الصفحة الأساسية > البديل العربي > حتى إسماعيل فعلها... يا عرب...
حتى إسماعيل فعلها... يا عرب...
27 نيسان (أبريل) 2010

يقطن إسماعيل كغيره من "القادة" العرب القصر الرئاسي، في القرن الإفريقي المقابل لشبه الجزيرة العربية.

اسمه كاملا، إسماعيل عمر جيله، وصفته رئيس الجمهورية الجيبوتية منذ سنة 1999 على إثر انتخابات نظمها عمه حسن جوليد الملقب بـ"الحاج"، الذي بدوره حكم هذا البلد لمدة 22 سنة، وعند بلوغه سن الثمانين عاما خانته صحته، فلم يعد قادرا على الحكم، فتخلى "ديمقراطيا" بعدم الترشح من سرير المرض للمرة الثالثة.

أما السيد إسماعيل عمر جيله، وباعتباره من أسرة ثرية وعمل منذ صغره في البوليس الفرنسي، كما شغل منصب المسؤول الأول عن جهاز الأمن في الدولة ومدير مكتب عمه أي الرئيس، فقد تم إعداده للوراثة الأسرية والقبلية مبكرا.

وبطبيعة الحال جرت انتخابات سمّيت "ديمقراطية" سنة 1999 وكان السيد إسماعيل المرشح الوحيد، ففاز بالرئاسة بكل جدارة وبكل "ديمقراطية عربية" مكنته من إعادة الكرّة مرة ثانية في انتخابات ديمقراطية و"تعددية" لكنه كان المرشح الوحيد والفائز الأوحد، سنة 2005.

صوره منتشرة على جدران المدن كزعيم تاريخي ورائد نهضة جيبوتي، نهضة تجاوزت الصومال المجاورة وإرتريا المناهضة لحكمه. ورغم تواجد أكثر من خمسة فصائل مسلحة من جهة بلدان الجوار يقومون من حين لآخر بأعمال عسكرية ضده، فإنه بلا منازع جعل من نفسه صانع السلم والسلام، خاصة وأن القاعدة العسكرية الفرنسية العاملة منذ سنوات تعد من أكبر القواعد العسكرية الفرنسية في الخارج.

لكن ماذا سيفعل هذه المرة ما دام الدستور الجيبوتي لا يسمح له بالترشح للمرة الثالثة على التوالي؟

بطبيعة الحال إنه لا يتبنى الديمقراطية الغربية ذات المعايير "المزدوجة" بل يتبنى المدرسة العربية العريقة في المجال، كما أنه معادي لفرض الديمقراطية على الشعوب وخاصة على شعبه حتى لا يتنحى من عرشه.

فعلى طريقة عليّ عبد الله صالح اليمنى، انطلقت حملة منظمة تدعوه إلى الترشح لولاية ثالثة، وانهالت عليه مناشدات الجمعيات والمنظمات والشخصيات على طريقة زين العابدين التونسي، واجتمع البرلمان على طريقة البرلمان العربي الليبي الشقيق، فصوت 59 نائب من 63 على تنقيح 15 فصل من الدستور على طريقة الدساتير العربية عامة التي تستحق أن تكون مكتوبة بأقلام الرصاص حتى يسهل محوها بسهولة أكبر.

واستجابة لرغبة الشعب، مثلما أوردت الحكومة وأعضاء البرلمان، نص الفصل المتعلق برئاسة الجمهورية على أن يكون المترشح لهذا المنصب يبلغ من العمر 40 سنة وألا يكون أكبر من 75 كما خفض مدة الولاية من ستة سنوات، إلى خمسة، وحذف بذلك تحدي عدد الترشحات الممكنة للرئيس المباشر لمهامه لكي يواصل مسيرة البناء وفقا للمناشدات الجماهيرية.

تضمنت هذه التعديلات كذلك رغبة "عموم الشعب" في أن "الإسلام دين الدولة" وان"القيم الإسلامية" السمحة جزء لا يتجزأ من "هوية الشعب" الجيبوتي.

ولأن السيد إسماعيل الجيبوتي ديمقراطي مثل الحكام العرب، فقد اعتبر ترشحه في المستقبل لولاية ثالثة أنه "طلب من شعبنا وسيكون ذلك العام المقبل" ولأنه مؤمن لا يعلم علم الغيب قال "إذا كانت مشيئة الله" في إشارة إلى عدم اعتراضه على مشيئة الله في ولاية ثالثة.

لقد فعلها إسماعيل، فعل تلك الخدعة المفضوحة التي لا ابتكار فيها، نعم خدع شعبه حتى يتهمه بعد ذلك أنه هو من ناشده بالبقاء وألح عليه، مثلما فعلها معنا بن علي عندما ندّد بالرئاسة مدى الحياة وأكد على احترام الدستور، فإذا به جاعلا من الدستور عقد هاتف جوال يعدّل ويحوّر بطلب المستهلك وفقا لكيفيات استغلاله المتغيرة والمتبدلة، وإذا به متربع مدى الحياة على الحكم.

إذا كان قد فعلها بن علي وغيره من الرؤساء العرب، فلماذا لا يفعلها إسماعيل الجيبوتي؟

أما حزبه وريث حزب عمه الذي حكم 22 سنة، فيحوز على الأغلبية المطلقة في البرلمان ومتخصص تماما في إدارة الحملات الانتخابية للرئيس وترويض الجماهير ومساعدة وزارة الداخلية لا أكثر ولا أقل.

في جيبوتي المحكومة من قبل السيد إسماعيل اختارت القاعدة الأمريكية القارة لمكافحة الإرهاب في إفريقيا اسم "الحرية الدائمة"، لذلك لا يهم عدد سنوات الحكم وإنما المهم الحرية الدائمة المحققة من قبل القوات العسكرية والتشكيلات الأمنية.

ماذا يمكننا أن نقول للشعب الجيبوتي، ونحن لنا السبق الزمني في تنقيح الدستور والمرور إلى الحرية الدائمة منذ زمن.

كيف يمكننا نقد إسماعيل واسماعيلنا حاضر بيننا.

هذا إذن زمن الوطن العربي الاسماعيلي، وليس زمن الديمقراطية، مادامت الشعوب العربية "باركة"، أقدامها مشدودة إلى الوحل وألسنتها مقطوعة.

جيبوتي تعد حوالي 705 ألف ساكن وفقا لمصادر البنك الدولي لسنة 2003. لغتها الرسمية العربية والفرنسية وفقا للدستور ويقدر 96 بالمائة من سكانها مسلمون. مديونيتها حوالي 400 مليون دولار، كما أنها لا تزال تحافظ على التوزع القبلي حيث تمثل قبائل العيسى حوالي 60 بالمائة وقبائل العفر حوالي 40 بالمائة. أمّا مساحتها فلا تتعدى 23 ألف كلم مربع تسيطر على غالبيتها الصحراء.

ولكن ما الفرق بين مدتين رئاسيتين وثالثة منها أو أكثر؟

الأكيد، أن الفرق الأول يكمن في احترام الدستور، وهو عنصر أساسي في الفرق بين النظام الديمقراطي والحكم الدكتاتوري.

فإذا كان الدستور ينصص على تحديد مدة لتولى الرئاسة وعدد مضبوط من الترشحات المتتالية للرئيس، فلا يمكن لهذا الرئيس أن يحوّره أو يغيّره لصالحه، فذلك هو التلاعب بالدستور، وأما إذا كان الدستور لا ينصص على المدة وعدد الترشحات الممكنة، فلا يعتبر ذلك الدستور، دستورا ديمقراطيا أصلا، لأنه يصبح مشرعا للحكم مدى الحياة، وهو دستور مخالف لمعنى الجمهورية، أو النظام الحديث.

الفرق الثاني أن نظام الحكم إذا ارتكز على دستور يجيز الترشح لرئاسة الدولة لأكثر من فترتين يعنى بالضرورة انه نظام لا ديمقراطي لان صفة التداول على السلطة غير متوفر ما عدى في بعض التجارب التي حددت عدد الدورات الممكنة وبصورة متتالية بثلاثة.

الفرق الثالث، أن تجاوز دورتين في حكم الدولة، يعنى حكم مدى الحياة حتى لو أن ذلك الرئيس تنحى وظل على قيد الحياة، لأن معنى الحكم مدى الحياة، ليس مرتبط بموت الحاكم فقط، وإنما بالأفق، بالمستقبل الذي لا يرى فيه مواطنو ذلك البلد إمكانية لتنحّى هذا الشخص بطريقة قانونية، دستورية وسلمية، لنا في ذلك الحبيب بورقيبة الذي حكم مدى الحياة دون أن يكون ميتا أثناء تنحيته. فالذي يتجاوز الدستور أو يتلاعب به بدعوى مصلحة الوطن وتلبية للواجب وتقديم المصلحة العامة، لن يتخلى إلا إذا أجبر على ذلك أو بدأه العجز أو قضى عليه.

فما معنى أن يحكم شخص أكثر من دورتين، ألا يعنى ذلك أنه بدأ في الحكم مدى الحياة أي أنه قضى على أية إمكانية للتداول على الحكم وبالتالي قضى على مصير بلد.

من ناحية التجربة التاريخية، فالأنظمة التي حكم فيها لأكثر من مدتين أو ثلاثة على أقصى الحالات هي أنظمة دكتاتورية أو تحوّلت كذلك.

على أية، حال من الواضح، إما أن يدك شعب جيبوتي حكم إسماعيل أو أنه سوف يواصل في دكّهم دكّا باسم الله تارة، والإسلام أخرى، وباسم السلم والسلام تارة، وباسم "إن لم يعجبك فالسجن أو الاعتقال أو التعذيب أو التهميش، قائم ودائم تماما كالحرية الدائمة في المعسكر الأمريكي الجيبوتي".

لقد فعلها إسماعيل ... يا عرب... وسوف يفوز في الانتخابات القادمة للمرة الثالثة بعد تعديله للدستور، إن لم تصدوه.

إن لم نراجع النظام الرئاسي برمته وهو الذي لم يقدم أية نقطة نيرة، بل إن هذا النظام ظل على مرّ السنوات من تاريخنا أساسا ليس إلا حكما فرديا ودكتاتوريا مكرسا لتخلفنا ومتسببا فيه.

سوف يظلون منتصرين علينا دائما هؤلاء البؤساء إن لم نراجع طريقة تنظم مجتمعاتنا وإقامة نظام بديل من أجلنا ولأجلنا وبنا نحن.

لقد فعلها إسماعيل... يا عرب... مثل حكامنا وهم ينهبوننا ويخدعوننا ونحن نعرف ذلك جيدا.

لطفي الهمّامي
أفريل 2010


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني