد حول تعيين الوفد التونسي من زاوية المعايير، وهما لئن اتفقا في البداية على إتاحة الفرصة لمن شارك في أهم النضالات الاجتماعية لهذه السنة (نضالات الحوض المنجمي، طلبة سوسة، بحارة طبلبة، الأساتذة المطرودون، عاملات النسيج بالمنستير) فإن تعذر سفر أغلبية المعنيين لهذا السبب أو ذاك (اعتقال، عدم حمل جواز سفر...) فتح "حربا" جديدة حول من يسافر؟

هذا الوضع جعل الوفد التونسي لا يأخذ الكلمة في افتتاح المنتدى. كما أنه عجز عن تنظيم أي نشاط مركزي حول￿أي قضية من ￿￿قضايا. ففي ما عدا الرابطة التي كانت ممثلة برئيسها في "التنسيقية المغاربية لمنظمات حقوق الإنسان"، فإن البقية تصرفوا بشكل فردي. فركزت النساء على الورشات التي تطرح قضاياهن، فيما ركز وفد اتحاد الشغل على "ورشة الحركات النقابية المغاربية" التي شارك فيها بتدخل وكذلك الأمر بالنسبة إلى المثقفين والشباب الذين توجهوا إلى الورشات التي تهمهم مباشرة. وقد تجاوز عدد الورشات الـ20 ورشة شملت كل المسائل والقضايا (الديمقراطية وحقوق الإنسان، النقابات، القضايا النسائية، القضايا الثقافية في المغرب الكبير: المسألة الأمازيغية، قضايا تقرير المصير: الصحراء الغربية، الهجرة السرية، التنمية، العلاقات شمال جوب، مستقبل المتوسط..)

1 – المسألة الديمقراطية تستقطب جمهورا غفيرا:

كان الحضور مكثفا في ورشة "الديمقراطية وحقوق الإنسان" التي قدم فيها رئيس فرع المغرب لمنظمة العفو الدولية مداخلة حول "الحقوق المدنية والسياسية في البلدان المغاربية" تبعتها مداخلات لرؤساء المنظمات الحقوقية المشكلة للتنسيقية المغاربية. وقد ركز الأستاذ مختار الطريفي، ورئيس الرابطة التونسية، في كلمته على الاعتداءات التي ترتكبها السلطة على أهالي الحوض المنجمي مما يؤكد أهمية طرح مسألة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي تتعرض اليوم للتصفية فضلا عن الحقوق المدنية والسياسية المنتهكة أصلا. وحين أحيلت الكلمة إلى ممثل الرابطة الليبية "هاج" جزء من الحضور يبدو أن￿م من مخابرات "القذافي" وعطلوا الأشغال لردح من الزمن بدعوى أنه لا يجوز إعطاء الكلمة لـ"خائن وعميل" علما وأن ممثلي الرابطة الليبية يعيشون في المهجر ولا حق لهم في النشاط داخل ليبيا التي يُخوّن فيها الانتماء إلى حزب أو جمعية حقوقية كهذه. ونفس الشيء أتاه مبعوثان لنظام بن علي حضرا الورشة وهما منصف عاشور وحسان المناعي وهما موظفان ساميان في وزارة التعليم العالي. لقد صبّا جام غضبهما على التنسيقية المغاربية التي زعما أنها تتشكل من منظمات "غير ديمقراطية ودكتاتورية وتمارس التعسف وتحتكر تمثيل الجمعيات الحقوقية في المنتدى الاجتماعي". ومن التونسيين أخذ الكلمة على الجلولي. وقد اعتبر الأنظمة القائمة في المنطقة غير مؤهلة لا لاحترام حقوق الإنسان ولا لتوفير الديمقراطية لأنها في الأصل أنظمة غير شرعية، غير ديمقراطية وغير وطنية وهي اليوم تمثل حارسا لمصالحها الضيقة ومصالح أسيادها الامبرياليين الذين صنعوها. وأضاف أنه من الوهم تصور ديمقراطية في ظل هذه الأنظمة، فالديمقراطية لا تتحقق إلا في وضع جديد تكون فيه هذه الأنظمة قد زالت وعوضتها أنظمة ديمقراطية بحق، تمثل الشعوب وتدافع عن مصالح الوطن. كما تدخل في هذه الورشة العديد من التقدميين المغاربة والجزائريين والموريتانيين الذي اتفقوا على أن العمل من أجل الديمقراطية والتحرر هما مهمتا المرحلة.

2 - المسألة الثقافية تستقطب عديد الحضور

كما في المنتديات العالمية الأخرى، لوحظ وجود مكثف للجمعيات التي تدافع عن الحقوق الثقافية للأمازيغ الذين هم أقلية في الجزائر (حوالي 40 بالمائة) وأغلبية في المغرب (حوالي 60 بالمائة) وهم في الحالتين محرومون من حقوقهم الأساسية التي اعترف بها لفظيا بعد نضالات كبيرة دون أن تجد الطريق لتكريسها. فحملات تعريب "الأمازيغ" في الريف المغربي لازالت متواصلة بنسق حثيث وهي تحت الإشراف المباشر لـ"المخزن"، وبعض المكاسب الجزئية المحققة في الجزائر مهددة في كل لحظة من طرف النظام الحاكم والحركات الظلامية بمختلف أصنافها (المسلحة والمعارضة والمشاركة في الحكم). وقد ركزت الحقوق الثقافية على حق الأمازيغ والأفارقة في موريتانيا (لوحظ غياب الجمعيات الموريتانية المناهضة للعبودية والاسترقاق) في صون هويتهم وحقوقهم ودسترتها فضلا عن تكريسها في الواقع، وقد شهدت الورشة نقاشا عميقا خاصة بين الغلاة من الجهتين: الذين يقولون بالمغرب العربي (عوض الكبير) والذين يعتبرون الأمازيغ شعبا محتلا من "حقه" طرد "المحتلين العرب".

3 – الصحراء مرة أخرى

حازت قضية الصحراء أيضا جدلا كبيرا بين الصحراويين وأنصار حقهم في تقرير المصير من جهة والقائلين بأن الصحراء "جزء من الوطن المغربي" ومنهم أطراف من المجتمع المدني والسياسي المغربي (من بينها اليسار المخزني) من جهة أخرى. وقد نشط المناضلون الصحراويون وقدموا عديد الشهادات حول الانتهاكات الحاصل ضدهم خاصة في مدينة "العيون" التي يسيطر عليها الحاكم المغربي. كما اعتبر جزء كبير منهم أن الحل التفاوضي ممكن ويقلص من حظوظ العمل العسكري لو تحلى الجانبان وخاصة المغربي بالمرونة والواقعية.

4 – حقوق النساء أولا ودائما

انتظمت عديد الورشات حول القضايا النسائية. وقد نشطت بشكل خاص المناضلات التونسيات مع رفيقاتهن المغربيات للدفاع عن هذه الحقوق المنتهكة من طرف الأنظمة الرجعية والمهددة من طرف الحركات الظلامية التي تنكر تلك الحقوق وتقاومها بدعوى أنها "ليست من الدين". وقد ترأست المناضلة سعيدة قراش إحدى الورشات كما قدمت الممثلة والنقابية ريم الحمروني مداخلة حول "دور النساء في الحركة الفنية".

هذا وقامت "مجموعة من النساء التونسيات" بترويج نص حول أحداث الحوض المنجمي قدمن فيه تقييمهن لهذه الأحداث. كما ركزت النساء في تدخلاتهن على الأوضاع في قفصة وعلى نصيب النساء من القمع وآخره حرمان المناضلة غزالة محمدي من السفر ومن حضور المنتدى الاجتماعي المغاربي.

5 – ورشة الحركات النقابية تستقطب الكثير

افتتحت الورشة بثلاث مداخلات حول الحركة النقابية بكل من المغرب والجزائر وتونس، وإذا كانت المداخلتان حول المغرب والجزائر نقديتين في الأساس وجريئتين أيضا (خاصة المغرب) فإن مداخلة السيد مصطفى بن أحمد (تونس) وإن حاولت أن تكون نقدية (علاقة الاتحاد بالسلطة شهدت عديد التوترات – الاتحاد دفع فاتورة نضاله من أجل الاستقلالية...) فإنها بقيت أسيرة الرؤية الرسمية في اتحاد الشغل، لذلك اعتبر المتدخل أن الاتحاد الآن هو "منظمة مستقلة، ممثلة، ديمقراطية ومناضلة" وهو موقف بعيد عن الواقع.

وقد سانده بعض التونسيين (حسين الكريمي، فتحي الدبك) وعارضه آخرون مثل الهادي بن رمضان (رابطي ونقابي، جندوبة) الذي أكد أن علاقة الاتحاد بالسلطة اليوم هي علاقة تبعية فهو يزكي السلطة ويساند سياستها الاجتماعية فضلا عن دوره الأخير في أحداث الحوض المنجمي التي عارضها وانخرط في قمعها (تجميد...) وهو ما ذهب إليه أيضا علي الجلولي (الأستاذ المطرود لأسباب نقابية) الذي قوبلت كلمته في البداية بتشويش من أحمد بوزريبة (من وفد الاتحاد العام) الذي صاح عاليا "إن علي الجلولي يكذب وهو ينقد الجهات التي تتولى اليوم صرف جرايته..." وحين تمكن من مواصلة الكلمة فصل الجلولي الوضع في الحوض المنجمي مؤكدا أن قادة التحرك ومؤطريه هم من المسؤولين النقابيين الذين قاموا بدورهم الذي تقتضيه منهم مهماتهم وفي الوقت الذي تعرضوا فيه للقمع بالإيقاف والتعذيب وتلفيق القضايا والسجن، لم تحرك قيادة الاتحاد ساكنا بل إن الاتحاد الجهوي بقفصة ساهم في القمع والاضطهاد من خلال الدور المشبوه لنقابات المناجم في التلاعب بالحصة الاجتماعية للمناظرة أو بتجميد عدنان الحاجي لمدة 5 سنوات عشية إيداعه السجن. إن الاتحاد هو شريك في العدوان على النقابيين الأحرار القابعين الآن في السجون. وقد لاقت هذه الكلمة تصفيقا حارا من القاعة.

6 – وقفة تضامنية مع نضالات الشعوب

في اليوم الأخير نظم مجموعة من الشباب وقفة أمام مبنى كلية العلوم للتضامن مع نضالات الحوض المنجمي بتونس الأساتذة المضربين عن الطعام بالجزائر وأهالي "إيفني" وطلبة مراكش الموقوفين والمضربين عن الطعام ليومهم الخامس والأربعين، وقد شارك في هذه الوقفة جمع كبير من الحضور رفعوا عديد الشعارات منها "شغل حرية كرامة وطنية". وتداول على الكلمة شباب من مختلف الأقطار وتدخل باسم تونس علي الجلولي الذي توجه بتحية حارة إلى المسيرة التي انطلقت وقتها بالرديف والتي نظمتها زوجات المعتقلين وشقيقاتهم وأمهاتهم. كما حيّى الصامدين في سجون القصرين وسيدي بوزيد وقفصة، عدنان الحاجي وبشير العبيدي والطيب بن عثمان وعادل جيار وبوجمعة الشريطي ورفاقهم من أبناء الشعب المفقرين. وذكّر المتدخل بحيثيات هذا النضال منذ بدايته وصولا إلى الحملة القمعية الأخيرة معرجا على دور البيروقراطية النقابية وخاصة الاتحاد الجهوي بقفصة الذي تقوده مجموعة "أثرياء" لا هم لهم سوى مصالحهم لذلك جردوا عدنان الحاجي وأقفلوا أبواب الاتحاد المحلي بالرديف بالأسلاك الشائكة وهم الآن يساعدون البوليس والسلطة ضد المتظاهرين والمناضلين، وختم بتوجيه التحية إلى لأطر النقابية المناضلة كالاتحاد الجهوي بالقيروان وجندوبة وبن عروس وبعض القطاعات وكذلك المنظمات الصامدة كالرابطة والنساء الديمقراطيات واتحاد الطلبة داعيا الحضور إلى مزيد دعم مناضلي قفصة ووهران وإيفني ومراكش.

وضمن نفس الإطار قدم الجلولي شهادة عن قمع حركة الحوض المنجمي وذلك إثر عرض فيلم وثائقي عن نضالات إيفني.

7 – الاختتام وحضور مميز لتونس

على خلاف حفل الافتتاح، تمكن التونسيون بعد تنظيم اجتماع تنسيقي حضور وفود الهجرة (فرنسا، كندا) من الاتفاق على أن يتدخل الأستاذ رضا الرداوي، المحامي والحقوقي بقفصة. وقد شد المتدخل الحضور بوضوحه وحماسه، فقوطعت كلمته عديد المرات بشعارات "شغل حرية كرامة وطنية"، و"بن علي يا جبان شعب تونس لا يهان"

8 – ملاحظات تقييمية

تعتبر مشاركة المجتمع المدني التونسي إيجابية رغم النقائص التي تعود إلى ضعف التنسيق وبالتالي غياب التحضير المسبق، ففي ما عدا عريضتان حول الحوض المنجمي ونص النساء المذكور آنفا وكراس وصورة أعدتهما لجنة فرنسا لدعم نضالات الحوض المنجمي، فإن شيئا لم يروج عكس المغاربة والجزائريين الذين روجوا آلاف الوثائق والأقراص والصور والعرائض. وإن كانت الجمعيات المشاركة تتحمل مسؤولية في عدم تحضير ملفات حول عديد القضايا (الطرد من العمل، الهجرة السرية، العنف ضد النساء، الحريات، العمل النقابي...) فإن الدور السلبي لقيادة اتحاد الشغل أثر بشكل ملموس في التحضيرات، فهذه القيادة فككت المنتدى الاجتماعي التونسي وجمدت المنتدى الشبابي والديناميك الذي خلقه. كما أن مشاركة مبعوثيها إلى المنتدى المغاربي كانت باهتة ومحل تعليقات شتى. فطاولة الاتحاد في بهو الكلية لم تعرض فيها سوى بعض الصور التي لا علاقة لها بتونس عدا صورتي حشاد ومحمد علي الحامي. كما "وزع" هؤلاء المبعوثون التهديدات في السر والعلن ضد كل من يجرؤ على نقد قيادة الاتحاد. وقد طبق هذا التهديد ضد علي الجلولي الذي ّتطاول" على "عرش البيروقراطية" إذ إثر عودته مباشرة من المغرب جمدت المنحة التي كان يتقاضاها من الاتحاد بحكم كونه مطرودا من العمل لأسباب نقابية وهو ما يؤكد العقلية الرجعية والتسلطية التي تحكم سلوك جراد وجماعته الذين يعتقدون أنهم قادرون على شراء ضمائر الأحرار بالمال.



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني