الصفحة الأساسية > البديل العربي > العراق بين أوهام الاستقرار وسفك الدماء
العراق بين أوهام الاستقرار وسفك الدماء
26 آذار (مارس) 2010

بقلم عمار عمروسيّة

تتعدّد المؤشرات التي لا تقبل الدحض أو حتّى التشكيك في الفشل الذريع لكلّ مقولات الدعاية الأمريكية، الرجعية حول عراق جديد يقوم على الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والتوزيع العادل للثروات، إلخ. فالوقائع الصغيرة والكبيرة طوال سنوات الاحتلال الماضية تُظهر بشاعة نموذج الحكم الدمويّ الذي بشّرت به دعاية الامبريالية الأمريكية ضمن سياق مشروع "الشرق الكبير" الذي عملت إدارة "بوش" على تجسيده، ويواصل "أوباما" صيانته ورعايته بأساليب وتكتيكات جديدة، يصبّ جميعها في تعزيز الهيمنة الأمريكية على المنطقة والتحكّم الكلي في مصادر الطاقة (بترول- غاز...) ومسالك توزيعها، ومثلما هو معلوم فقد أفضت "الفوضى الخلاّقة" التي قادت حملة غزو العراق الشقيق في 2003 وتواصل العمل بها لصياغة أسس الدولة العراقية الجديدة إلى فوضى تدميرية فرّطت في السيادة الوطنية بالكامل للمحتلّ، ورهنت كلّ الشعب العراقي الشقيق لحكومات عميلة، موغلة في الطائفية ومتعطّشة للدم ولمراكمة الثروات الفاحشة وتهريبها في المصارف والبنوك الأجنبية، وصرف القليل منها إمّا لتأسيس كيانات سياسية هجينة مرتبطة بالغزاة وبعض القوى الإقليمية بالجهة، وإمّا لخلق ميليشيات وأذرع عسكرية تمارس جرائم القتل والتدمير على الهويّة.

ولعلّ انتخابات البرلمان العراقي التي تمّت مؤخرا في جميع مراحلها ليست سوى حلقة متقدّمة في الإستراتيجية الأمريكية لتهيئة شروط الانسحاب العسكري الذي أقرّه "أوباما" أواخر هذا العام. وهو انسحاب تحوم حوله شكوك كبيرة بالنظر إلى المعطيات السياسية والأمنية في ضوء النتائج المُنتظرة للانتخابات التي تدلّ كلّ العلامات على تحوّلها إلى برميل بارود بين الفرقاء السياسيين، وقد بدأت بعد شظايا الانفجار تلوح في الأفق. والمُرجّح أن يكون الإعلان النهائيّ عن نتائج تلك الانتخابات فاتحة فوضى عارمة بالعراق تُسهم في عودة الاقتتال الطائفي والمذهبي الذي ذهب ضحيّته أكثر من مليون عراقيّ وأكثر من 6 ملايين مُهجّر.

والحقيقة أنّ فشل الانتخابات الأخيرة في تحقيق أهدافها المرسومة من قبل البيت الأبيض "البنتاغون"، أمر مُتوقّع ويجد تفسيره في مجمل العملية السياسية التي تُدار كلّ تفاصيلها من قبل الغزاة بواسطة قوى سياسية محلّية موغلة في العمالة، ارتبط وجودها وبقائها بالاحتلال والمحتلين. فالقوى الأساسية المتصارعة في الانتخابات الحالية هي الأدوات المحلّية للاستعمار الأمريكي. فالمالكي، رئيس الحكومة الحالية والوجه الأوّل في إتلاف "دولة القانون"، ليس إلاّ واحدا من الكثيرين الذين دخلوا بغداد على ظهور دبّابات الغزاة. كما أنّ حزب "الدعوة" الذي ينتمي إليه ليس سوى فصيلا دمويّا طائفيّا "شيعيّا" حوّلته السلطة ومغانمها إلى أقلّ من طائفته (أنظر خلافاته مع باقي القوى الشيعيّة) حتّى وإن أبقى على وفائه النسبيّ للأجندة الإيرانية في العراق.

أمّا "علاّوي" "قائد ائتلاف العراقية" فهو بدوره منتوجا أمريكيا، سطع نجمه في عهد "بريمر" من خلال ترأّسه أوّل حكومة عميلة أخذت على عاتقها أوّلا وقبل كلّ شيء كسر ظهر المقاومة العراقية والإجهاز عليها أينما كانت، سواء في الفلّوجة وإقليم الأنبار المحسوبة على "السنّة" أو في النجف الشيعية.

وفي كلمة فإنّ ائتلاف المالكي وجبهة علاّوي ليسا سوى وجهين لعملة واحدة في ما يتّصل بالقضايا الجوهرية في العراق (السيادة الوطنية، الديمقراطية، التوزيع العادل للثروة...) وما صراعهما اليوم إلاّ حلقة متقدّمة في تصفية حسابات سياسية قديمة ونزاع محموم لتحسين نصيب هذه الجهة أو تلك في مواقع القرار الحكومي التي تسهّل لأصحابها نهب المال العامّ واقتسامه مع الحكّام الفعليين للعراق ونعني بهم الأمريكان بطبيعة الحال.

ومن نافلة القول أنّ هذا الصراع يتمّ في ظل تقاطع مصالح دولية وإقليمية وبتحريض من دوائر نفوذ أجنبية تتصدرها الامبريالية الأمريكية وتتلوها إيران وبعدهما تأتي الأنظمة العربية وخصوصا محور البترودولار (السعودية، الكويت) مضافا إليه مصر.

ولعلّ الحيثيّات التي سبقت هذه الانتخابات والخطاب الذي هيمن على الحملة الانتخابية لمجمل القوائم المتنافسة والجدل الدائر قبل الإعلان عن النتائج، لعلّ هذا وغيره يكشف بوضوح عن المواقع الصحيحة لأبرز قوّتين متنافستين. فهما مثلما أسلف يتفقان في الولاء للمحتلّ ويختلفان في مسائل ثانوية مرتبطة أوّلا بلبوس الدولة الديكتاتورية المزمع توطيد أركانها، وثانيا باصطفاف الحكم العراقي في المحاور التي تشقّ المنطقة، وثالثا في التكتيكات للقضاء على المقاومة والحيلولة دون اتساع رقعتها وتصلّب عودها.

فالواضح حتّى اليوم أنّ قائمة "دولة القانون" متمسّكة من جهة بالواجهة الدينية الطائفية بطبيعة الحال للحكم، ومن جانب آخر بعلاقة متميّزة مع إيران وبتعاطي شديد القسوة والانغلاق مع المقاومة ومسألة البعث. أمّا ائتلاف العراقية وعلى الأخصّ إيّاد علاّوي فهو يعمل على تقديم صورته وصورة حكمه بجلباب ليبرالي وحتّى علماني، قابل لتوطيد علاقاته مع النظام العربي الرسمي مع ما يعنيه ذلك من أخذ مسافات عن إيران دون القطع معها مثلما يقول. أمّا في القضايا الداخلية فهو مع مرونة أكبر لاستيعاب المقاومة ضمن العملية السياسية الفاسدة.

وتتقوّى حملة التشكيك في نتائج الانتخابات المنتظرة التي بدأها علاّوي مع أوّل إعلان للنتائج وواصلها المالكي الذي بعد أن أبدى يوم 16 مارس الجاري ثقته في مُفوّضية الانتخابات وإشرافها، سارع بمجرّد تراجع قائمته إلى التهديد المُبطّن بعودة العنف الدامي، مُشكّكا في المفوّضيّة وأدائها، بالرغم من أنّها طبيعة حكومته التي يرأسها.

ومع اقتراب موعد الإعلان النهائي عن تلك النتائج تجاوز هذا الأخير حدود التصريحات إلى تسيير المظاهرات الشعبية من أجل إعادة الفرز اليدوي الذي ترفضه بصفة قطعيّة مُفوّضية الانتخابات التي شكّلها المالكي ودافع عنها حتّى وقت قريب. وما من شكّ في أنّ الاحتلال الأمريكي يُسيّر كل هذه التجاذبات ويديرها من بعيد وقريب وفق مصالحه بالعراق والمنطقة وحتّى خروجها عن السيطرة في بعض الأحيان فهو متّصل بالأخطاء الإستراتيجية للغزو الأمريكي الذي خلق فراغا سياسيا وأمنيّا قوّى النفوذ الإيراني وأدواته المحليّة.

وأيّا كانت نتائج تلك الانتخابات فإنّ الخاسر الأكبر هو الشعب العراقي الذي دفع ولا زال ثمنا باهظا لاحتلال بلاده، ومن المرجّح أن تزداد معاناته بعودة الاقتتال الطائفي والعنف المذهبي بمجرّد الإعلان عن نتائج الانتخابات بعد أكثر من 18 يوما من الانتظار وهو أمر لا يعرفه سوى العراق المحتلّ الذي تنقلب فيه آلية التداول السلمي على السلطة (الانتخابات) إلى مطبّ للاقتتال الواسع، ممّا يقيم الدليل مرّة أخرى على صواب القوى السياسية وحركات المقاومة المسلّحة في مقاطعة كلّ العملية السياسية المحكومة بحراب الغزاة وقوانينهم ودستورهم. وما على هذه القوى إلاّ حشد طاقاتها وصهرها في جبهة وطنية عريضة لدحر الاحتلال وعملائه، وإقامة نظام وطني ديمقراطي يضمن الوحدة الترابية للعراق، ويساوي بين جميع مواطنيه، رغم اختلافات مذاهبهم العرقية والدينية.

فالرهان الوحيد لتخليص العراق وشعبه من ويلاته الحالية وما ينتظره في الأيّام والأسابيع القادمة لا يمكن أن يكون بالمرّة من العاملين في ركاب الاحتلال وتشريعه أيّا كانت الشعارات واليافطات التي يرفعونها، إذ لا فرق بين حكومة استبدادية عميلة واجهتها التديّن والدين، وأخرى ديكتاتورية خائنة قشرتها عروبية زائفة وعلمانية كاذبة.

قفصة في 23 مارس 2010


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني