الصفحة الأساسية > البديل العربي > تفجيرات بغداد تعمّق أزمة الاحتلال وتزيد من عزلة عملائه
تفجيرات بغداد تعمّق أزمة الاحتلال وتزيد من عزلة عملائه
11 كانون الأول (ديسمبر) 2009

اهتزت العاصمة بغداد يوم الثلاثاء 8 ديسمبر على وقـْع 5 تفجيرات ضخمة ذهب ضحيتها أكثر من 120 قتيل و400 جريح، استعملت فيها سيارات مفخخة واستهدفت مراكز حساسة للدولة وهي وزارة الداخلية ووزارة العدل ووزارة المالية. وهذه الوزارات تخضع لحراسة أمنية مشددة تشرف عليها أجهزة الأمن العراقية المدعومة من الاحتلال. وهذا ما جعل القوى العراقية المنخرطة في العملية السياسية التي يرعاها ويموّلها الاحتلال تتبادل الاتهامات بشأن الجهة التي تقف وراء هذه التفجيرات. وطالب بعض النواب العراقيين بالتحقيق مع كبار المسؤولين الأمنيين وحملوهم مسؤولية ما وقع ويقع من تفجيرات، وتساءلوا كيف يمكن لخمس سيارات مفخخة اختراق الحواجز الأمنية ومراوغة أجهزة المراقبة والتنصت المتطورة التي تتوفر عليها المخابرات الأمريكية؟ وقالوا بأن "البعثيين والقاعدة" لا يمكنهم القيام بمثل هذه الأعمال إذا لم تكن الأجهزة الأمنية مخترقة. وذهب بعض المراقبين إلى اعتبار هذه التفجيرات تصفية حسابات بين القوى السياسية العميلة للاحتلال، خاصة وأنها جاءت يوما واحدا بعد المصادقة على قانون الانتخابات التشريعية التي ستجري يوم 16 مارس القادم، هذا القانون الذي أثار جدلا واسعا وخلافا حادّا داخل "قبّة البرلمان".

ومهما كانت الجهة التي تقف وراء هذه التفجيرات فإن الخاسر منها بالدرجة الأولى هو الاحتلال وعملاؤه خاصة وأنها استهدفت رموز السيادة في الدولة العراقية التي رعاها الاحتلال وصرف من أجلها المليارات كي تكون قادرة على قمع المقاومة وإخضاع الشعب العراقي لمشيئة الاحتلال وفرض واقع أمني يمكـّن من خلق ظروف ملائمة لمزيد نهب ثروات العراق، وخاصة النفط، وجعله قاعدة عسكرية لمواجهة خصوم الولايات المتحدة في المنطقة وخاصة إيران وسوريا ومحاصرة المقاومة في كل من لبنان وفلسطين وأفغانستان. فجاءت هذه التفجيرات لتنسف أحلام الاحتلال وعملائه وتعيدهم إلى دائرة المستنقع الذي كلما توهموا أنهم خرجوا منه إلا واهتزت الأرض من تحت أقدامهم.

ويبقى المواطن العراقي هو الخاسر الأكبر مما آل إليه حال العراق بعد 7 سنوات من الاحتلال. فالعراق اليوم يتنافس مع الصومال والسودان على المراتب الأولى ضمن الدول الأكثر فسادا في العالم، ومعدلات البطالة تصل فيه إلى 50%. ومعدل التنمية فيه هو الأدنى في المنطقة العربية. وتحوّلَ من بلد مصنع قبل الاحتلال إلى بلد يستورد حتى أبسط المعدات الصناعية. وتدهورت ظروف الحياة والخدمات الاجتماعية إلى الحضيض وأصبح العراق مضربا للأمثال في تدهور المقدرة الشرائية وتراجع التعليم وارتفاع معدلات الوفيات في صفوف الأطفال وانتشار الجريمة والفساد... إضافة إلى الإنخرام الأمني واختراق الأجهزة الأمنية من طرف الميليشيات والطوائف التي تتحكم فيها القوى الخارجية عبر مخابراتها في العراق (إيران، الموساد...) والتي تحصد حياة العشرات من العراقيين يوميا، إلى جانب ارتفاع عدد المحكومين بالإعدام والذين فاق عددهم الألف حسب إحصائيات المنظمات الحقوقية العالمية وأغلبهم من عناصر المقاومة المسلحة ومن رموز النظام السابق، ومن المنتظر أن ينفذ فيهم الحكم قريبا.

لقد دمّر الاحتلال العراق وحوّله إلى بلد منكوب. ورغم ذلك فإن هناك تعتيما إعلاميا رهيبا عن الواقع الحقيقي في العراق، ولا نسمع في وسائل الإعلام سوى ضجيجا حول الخلافات التي تشق المنخرطين في "العملية السياسية" والذين ليسوا في حقيقة الأمر سوى عملاء للاحتلال وخاضعين لأمراء ومجرمي الحرب من أمثال طارق الهاشمي ونوري المالكي وعلاوي وغيرهم. وانحسرت مشكلة العراق، حسب وسائل الإعلام هذه، في خلاف حول قانون للانتخابات، أو تنقيح للدستور أو تضارب في الآراء حول المحاصصة الطائفية...

ومما زاد من آلام الشعب العراقي أنه أصبح وحيدا في مواجهة الاحتلال خاصة وأن المقاومة العراقية عرفت تراجعا كبيرا بعد التخريب الذي عرفته على يد الحركات الإسلامية الرجعية التي أعطت للمقاومة طابعا طائفيا وعزلتها عن محيطها الشعبي وسهلت بالتالي على الاحتلال وعملائه محاصرتها والحد من عملياتها ومن اتساع مجال فعلها.

لقد جاءت التفجيرات الأخيرة لتؤكد للاحتلال وعملائه أن العراق يبقى دائما عصيًّا على التركيع. وأن المحاولات التي تقوم بها واشنطن مآلها الفشل، وأن العملاء الذين نصبهم الاحتلال سينتهون إلى مزبلة التاريخ مهما "تفانى" الإعلام الرجعي في تقديمهم على أساس أنهم يخوضون "تجربة ديمقراطية فريدة من نوعها في المنطقة العربية". فالديمقراطية لا تعني الضجيج داخل البرلمان أو كثرة الصحف والفضائيات أو إجراء الانتخابات الشكلية، بل تعني بالدرجة الأولى كنس الاحتلال وتحقيق السيادة الوطنية. فلا ديمقراطية بدون سيادة وطنية، ولا شرعية لحكومة نصبها الاحتلال، ولا مصداقية لكل المؤسسات التي تمّ تركيزها ولكل الإجراءات التي تم اتخاذها ولكل القوانين التي تم سنها زمن الاحتلال. إن الجهة الوحيدة الشرعية هي المقاومة التي تضع هدفا واحدا وهو كنس الاحتلال وتوحيد الشعب العراقي من أجل تحقيق هذا الهدف.



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني