الصفحة الأساسية > البديل العربي > الكيلاني الذي نسي درسه
وجهة نظر:
الكيلاني الذي نسي درسه
17 شباط (فبراير) 2009

نشرت "الطريق الجديد" مؤخرا في عددها 112 وفي ملفها حول العدوان على غزة مجموعة من الآراء والمواقف المنددة بالعدوان والمحللة لدوافعه وأبعاده وثوابته الصهيونية التوسعية، ولم يشذ عن هذا الاتجاه في النظر سوى مقال: "الشعب الفلسطيني في كمّاشة التناقضات" لمحمد الكيلاني "المسؤول الأول في الحزب الاشتراكي اليساري". شذ الكيلاني عن الوجهة السياسية التي عبرت عنها الرؤى المذكورة والتي لا نراها أخطأت فهم طبيعة الصراع ومعسكراته، ومغزى حرب الإبادة الأخيرة، والأمر الأساسي من كل ما جرى ويجري، وطرح الكيلاني طروحا نراها مقطوعة عن الواقع وعن المبادئ حتى في حدودها الدنيا، تلك التي دأب على تلقينها قبل أن يتحوّل إلى "اشتراكي يساري" وتوخّى خطابا يلتقي وخطاب المتواطئين من القادة العرب وخطاب الصهاينة وصقور "البيت الأبيض" والطاقم الاستعماري عموما. لقد تكلم كلاما تنكّر فيه لواقع الأشياء ولِمَ دافع عنه الأحرار شرقا وغربا، فضلا عن القوى التقدمية والثورية. وفي ما يلي شواهد هذا الخطاب الواردة بمقاله حتى لا يزعم زاعم أننا نتجنّى على الرجل:

بعد استعراض أهداف إسرائيل القريبة والبعيدة وامتداح "السلطة الفلسطينية" على النهج الذي انتهجته امتداحا استثنى منه "الفصائل الإسلامية وفي مقدمتها حماس وبعض الفصائل العسكرية الأخرى التي اختارت العمل الإرهابي الذي يضرب المدنيين العزل على غرار ما تفعل إسرائيل بأحجام أكبر..." وحمّل "هذا السلوك" مسؤولية ما جرى للشعب الفلسطيني خلال العقدين الأخيرين. وأشار بعد ذلك إلى حصول حماس على الأغلبية في الانتخابات البرلمانية والبلدية وتحدّث عن "انقلابها على الشرعية في غزة تمهيدا لإقامة إمارة إسلامية فيها مستقلة عن الضفة الغربية والسلطة الفلسطينية على غرار ما حاول القيام به حزب الله في جنوب لبنان" وتحدث عن حسابات القوى العظمى والإقليمية مشددا النكير على حماس وحزب الله في تلقيهما الدعم من إيران وسوريا منتهيا إلى أن الشعب الفلسطيني وجد نفسه ضحية التناقضات و"الخاسر الوحيد"، وإلى أن "الرّابح الوحيد من هذه الحرب هو إسرائيل التي حققت كل أهدافها تقريبا" و"وهيأت الظروف لقيام إمارة إسلامية في غزة..." وأن حماس "لم تكن سوى أداة لإشعال هذه الحرب المدمّرة" وأن الأمر انتهى إلى "القبول بحلول مذلة انحدرت بالقضية الفلسطينية إلى مستوى متدنّ لم تبلغه من قبل" وأن حماس "تتحمّل مسؤولية كبرى في تعريض الشعب الفلسطيني إلى محرقة بسياستها المغامرة" وأن الحلّ يتمثل في "اتباع تمشّ عقلاني يراعي موازين القوى...".

هكذا تكلّم الكيلاني فلم ير في مشهد مواجهة الاحتلال الصهيوني وجرائمه مقاومة مشروعة بل رأى فصائل تمارس العمل الإرهابي على غرار ما يسمّيها المحتل والمعسكر الاستعماري بقيادة الامبريالية الأمريكية. إذن لا حديث، بل لا إشارة، إلى المقاومة التي باتت الأمل الوحيد لرفع القهر والغبن والتي حققت أكثر من نصر في لبنان وفلسطين والعراق وكل مكان عربيّ مغتصب، فباتت خطا أحمر وفيصلا بين المواقف والصفوف والمعسكرات.

نعم اختزلها محمد الكيلاني في "الفصائل الإسلامية وبعض الفصائل العسكرية الأخرى" واختزل نشاطها في "العمل الإرهابي" مقدما خدمة مجانية لأعدائها، وحصره في "ضرب المدنيين العزل" مساويا بين الضحية (الفلسطينيين) والجلاد (المحتل الإسرائيلي) وشاطبا بضربة قلم تاريخا كاملا من التضحية والتصدي والصمود الذي لولاه لانطفأت جذوة حركة التحرر العربية.

لا وجود لشيء اسمه المقاومة اسمه في ذهن "المسؤول الأول عن الحزب الاشتراكي اليساري" فقد بات ذهنه مسكونا بفعل الدعاية الصهيونية والامبريالية التي عجزت عن أن تفعل في أذهان عامة الناس وتفتّ في عزيمة الشعوب وتفقدها القدرة على معرفة اتجاه البوصلة !

ثم تخيّلوا بعد ذلك مصبّ هذا التفكير، إنه تحميل المقاومة مسؤولية ما يسميه بالمآسي التي لحقت الشعب الفلسطيني.

هكذا يعمد فاقد البوصلة إلى قلب الحقيقة والبحث عنها حيث لا توجد، فقد باتت جرائم المحتل الإسرائيلي الذي يغتصب الأرض ويهجّر ويُهوّد ويأتي على الأخضر واليابس من اقتراف الضحايا، ضحاياها. وهل تتمنى "إسرائيل" أكثر من هذا على لسان عربيّ؟

ثم يأتي الكيلاني إلى موضوع الانتخابات البرلمانية والبلدية التي فازت فيها حماس فيمرّ عليها "مرّ الكرام" كما لو كانت حدثا تافها، مقابل تضخيمه أحداثا ومعطيات أخرى ثانوية وغير ذات أهمية. وإن كنا لا نجهل أن حماس فصيل إخوانيّ فنحن لا ننكر أنه من فصائل المقاومة الوطنية وأنه فاز عبر صناديق الاقتراع التي أوصلته إلى الحكم بما يمنحه فرصة الحكم ولا يجيز لأحد الانقلاب على هذه النتيجة، لكن الانقلاب تمّ وتمّت إقالة حكومة حماس (من قبل محمود عباس رئيس السلطة) واعتقال وسجن وملاحقة وزراء حكومة حماس وأعضاء كتلتها البرلمانية (من قبل إسرائيل) وفرض الحصار على غزة وشنّ الحرب عليها لإنهاء وجود حكومة حماس التي أدرجوها ضمن "الفصائل الإرهابية".

رأى الكيلاني "انقلاب حماس على الشرعية" ولم ير انقلاب عباس على حماس وكأن الشرعية لا تتعدى حدود خط الاستسلام لـ"قدر" الاحتلال وإسقاط الكفاح المسلح من برنامج مقاومته. إن عين الكيلاني ليست على المحتل الإسرائيلي بقدر ما هي على ضحاياه الذين لم ير من أهدافهم وهم يحاربونه سوى "إقامة إمارة إسلامية في غزة مستقلة عن الضفة الغربية والسلطة الفلسطينية". وهذه رؤية تبسيطية متهافتة لا يؤيّدها واقع الأشياء يَهُشُّ بها المتكلم على الخائفين خوفا مشروعا من المشاريع الأصولية، ثم هي رؤية حتى ولو صحّ منها ما يتعلّق منها بالمرجعية الدينية لحماس وبأهدافها البعيدة فهي لا تبرّر معاداتها ومعاداة الفصائل الإسلامية التي تشارك في مقاومة الاحتلال وتنهض بقليل أو كثير من أعباء تحرير الوطن المحتلّ، ومهما كانت أخطاؤها والتناقضات الأخرى معها.

كما أن عين الكيلاني تمتدّ إلى "حزب الله" الذي لم يجد فيه هو أيضا سوى مشروع "إمارة إسلامية" جنوب لبنان ولم ينله الشرف الذي نال أحرار العرب وأحرار العالم حين قاد هذا الحزب عام 2006 المعركة ضد جيش العدوان الصهيوني وصنع الحدث الذي لم تصنعه أي جهة عربية منذ احتلال فلسطين فانتصر وقهر "الجيش الذي لا يُقهر" وعبّأ معنويات المناضلين في أكثر من برّ. ثم غاب عن الرجل - وهو العارف سابقا - أن منطق تدقيق مرمى السهم ضد العدوّ يقتضي العمل على عزله وتوسيع دائرة القوى المضادة له، وفي هذا الإطار تدخل الحاجة إلى حشد كافة القوى فلسطينيا وعربيا وعالميا، وإلى سوريا وإيران، والسودان وفنزويلا وبوليفيا وقطر والفاتيكان، وكل نصرة من أي موقع ومن أيّ مكان، واستغلال كافة التناقضات وتعميقها مع العدوّ مهما كان حجمها. وهو ما يحقق لحركة التحرر احتياطيا هائلا، خصوصا إذا كانت الموازين العسكرية والمادية في صالحه. ويغالي الكيلاني، منقادا بنظرة حولاء وجامدة إلى واقع الأشياء وإلى موازين القوى ونتائج الحرب على غزة فيبرز إسرائيل في صورة "الرابح الوحيد" ويزعم أنها "حققت كل أهدافها تقريبا" ويقدم حماس، ومن منظور نظرة حولاء دائما، باعتبارها "لم تكن سوى أداة لإشعال هذه الحرب" فسلام عليك يا إسرائيل المسالمة يوم ولدت ويوم استوليت على فلسطين ويوم شردت أهلها ورششتهم بالفسفور الأبيض! إن تناقضنا معكِ ثانوي أمام تناقضنا مع حماس وفصائل المقاومة وإيران وسوريا وتركيا وكافة الشعوب التي هبّت ضدك!

وكان لا بد لمحمد الكيلاني أن يمعن في المغالاة وقلب الحقيقة وفي النظرة الأحادية والتنكر للمبادئ حتى يصل إلى القول بأن "المحرقة" التي حمّل حماس "مسؤولية كبرى فيها" آلت إلى "القبول بحلول مذلة" وغير مسبوقة. واضح إذن أن صاحب المقال لا يبدو – ظاهريا ماسكا بزمام التناقض الرئيسي- من بين التناقضات التي تحدّث عنها، وهو تناقض يقابل حركة التحرر الوطني بالصهيونية والامبريالية، وفي ضوئه يقع تحديد طبيعة المعركة وصفوفها وأهدافها، لكنّ الأمر لا يعدو السطح، فبقليل من التعمّق وربط الكلام بعضه ببعض يتّضح أن المتكلم ماسك بذلك الزمام، إنـّما جعله تناقضا بين السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عبّاس، وإسرائيل وحماتها الغربيين وحلفاءها العرب من ناحية، وحماس (وحزب الله) وسوريا وإيران وكافة قوى الممانعة والصمود من ناحية أخرى.

وكيف يجهل المتكلم -لولا حجاب الانتهازية النظرية والسياسية- أن مقاومة الاحتلال والتصدي للعدوان وخاصة إذا كان بضخامة العدوان الصهيوني يتطلبان حتما سلوك سياسة الجبهة التي تضم كافة القوى والفصائل والأحزاب والشخصيات المناهضة بقطع النظر عن مشاربها الإيديولوجية ومرجعياتها الدينية وبرامجها المستقبلية لأن الغاية هي ردّ العدوان وطرد المحتل أولا. وعلى أساس برنامج المقاومة والتصدي تبنى الجبهة وليس العكس.

ولسائل أن يسأل عن المشهد لو سقطت المقاومة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية وهما تواجهان العدوان الصهيوني وحرب الإبادة، ما الذي كان سيحدث؟ وهل كان سيتنفس الصعداء وهو يتلقى "نصر" إسرائيل وهزيمة المقاومة؟ هل كان سيثلج صدره القضاء على حماس وحزب الله؟ وماذا كان موقفه وهو يرى شعوب المعمورة تنزل إلى الشوارع كي تندد بالعدوان وتتضامن مع ضحاياه بكافة الأشكال؟

وما رأيه في التعرية التي يعرفها الكيان الصهيوني وقادته والخطوة العظيمة التي قطعت في الكشف عن طبيعته وإسقاط ما تبقى من أقنعة البهتان والضحية التي يتوارى وراءها؟

***

إن كون حماس والفصائل ذات المرجعيات الأصولية شريكة في مقاومة الاحتلال وفاتورة التضحية، سواء من موقع القيادة أو من موقع آخر، لا يعني طمس الخلافات معها على سياساتها وتصوراتها وبرامجها، ولا يعني التسليم لها بكل شيء، سواء كان ذلك يخص سلوكا انعزاليا ونزعة تفردية أو يخص نفسا مغامريا وتصرفا غير محسوب وروحا فصائلية (نرى الجميع غارقين فيها على اختلاف انتماءاتهم!) لكنّ نقد حماس وحزب الله وفصائل المقاومة لا يتم من موقع محمد الكيلاني التصفوي المعادي، بل يتمّ من داخل المشروع التحرري ويحتاج إلى نهوض الفصائل الديمقراطية والعلمانية الشريكة فيه بأعبائه، ومما لا شك أيضا أن التشرذم التنظيمي والسّياسي الذي ينخر فصائل المقاومة جراء سيطرة الانعزالية الفصائلية والأنانيات الحزبية والعقائدية، يشكل عقبة في وجه حركة التحرر، لكن ذلك يتم بيانه على لسان وبقلم ويد الماسكين بزمام الرؤية البديلة الصائبة، وزمام بوصلاتهم.

وشـّان الهلالي


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني