الصفحة الأساسية > البديل العربي > دلالات التجربة الثقافية والتنظيمية في حياة أبو علي مصطفى
ورقة مقدمة إلى الندوة المعقودة بمناسبة الذكرى التاسعة لاستشهاد الر. أبو علي مصطفى:
دلالات التجربة الثقافية والتنظيمية في حياة أبو علي مصطفى
(قاعة جمعية بادر / غزة / 11- أكتوبر - 2010)
18 تشرين الأول (أكتوبر) 2010

غازي الصوراني

الحديث عن الشهيد (أبو علي) ؛ القائد الوطني والقومي والأممي ؛ الأمين العام للجبهة ؛ هو قبل كل شيء وبعده، حديثٌ عن حركة القوميين العرب و الجبهة الشعبية، كمؤسستين تربى على مبادئهما، وفق منهجية، استندت إلى الأخلاق الطهرانية والصدق والإخلاص والتضحية، وقد تشّرب (أبو علي) كل هذه المفاهيم، مطبقاً إياها في مسيرته النضالية، منذ بدايتها عام 1955، حيث استطاع تطوير وعيه الفكري والثقافي، ليس بتأثير البرنامج التثقيفي للحركة فحسب، بل أيضاً بقرار ذاتي منه على المثابرة وتحصيل الوعي ومراكمته بصورة متدّرجة وصاعدة إلى الأمام، مكنتّه -فيما بعد- من وعي التباينات الفكرّية والتنظيمية بين الحركة والجبهة.

ففي السياسةِ، كما في الحربِ، ثَمّةَ أشخاصٌ يصلونَ إلى أعلى المراتب القيادية من تحت السلاح. فهم لا يركبون إلى هذه المراتب وفق حسبهم، أو نسبهم، أو انتماءهم الطبقي، ولا حتى شهاداتهم العلمية، بل يحتلّون مراكزهم بمواقفهم المبدأية وثوريتهم ووعيهم العميق بمبادئِ وأفكارِ حزبهم، وبكفاحهم ومثابرتهم وبسالتهم النابعة من التزامهم الأخلاقي، على الصعيدين الذاتي والثوري، و(أبو علي) من هذا النوع من القادة، ففي كل سنوات حياتهِ كان حريصاً على التطابُقِ بين ممارساتهِ وأخلاقهِ، بمثل حرصهِ الالتزام في السياسةِ بالمنطلقات الفكريةِ لحزبه.

وبمزاياه كُلِّها – كما يقول فيصل حوراني- "شق مصطفى الزبري طريقه من القاعدة الشعبية الفقيرة التي أنبتته إلى قمة القيادة. فعل الرجل هذا بمثابرتهِ على النضال وتضحياتِه وحرصه على تطوير ثقافته، هو الذي حُرم من متابعة التعليم الأكاديمي، دون أن يفقد في مراحل تطوره كلها إحساسه بمزاج القاعدة وحاجاتها وقيمها، ودون أن يُفقِده وجوده في القمة تواضعه الأصيل". وإذا استحضر أيما فلسطيني أياُ كان لونه السياسي أسماء القادة، الذين حظوا بالاحترام من مؤيديهم ومخالفيهم على حد سواء، فلابد من أن يرد اسم (أبو علي مصطفى) في المقدمة.

في السنوات الأولى من التحاقه بالحركة، اهتم الشهيد (أبو علي) بقراءة العديد من الكتب السياسية والوطنية والدينية؛ من أهمها كتابات المفكر الإسلامي المستنير خالد محمد خالد، ثم بدأ في الانكباب على الكتب والمراجع السياسية والفكرية ذات الطابع القومي؛ خاصة كتب المفكر العربي القومي ساطع الحصري، وكتابات زميله في الحركة آنذاك، الحكم دروزة، إلى جانب بعض مقالات قسطنطين زريق، ومع تطور انتشار الأفكار القومية، وبتوجيه من قيادة الحركة وفق برنامجها الفكري في تلك المرحلة، بدأ الرفيق الشهيد القائد (أبو علي) المثابرة على قراءة الكتب السياسية، ذات المنحى القومي، فضلاً عن متابعته – كما هو حال كوادر الحركة- للمقالات والدراسات المنشورة في مجلة الحرية، وقد تركت هذه القراءات، خاصة (ساطع الحصري)، أثرها الواضح على رفيقنا (أبو علي) كما على العديد من قيادة الحركة وكوادرها في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، خاصة فيما يتعلق بالانضباط الصارم والروح الكفاحية ذات الطابع العسكري التي قادته إلى الالتحاق – دون تردد- في اول دورة عسكرية لأعضاء الحركة في أحد معسكرات الجيش المصري في إنشاص عام 1962. والتحق فور تخرجه بـ " الجهاز المناضل " ثم إلى منظمة "شباب الثأر" عام 1964، حيث كان الكفاح المسلح وشعار الثأر هما الحلم الذي راود الحركة وكان رفيقنا (أبو علي) من أكثر الرفاق اعجاباً وإيماناً بالعمل العسكري او البندقية طول تلك المرحلة حتى عقد المؤتمر الثاني للجبهة عام 1969.

ومع تطور التجربة الناصرية صوب المبادئ الاشتراكية، تأثرت حركة القوميين العرب بالمفاهيم والشعارات، ذات المنطلقات الاجتماعية الإصلاحية، كما عبر عنها الراحل جمال عبد الناصر، لكنّ هذه المفاهيم، تطوّرت باتجاه الاشتراكية العلمية والماركسية لدى بعض أعضاء القيادة القومية للحركة وبعض قيادات الأقاليم، خلال الفترة بين عامي (1964 – 1967)، حيث جرى تداول هذه الأفكار داخلياً وعلى صفحات مجلة الحرية، ولكنّ على الرغم من هذه الإرهاصات، لم تتوصل قيادة الحركة إلى ما يمكن تسميته بالحسّم المعرفي باتجاه الماركسية ومنهجها المادي الجدلي، إلاّ بعد هزيمة (1967)، حيث كانت تلك الهزيمة بمثابة التغير السياسي والتنظيمي والفكري الأكبر أو النوعي في حركة القوميين العرب وبعض قادتها وكوادرها، وقد تركت كل هذه المتغيرات تأثيرها المباشر على الشهيد أبو علي مصطفى، طوال مسيرته النضالية فيها، خاصة في عامي (66-67)، ثم مشاركته في تأسيس الجبهة الشعبية (ديسمبر 1967)، حيث تميز بالتزامه وانضباطه الشديدين بمبادئها وفكرها وآلياتها وأسسها التنظيمية.

وإذا كان الإنسان هو مجموع صفاته، فيمكن القول عن الشهيد القائد أبو علي مصطفى أنه تحلىّ بالصفات، التي يمكن من خلالها الحكم على مصداقية انتماء والتزام أي عضو في الجبهة الشعبية أو في أي حزب ثوري، وهي صفات أخلاقية عالية، تتجلى في ممارسة قيم الصدق، البساطة والتواضع والتقشف والابتعاد عن الاستعراض، كما تميز أيضاً بالجرأة؛ المواجهة؛ الشجاعة المبدئية؛ والدفاع عن القناعات والمواقف، مستلهماً في كل ذلك سمات رفيقه القائد جورج حبش، بمثل استلهامه للسمات التي تجسد السلوك الثوري والقيم الأخلاقية للكادر الجبهاوي، التي ركزت –وفق المنهج التربوي للجبهة- على تواضع العضو واستقامته وتفانيه ومثابرته ووعيه وانضباطه الحزبي ورفضه لأي شكل من أشكال الانحراف التنظيمي أو الفكري أو السياسي واحترامه لرفاقه، منطلقاً في كل ذلك من قناعته بمبادئ الجبهة السياسية والفكرية، وموقفه من العمل الوطني والاجتماعي.

لقد اتخذت القيم الأخلاقية في الحركة، طابعاً ثورياً مستقبلياً باسم قيم الحرية والوحدة والاشتراكية، فلا غرابةَ أن تطبق هذه الرؤية الأخلاقية الثورية في الجبهة، إلى جانب الالتزام الواعي والإيمان العميق بأهدافها وأخلاقياتها، التي تجسّد الأهداف الوطنية من جهة والتي يتوجب أن تجسد الأهداف الشخصية لكل عضو فيها من جهةٍ ثانية.

وفي هذا السياق، كان شهيدنا (أبو علي) مدركاً مع العديد من رفاقه، وفي مقدمتهم القائد المؤسس الراحل جورج حبش، بأنه لا يمكن الفصل بين الخاص أو القائد الفرد وبين العام أو الحزب الثوري الممأسس، كشرط رئيس –ضمن شروط أخرى- لضمان وحدة الحزب وقوته وفق قواعد الديمقراطية المركزية، وكشرطٍ أيضاً لتعميق الوعي بالمبادئ والأفكار التوحيدية للحزب في المراتب التنظيمية كافة، كمدخل أول لصياغة العلاقات الديمقراطية بين قيادته وجموع أعضائه، وفق أسسٍ منهجيةٍ علميةٍ وموضوعية.

لذلك حرص الرفيق (أبو علي)، على أهمية التطبيق الخلاقّ للنظام الداخلي ولوائحه، وخاصة ما يتعلق بأهمية ضبط تركيب الحزب النوّعي والكمّي لتوطيد صفوفه تنظيمياً وسياسياً من خلال تطهيره من العناصر الغريبة، والقلقة سياسياً، والوصولية والانتهازية، وكذلك من غير النشيطين، مِن مَن لا يبررون اللقب السامي للرفيق، ومقاومة كل أشكال ومظاهر الانحراف الحزبي، والتكتلات ورموزها.

كما التزم أيضاً، برؤية الجبهة تجاه مستلزمات القيادة الحزبية التي تتطلب وحدة القيادة وانسجامها الداخلي، سواء على صعيد العلاقات التنظيمية أو في علاقاتها الاجتماعية الخاصة، نستدل على ذلك من حرصه –بعد أن تولى مسئولية الأمانة العامة للجبهة- على استمرار توفير كل الاهتمام بالدائرة الفكرية في الحزب, باعتبارها العقل المفّكر له، وكان متفقاً تماماً مع رأي رفيقه الحكيم والعديد من رفاقه على أنّ غياب الوعي بالنظرية والواقع المعيش لدى الرفاق، هو أحد أهّم أسباب استمرار الأزمة ومؤشراتها ومظاهرها الضّارة، إذ أنّه كانٍ مقتنعاً بأنّ استمرار ظاهرة غياب الوعي داخل هيئات ومراتب الجبهة، يؤدي إلى توليد الفرص أمام كلِّ أنواع الأزمات الداخلية؛ لكي تصل بتراكماتها إلى الهيئة الأولى أو الرأس القيادي للحزب، وعندها تصبح كل الأبواب مشرّعة أمام شخوص وأدوات الأزمة، ومن ثم انتشار وتنوع مظاهرها وأشكالها ضمن منطلقات ذاتية، في إطار لا تتحاور فيه المبادئ والأفكار بصورة ديمقراطية، بل تتصارع فيه المصالح الشخصية أو المواقف العدمية أو الهابطة، بسبب غياب الشعور بالشغف بمبادئ الحزب وأفكاره وأهدافه، ومن ثم تراجع مفهومي الانتماء والالتزام لحساب هشاشة الوعي وتخلّفه من ناحية وضعف البنيان المؤسسي بهيكلية الحزب التنظيمية ووحدته الفكرية والسياسية من ناحية ثانية، وفي مثل هذه الحالة يتفكك النظام العام للحزب إلى مجموعة من الشلل أو التكتلات، التي تتولد عن الاختلافات غير المبدئية، المحكومة بالاعتبارات الشخصية، دون أي منطلقٍ أو رؤيةٍ فكريةٍ محددة المعالم، وهي كلها مظاهر تعزز عوامل التراجع والهبوط الفكري والتنظيمي والسياسي في أي حزب من الأحزاب.

كان الشهيد (أبو علي) مثالاُ للمثقف العصامي الذي استطاع امتلاك مواصفات المثقف العضوي [1]، حيث امتزجت تربيته الفكرية والثقافية في الحركة والجبهة بالثقافة الشعبية المحببة غير المتعالية.

أما على صعيد التحوّلات الفكرية الخاصة بمراجعة المنطلقات القومية في الحركة، فقد كانت تلك التحوّلات من الناحية الموضوعية انعكاسات لبنية الحركة التنظيمية، التي تميزّت باحتوائها لوحة طبقية مختلطة، شديدة التّباين، حيث ضمت العنصر المسحوق والعنصر البورجوازي الكبير والمتوسط والصغير، لكنّ القطاع الجماهيري المسحوق هو في النهاية الذي مكّن الحركة من إثبات وجودها ودورها النضالي في المعسكر الوطني، وهو الذي جعلها تتطّور نحو اليسار خطوةً بعد خطوة منذ عام (1963)، صوب الأفكار الاشتراكية العلمية، التي أسهمت بدورها في الإزاحة المتدّرجة للأفكار الاشتراكية الطوباوية، والفابية، خاصة كتب "هارولد لاسكي " التي عممتها الحركة في أوساطها التنظيمية، جنباً إلى جنب مع مفاهيم العدالة الاجتماعية والكفاية والعدل، كما كان يطرحها القائد الراحل جمال عبد الناصر، وبتأثير تلك الأفكار الاشتراكية الأولية، انتقلت قيادة الحركة – في معظمها – إلى الاقتراب من الاشتراكية العلمية، التي تم التوافق عليها في عام (1966).

وعلى إثر هزيمة النظام الناصري، في حزيران (1967)، حدثت نقلةٌ نوعيةٌ بالنسبة إلى حركة القوميين العرب فيما يتعلق بعلاقتها بالناصرية، فليس من المعقول، وفق تحليل القائد المؤسس جورج حبش، أن ينتهي نظام عبد الناصر، الذي قاد حركة الجماهير العربية، اثنتي عشرة سنة إلى مثل هذا المصير إذا لم يكن هنالك خلل داخل النظام.

وفي ضوء ذلك، طرحت الحركة تحليلاً جذرياً لنظام عبد الناصر وطبيعة القوى المتحكّمة في هذا النظام، والتي لا تمثل الطبقة العاملة، بقدر ما تمثّل نظاماً بورجوازياً صغيراً. وأكدّت على أنّ الشعب هو الأساس، وأنّه لابد من تنظيمٍ يقودُ حَرَكَة الجماهير، ويتبنى برامجَ عسكريةً وسياسيةً واجتماعيةً واقتصاديةً متطابقةً مع مصالحِ الجماهيرِ المسحوقةِ.

إنّ كل هذه التطوراتِ والأحداثِ داخل الحركةِ وخارجها، وصولاً إلى هزيمة حزيران (1967)، تركت أثراً بالغاً في ذهنية الرفيق (أبو علي)، الذي عُرِفَ عنه شغفه بالعمل الكفاحي إلى درجةٍ تبدى معها أنه يغّلب البندقيةَ على الفكر، لكنّ مواكَبَتَهُ للأحداث والمتغيرات في إطار الحركة، إلى جانب حِرصِه على امتلاك ومراكمة وعيِهِ السياسي والنظري، وصولاً إلى درجة النضوج، بحيث بات مدركاً لأهمية الفكر والوعي والتنظيم في توجيه البندقية، منذ ما بعد هزيمة حزيران (67) عموماً وما بعد انشقاق الجبهة الديمقراطية بوجهٍ خاص، حيث تجلى حرصه الشديد في الاستزادة الفكرية والثقافية، بنهم شديد، حيث حرص على تطوير ومراكمة وعيه السياسي والفكري عبر متابعته الجادّةِ لقراءةِ الكثير من جوانب النظرية الماركسية، والدراسات الفلَسَفية والاجتماعية والاقتصاديةَ والسياسيةَ المرتبطة بها، خاصة أثناء التحاقه بالدورة الفكرية في موسكو عام 1981، وكان يرّكز –في قراءته- على تجربتي؛ فيتنام وأمريكا اللاتينية. وعلى الرغم من مهامه ومشاغلهِ المتنوعة، فقد عُرِفَ عنه الصحو المبكر يومياً في السادسة صباحاً، ليبدأ القراءة في السابعة حتى التاسعةِ في كل يوم قبل أن يبدأ عمله اليومي.

وهنا، لابد لي من أن أشير إلى محطتين أساسيتين في حياته، يمكن أن نتتبعَ من خلالهما تطور مساره الفكري والثقافي، الأولى : محطة الفكر القومي في إطار الحركة، وقد التزم بمنطلقاتها القومية في سنواته الأولى، متابعاً للحوارات الداخلية في هيئتها القيادية الأولى، الهادفة إلى مراجعة تلك المنطلقات، وإعادة صياغتها، في إطار البعد القومي الاشتراكي الناصري.

والثانية؛ محطة الفكر الاشتراكي والماركسي -فيما بعد- في إطار الجبهة الشعبية، وعند هذه المحطة، شَعَرَ الرفيق (أبو علي) – كما هو الحال عند معظم الرفاق في قيادة الحركة، ثم في الجبهة – أنه أمام منعطفٍ فكريٍ يفرضُ عليه أن يقطعَ الطريقَ على الخط القومي الشوفيني أو التقليدي السابق.

هنا لم تأخذْ (أبو علي) العزةّ بالفكر القومي المطلق، بل أحسّ بالفكرِ الاشتراكي الأكثر تقدماً، وأقبل عليه بحماسٍ مشوبٍ بالحذر – وسرعان ما تبنى هذا الفكر، مبتدئاً من فوق الصفر بقليل مرةً أخرى، الأمر الذي مهدّ لانتقاله من مواقع الفكر القومي في الحركة، الذي كان مزيجاً متنافراً بين النزعات القومية الشوفينية والنزعات الوطنية والنزعات الاشتراكية الطوباوية والناصرية، ثم انتقل بعد هزيمة حزيران إلى مواقع الفكر الماركسي، كما تبنته الجبهة منذ عام (1969)، دون أن تحكمه أية عُقد ذاتية، إلى جانب ذلك، فإنّ هذا المثقف العصامي، استطاع أن يتدّرج بوعيه السياسي والفكري بصورة خلاقّة متجدّدة ونقدية للأفكار الوطنية والقومية، المثالية أو التقليدية أو الشوفينية، التي استطاع التخلص منها وطردها من ذهنيته، بعد اطلاعه على مبادئ الماركسية ومنهجها المادّي الجدّلي، التي باتت منذ المؤتمر الثاني عام (1969) بمثابة الشعار أو السّمة الأبرز للجبهة، كما تحدّدت في وثائقها، دون أن ترتقي لتصبح الفكرة المركزية التوحيدية لجميع الأعضاء بصورة نوعية، واعية وشاملة، على الرغم من التزامهم العاطفي بالماركسية، التي رفع رايتها حِزبهُمْ، دون تكريس الوعي بها وتعميقها في صفوف الأغلبية الساحقة منهم.

أما بالنسبة للتطورات والأحداث، التي تعرّضت لها حركة التحرر الفلسطيني وتأثيرها على الجبهة وقيادتها، فقد كانت هزيمة حزيران (1967)، ثم هزيمة المقاومة الفلسطينية في الأردن، (أيلول 1970) ووفاة عبد الناصر، ثم الأحداث المتلاحقة بعد ذلك في الساحة اللبنانية وغيرها من الساحات العربية، وصولاً إلى الحرب العدوانية على لبنان في حزيران (1982)، وخروج المقاومة إلى المنافي الجديدة في تونس واليمن والجزائر والسودان وليبيا... إلخ، وأخيراً انهيار الاتحاد السوفيتي (1990)، الذي أدّى إلى تراجع وتفكك [2] أو انهيار قناعات العديد من المثقفين الماركسيين والعديد من الأحزاب اليسارية بالفكر الاشتراكي والنظرية الماركسية ومنهجها.

لقد أدّى الانهيار المريع للاتحاد السوفيتي إلى زلزلة قناعات العديد من المثقفين وكوادر وأعضاء الأحزاب الشيوعية واليسارية، إلاّ أنّ ذلك الحدث، على ضخامته ومأساويته ونتائجه المفجعة على صعيد حركات وأحزاب اليسار العربي والعالمي، لم يستطع أن يؤثر سلباً في قناعات أغلبية رفاق الحكيم، وفي المقدمة منهم رفيقنا الشهيد (أبو علي) ، كما لم يستطع ذلك الحدث التأثير في تلك القناعة الفكرية بالماركسية ومنهجها بأي شكل من أشكال التراجع أو الرخاوة أو الهبوط الفكري الليبرالي الانتهازي، والسبب الموضوعي لهذا الموقف، يكمن في أنّ ذلك الحدث لم يفلح في اقتلاع قناعات الرفيق (أبو علي)، هو أنّ هذه القناعات، كانت قناعاتٍ ذاتيةً صادقةً وواعيةً، نابعةْ من صميم المعاناة الطّبقية، التي تجسّد انتمائه للفقراء والمضطهدين، بمثل ما هي نابعةٌ من قلب معاناته السياسية والفكرية والوجدانية، التي لم تفارق رفيقنا (أبو علي) الذي حرص على متابعة أية إصدارات فكرّية، تتناول أسباب انهيار الاتحاد السوفياتي، ومستقبل الماركسية ومدارسها المتعددّة وسبل الخروج من أزمة اليسار العالمي عموماً والجبهة الشعبية خصوصاً، انطلاقاً من الحرص على الإسهام في تطوير الماركسية وإغناءها، متصدياً –في إطار الهيئات المركزية- بقوّة الوعي والحجّة والحوار الديمقراطي الداخلي لكل من تراودّه نفسه بالتخلّي أو التراجع عن مضامينها ومنهجها.

ففي العقدين الأخيرين قبل استشهاده، ارتقى وعي الرفيق (أبو علي) إلى حالة تراكمية من النضوج المعرفي الواعي بالماركسية، إلى درجة أنه كان يؤمن تماماً بأنّ الهروب من تعبير الماركسية لدى بعض الأحزاب، هو هروب من التراث الماركسي كله، حيث أدرك أنّ التراجع عن الماركسية لحساب كلمة اليسار والمنهج الجّدلي، معناه أنّ البنية الثورية (السياسية والتنظيمية) ستتراجع بالضرورة، إذ لا يمكن موضوعياً، الحديث عن المنهج المادي الجدّلي دون الماركسية، وبالتالي، فإنّ الهروبَ من الماركسيةِ باسم المنهج الجدّلي، خُطَوةٌ تؤكد انتصار التيار الليبرالي البرجوازي الصغير، داخل الحزب الشيوعي أو اليساري من جهة، أو تَجسيدٌ للانتهازية الليبرالية أو لعدم الوعي بأهمية اعتماد الماركسية كشرطٍ للتعاطي مع المنهج المادّي الجدلي من جهة ثانية، إذ أنّ معنى تغييب وشطب كلمة الماركسيةِ من أدبيات هذا الحزب أو الفصيل اليساري أو ذاك، يستهدف ليس إزالة الشكل أو الاسم فحسب، بل سيؤدّي –وهنا مكمن الخطر- إلى رخاوة وإضعاف مفاهيم النضال ضد الإمبريالية وحليفها الصهيوني، وضد كل أشكال الاستغلال والاضطهاد الرأسمالي من ناحية، وإزاحة مفاهيم الصراع الطبقي ومظاهر التبعية والتخلف والاستغلال الكومبرادوري في بلدان الوطن العربي من ناحيةٍ ثانية، إذ أنّ المنهج وحده سيفقد معناه وغايته إن لم يستند إلى النظرية بكل مكوّناتها الفلسفية والاقتصادية والسياسية وصراع الطبقات.

وفي هذا الجانب، نستذكر رفيقنا الخالد جورج حبش، بمثل ما نستذكر رفيقنا أبا علي والعديد من الرفاق، الشهداء منهم، والأحياء الذين ضحوّا وقضوا معظم سنوات عمرهم في سجون العدو في مقدمتهم رفيقنا المناضل الوطني والقومي الأممي أحمد سعدات، فقد ارتأى كل هؤلاء ومعهم العديد من القادة والكوادر أنّ مفهوم الثورة لا يتحدد معناه ومغزاه الحقيقيان ولا يكتسب عقلانيته إلاّ في الماركسية ومنهجها المادي الجدلي معاً، في إطار النضال الوطني والقومي ببعديه التحررّي والطبّقي الديمقراطي.

قد يسأل البعض، لماذا الإصرار على الماركسية وفلسفتها... الجواب ببساطة: لأنّها مرتَبِطَةٌ ومُعَبّرةٌ عن همومِ ومعاناة جماهير الفقراء والكادحين ومستقبلهم، فهي فلسفةٌ نابعةٌ من تلك الهموم، وفي مقدمتها ممارسات التحالف الإمبريالي الصهيوني وتجزئته واغتصابه لبلادنا، واستغلاله لثروات شعوبنا، إلى جانب الظلم والاضطهاد والاستغلال الطبقي وكل مظاهر الحرمان والفقر الذي تعيشه الجماهير الشعبية العربية بسبب استبداد وتبعية وتخلف أنظمتها، لذلك كله فإن الماركسية هي طريق الخلاص للجماهير الشعبيةِ من الفقراء والكادحين، العمال والفلاحين وكل المظلومين والمضطهدين، عبر طليعةٍ حزبيةٍ، تندمج بجماهير الفقراء وتناضل معهم حتى تحقق أهدافهم في إلغاء كل أشكال التبعية والخضوع والتخلف والاستغلال، بما يضمن توفير سبل التقدم الحضاري والعلمي، ومراكمة المقومات الإقتصادية والعسكرية والجماهيرية الكفيلة بإنهاء الوجود الصهيوني / الإمبريالي من بلادنا، وإقامة مجتمع تسوده الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية بآفاقها الاشتراكية.

ولنتذكر أيها الرفاق أنّ التحوّل صوب الماركسية، تم بالنسبة لنا في الجبهة، دون أن يتناقض مع منطلقاتنا الأساسية، وفي مقدمتها رؤيتنا للنهوض القومي والمجتمع العربي الموّحد وتحرير فلسطين، كما أنّ التحول لم يأتِ عن طريق الكتب فقط، بل ارتبط بالدرجة الأساسية بالأهداف الكبرى لحزبنا، وبالتطورات والتجارب والأحداث الحية، وقراءتها بطريقةٍ علميةٍ سليمة، ذلك أنّ من يؤمن بالماركسية من خلال هذه الطريق، لا يمكن أن يرتد عنها، وهذا لا يعني أبداً، فهم الماركسية على أساس دوجمائي أو على أساس أنها قوالب وصيغ جامدة، فالماركسية كسلاحٍ نظري ثوري، رهنً بكيفية فهمها من ناحية، وبصحة تطبيقها على واقع معين ومرحلة معينة من ناحيةٍ أخرى، لكن يبدو أنّ هناك تزايداً في عدد الذين لم يعودوا يؤمنون بالماركسية لأسبابٍ كثيرة ومتنوّعة، موضوعية وذاتية، وهذه ظاهرة خطيرة استشعرها رفيقنا الحكيم ورفيقنا أبو علي والعديد من الرفاق، لابد من حلّها بصورةٍ ديمقراطية داخلية، عبر المزيد من مراكمة الوعي والحوار الهادف إلى أهمية التمسك بالماركسية المتجددّة المتطوّرة وليس التخلّي أو التراجع عنها.

أما موقف الرفيق (أبو علي) وقناعاته الذاتية والموضوعية بالماركسية، فقد أوضح هذا الموقف في مقابلته مع فضائية الجزيرة (أيار/مايو 2000)، رداً على سؤال مقدم البرنامج حول أزمة الجبهة وموقفها من الماركسية فقال " إننا نقرّ بأنّ هناك إشكاليات على صعيد البنية التنظيمية، وعلى صعيد البنية الفكرية والسياسية، وتحتاج إلى معالجة، نحن لا نهرب من الأزمة، وإنمّا نواجه الأزمة، ونواجهها بأسئلةٍ موّجهة للذات كمعنى بنيوي، هذا الأمر واضح لنا، ونحن نصارح أنفسنا فيه بمنتهى الشجاعة "... أما بالنسبة للماركسية فأقول: " نعم نحن لا زلنا نعلن عن أنفسنا أننا ننتمي إلى عالم الماركسية كنظرية علمية، فالماركسية ملك للبشرية، وسيظّل مضمونها وجوهرها النقيض للرأسمالية وكل أشكال الاستغلال والاضطهاد، هو المحفز لشعوب العالم الفقيرة في الخلاص من شرور الرأسمالية... وبغض النظر عن كل الذي جرى في العالم ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ستظل الماركسية هي المرشد بالنسبة لنا في الجبهة في كل مسيرة نضالنا في المرحلة الراهنة كما في المستقبل.

ولذلك، فإنّ الرفيق الشهيد أبو علي، مستلهماً أفكار رفيقه الحكيم، لم يجد بديلاً ممكناً أمام الحركات اليسارية العربية لتجاوز الواقع العربي المهزوم والمأزوم، غير المشروع الماركسي القومي ببعديه التحررّي والديمقراطي، شرط تفعيل كل من هذه الحركات في بلدانها أولاً، بحيث تراكم كل عناصر القوة التنظيمية والسياسية والجماهيرية، كمدخلٍ وحيد يضمن صيرورة النضال الوطني والطبقي، والتحامه بالأهداف القومية الإستراتيجية، لكي تصبح قادرة بالفعل أن تكون بديلاً لكل المشروعات المطروحة الأخرى، بما في ذلك مشروع الإسلام السياسي، ومشاريع الأنظمة القائمة، التي تقود عبر تبعيتها إلى إعادة إنتاج الرأسمالية بصورة تابعة ورَثّة ومشوّهة، تدفع وتوّلد دوماً، مزيداً من الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الخانقة، التي يعاني منها فقراء وكادحي شعوبنا العربية، الذين يمثلون الأغلبية الساحقة، وعليه، لم يكن هناك مفر بالنسبة للجبهة الشعبية وقائدها المؤسس والعديد من قيادتها وكوادرها، وفي المقدمة منهم رفيقنا الشهيد (أبو علي)، سوى العمل على ترسيخ المشروع الماركسي بمنطلقاته الوطنية والقومية في وثائق الجبهة الشعبية بحيث بات ذلك المشروع، النواة الرئيسة المحرّكة والحافظة لهوية الجبهة الفكرية.

إضافة إلى ما تقدم، لابد لي من أن أشير إلى قناعة أخرى ناضل من أجلها بصمت، رفيقنا (أبو علي)، مستلهماً في ذلك أفكار القائد المؤسس، تتمثل في استمرار النضال من أجل إعادة بناء حركة التحرر القومي العربية في سياق إعادة بناء حركة التحرر العالمية، دونما أي شعور بالتردد أو القلق أو التراجع الفكري أو السياسي أو التنظيمي، وبالطبع، دونما أي شعور باليأس إزاء استمرار النضال عبر جبهته الشعبية من أجل تحقيق تلك المهام الثورية النبيلة، إذ أنّ التخلّي عن تلك القناعة، باتجاه التراجع أو اليأس، لا معنى له بالنسبة لرفيقنا (أبو علي)، سوى استمرار هيمنّة التحالف الامبريالي الصهيوني واستمرار بقاء أنظمة التبعّية والتخلف وتفاقم أوضاع المعاناة والإفقار والاضطهاد الوطني والطبقي، وصولاً إلى لحظةٍ مخيفةٍ من البربّرية والدمار، التي تتعرض لها الآن قضيتنا الوطنية بمثل ما تتعرض لها أوضاع شعوبنا العربية ومستقبلها.

وهنا استذكر كلمات "روزا لكسمبرج" في مجابهة الأزمة الرأسمالية في ألمانيا في عشرينات القرن الماضي بقولها " إما أن نناضل من أجل الاشتراكية أو نتعرض للبربرية الرأسمالية الهمجية ".

وما أحوجنا اليوم، لوعي مضامين هذا الشعار في ظروف العولمة الإمبريالية الراهنة، التي باتت فيها شعوب العالم الثالث، وشعبنا الفلسطيني وشعوبنا العربية، أحوج ما تكون للماركسية ومبادئها ومضامينها الثورية والاجتماعية، التي ستظل – اليوم وغداً – سفينة الخلاص لحزبنا ولشعوبنا العربية... فالعولمة واللحظة التاريخية التي يعيشها الواقع الفلسطيني، تشترط حتماً الوحدة الجدلية بين الماركسية والقومية في إطار الصراع ضد العدو الإمبريالي الصهيوني.

بالطبع، إننا ندرك أنّ الواقع الراهن، يفرض على الطبقات الفقيرة المضطّهدة القبول -بصورة إكراهية وعفوية في آن- بالأيديولوجيا السائدة في السلطة والأنظمة الرسمية، أو أيديولوجية الإسلام السياسي، ما دام المثقف اليساري الملتزم، لم يمارس دوره المطلوب -على صعيد الفكر والممارسة- في بلورة أيديولوجية الفقراء والاندماج في أوساطهم؛ لضمان المشاركة الفعّالة من أوسع قطاعاتهم في النضال من أجل تحقيق أهدافهم ومصالحهم.

وهنا تتجلّى الضرورة الموضوعية لإنتاج وبلورة الأيديولوجيا النقيضة، لكنّها ضرورة مرهونة بالبعد الذاتي (الحزب الماركسي) الغائب إلى حدٍ كبير حتى اللحظة، وبالتالي، فإننّي أتوّجه إلى كل الرفاق في حزبنا عموماً، والمثقفين منهم خصوصاً، وأدعوهم إلى مزيدٍ من مراكمة الوعي بالنظرية والوعي بكل مكوّنات الواقع، من أجل الإسهام الجاد في استكمال التحوّل النوّعي لأعضاء حزّبنا، بما سيمكّنه من وقف كل مظاهر التراجع أو الأزمات الداخلية، تمهيداً لاستعادة دوره الطليعي البارز في الخارطة السياسية والمجتمعية في الوطن والشتات.

إنّ إيمان (أبو علي) بمبادئ الجبهة من ناحية وبالإنسان عموماً، وبالإنسان الفلسطيني والعربي خصوصاً، هو الذي دفعه إلى التمسك بالمشروع الماركسي وترابطه الوطيد بمفاهيم التحرر الوطني الديمقراطي على صعيد فلسطين والوطن العربي.

في الذكرى السنوية التاسعة لاستشهاده، وفي التحفيز لعملٍ مُلحٍ من هذا القبيل، أستعيد القراءات الثلاث المكثفة والموجزة، التي سبق أن كتبها د.جبرا الشوملي، بهدف الوقوف على بعض معاني سيرته الشخصية والعامة، التي انصهرت بجماعٍ واحد، خلال مسيرة تنوف عن خمسةِ عقود من نضالٍ وطني وقومي وأممي، لم يتوقف لحظة واحدة.

القراءة الأولى : "ليس محل شك أنّ (أبو علي مصطفى) هو الفلسطيني الوحيد، ويكاد أن يكون العربي الوحيد، الذي يصبح فيه عاملٌ فقير ٌأميناً عاماً لحزبٍ سياسي، وتكشف هذه الظاهرة الممتنعة النادرة في بعض عبارتها الفكرية الثقيلة عن : فك التباسٍ حقيقي بين مفهوم الطليعة ومضمونها الطبقي. لقد بقى هذا الالتباس مشروعاً ومبرراً في نظرية الانسلاخ الطبقي، فقط على يد (أبو علي مصطفى) استحال مفهوم الطليعة طبقياً خالصاً ؛ بل طبقياً حاراً ومباشراً دون انسلاخات طبقية" وما أحوج جبهتنا الشعبية اليوم، إلى بلورة وتحقق مفهوم الطليعة، عبر سياقه أو وعاءه الطبقي الطبيعي وأقصد بذلك الشرائح الفقيرة والكادحين من العمال والفلاحين.

القراءة الثانية : تُفسر شخصيته الجمعية المقتّدرة متعددّة المعاني والأبعاد، والباحثة عن كل ما هو جدّي وخلاق في حياة الوطن والحزب والناس، والمفعمة بالصدقية والمبدئية والنزاهة والجدّية وطول النفس، والحاضنة الخصيبة الدافئة للآراء والاجتهادات (خاصة بعد المؤتمر الثالث).

وارتباطاً وانعكاساً لهذه السمات، لم يكن صعوده على رأس الجبهة، خاضعاً لأي تساؤل، بل كان صعوداً ديمقراطياً بما يشبه الإجماع ، وليس من المبالغة القول أنّ هذا الصعود كان متعالياً على أية "تناقضات داخلية "، أو لنقل "مجموعات شللية أو تكتلات شخصية أو محاور اجتهادية، هي غالباً ما تلعب الدور الرئيس، داخل فصائلنا وأحزابنا ومجتمعاتنا في تحديد رأس الجماعة لأسباب متنوعة؛ أهمها التخلّف في الوعي وضعف المصداقية الثورية. بالطبع كان صعود رفيقنا (أبي علي) نقيضاً لكل مظاهر التخلّف أو الأزمة الداخلية، وكان صعوداً منسجماً مع طبيعة البيئة التنظيمية والفكرية الداخلية للجبهة التي تحتكم لمعايير الكفاءة والموهبة والاقتدار في صياغة المسؤليات القيادية، وهذه المعايير التي لم تزل حتى اللحظة مُحَددّاً أولياً في وثائق الجبهة ونظامها الداخلي، هي ما يجب أن يُعَوّل عليها لاستيعاب وتجاوز الأزمة الراهنة صوب النهوض، وهي إمكانيةٌ قابلةٌ للتحقق، إذا ما توفرت عناصر الوعي العميق بمبادئ الجبهة وأسسها التنظيمية وهويتها الفكرية الماركسية ومنهجها.

القراءة الثالثة : لم يكن الفكر والسياسة في مفردات (أبو علي) مجرد نظام تفكير، بل كان مشروع عمل متصل بالمكان والوطن والذاكرة والمستقبل، وبشمول مخزونه النظرّي المتجددّ، المفتوح على شمولً التجربة العربية والفلسطينية وقسوتها ،بحيث يكاد يكون رفيقنا الشهيد (أبو علي) أحد أصحاب الإمتيازات الأوائل في تشذيب تطاول السياسة أو البندقية على الفكر، وإعادة جدلهما في نصٍ فعّال : الثابت هو حالة الصراع ببعديه الوطني والقومي التحرري ضد التحالف الإمبريالي الصهيوني كتناقض رئيسٍ تناحري، والصراع الطبقي في فلسطين والوطن العربي، كتناقض رئيس يتم حسمه عبر النضال السياسي الديمقراطي لصالح الطبقة العاملة وكل الفقراء والكادحين في بلادنا بمنطلقاتٍ قوميةٍ وأمميةٍ صادقة، أما المتغيّر فهو الوسائل والتكتيكات المناسبة لهذه المرحلة أو تلك.

إنّ المسار النضالي، الفكري والسياسي والكفاحي لرفيقنا الخالد (أبو علي)، محمولاً بكل سماته الشخصية الأخلاقية، ومواصفاته الثورية، ومصداقيته العالية، وقناعاته النابعة من وجدانه وعقله الشغوف بفكر جبهته وهويتها ومبادئها، تجلّت بعد عودته إلى أرض الوطن عندما أطلق شعار " عدنا لنقاوم لا لنساوم"، وفي ظل تطور وتنامي دور الجبهة، واستعادتها لبعض عافيتها وشعبيتها وجماهيريتها، أدرك العدو حجم المخاطر، التي يمثّلها مثل هذا القائد، ليس فقط لما قام به من جهودٍ كبيرة على صعيد أوضاع الجبهة الشعبية؛ بل لما لعبه من دورٍ إيجابي على صعيد وحدة النضال الفلسطيني، الأمر الذي جعل رأس الدولة الصهيونية، يتخذ قراراً بتصفية هذا الرمز والقائد الفلسطيني، مراهناً بذلك على تفكك الجبهة.

ولكن جاءت التطورات اللاحقة لتثبت بالملموس، أنه على الرغم من الخسارة الكبيرة، التي منيت بها الجبهة بفقدان هذا القائد الكبير، إلاّ أنها استطاعت أن تحافظ على بنيتها، ونتقدم بخطوات إلى أمام -خاصة في الوطن المحتل- على طريق استردادها لدورها وفعلها، على الرغم من كل الظروف المجافية من حولها وفي محيطها العربي والإقليمي والدولي.

يقول غسان كنفاني في قصة "المدفع": "كم هو بشعٌ الموت، وكم هو جميلٌ أن يختار الإنسان القدر الذي يريد".

اختار (أبو علي مصطفى) قدره عندما اختار طريق النضال، ولأنّ (أبو علي) اختار قدره، فقد اختاره القدر ليكون قائدا قدوة في التطابق الخلاق بين الفكر والممارسة، كما في النضال والتضحية.

سيرة (أبي علي مصطفى) ودوره في مجرى العمل الوطني الفلسطيني. لا تستحق أن تدّرس فقط لتُخَلدّ في ذاكرة الأجيال، بل تستحق أن تدّرس أيضاً لأنها –كما يضيف فيصل حوراني- "تنم عن السبب الذي حمل صانع القرار (الإسرائيلي) على تصفية صاحبها. وهي في أي حال سيرة رجل امتزجت حياته الشخصية امتزاجاً كاملاً بالحياة العامة فقدمت إيجازاً بليغاً لمسيرة العمل الوطني الفلسطيني منذ العام 1948".

إِنّ قرار اغتيال الرفيق الأمين العام للجبهة الشعبية، اتخذته حكومة العدو الإسرائيلي التي عملت –ولم تزل- بمنهجيةٍ مثابرةٍ على تدمير الحركة الوطنية الفلسطينية وإخلاء الطريق من العائق الأساس، الذي يحول دون تحقيق حلم (إسرائيل الكبرى).

إنّ فقد الساحة الفلسطينية لـ(مصطفى الزبري) يشكّل خسارةً لن ينفع التعزّي في التقليل من حجمها. أما وقد وقع ما وقع، فللجهود الرامية إلى التعويض أن تتجّه في اتجاه تقليل تأثير هذه الخسارة على الجبهة وعلى مجمل العمل الوطني. والأمل في هذا المجال معقودٌ على استمرار النهج الذي اختطه القائد الراحل.

وإننا إذ نحتفل اليوم بالذكرى التاسعة لاستشهاده، لنستلهم من تجربته بوعي واحترام عميقين دروساً وعبراً، ونؤكد أيضاً على الرغم من كل مرارة اللحظة الراهنة- أن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، هذا الحزب الذي ترعرع في أوساط الجماهير الشعبية وضم في صفوفه الكثيرين من خيرة أبنائها وطلائعها، سيظل وفياً لمبادئه وتضحيات أبنائه، وفي المقدمة منهم (أبو علي مصطفى)، الذي ظل ملتزماً بمبادئ الجبهة وهويتها الفكرية، الماركسية ومنهجها المادي الجدلي، في صيرورة تطورها وتجددها الدائمين في كل مسيرة حياته النضالية، حتى لحظة استشهاده وخلوده الأبدي.

هوامش

[1المثقف العضوي هو الحامل لهموم الجماهير الفقيرة وكل المحرومين والمضطهدين والكادحين ، وفي هذا السياق يرى غرامشي ان الحزب الثوري هو وحده القادر على تكوين طبقة جديدة من المثقفين العضويين المرتبطين بهموم الناس وقضايا العمال والفلاحين . إن هؤلاء المثقفون العضويون يمكنهم أن يشكلوا هيمنة بديلة عن الهيمنة الرأسمالية ، إذ كان يؤمن بانهم قادرون على صنع المعجزات إذا ما التزموا بقضية الشعب الأساسية التزاماً عضوياً وحيوياً ويكمل غرامشي قائلاً : "إن البورجوازية تخشاهم وتعرف ان نفوذهم كبير ولذلك تحاول ان تشتريهم بأي شكل".

[2انني ادرك أن التراجع عن الماركسية لم يكن فحسب قراراً ذاتياً محضاً لدى البعض بسبب يأسهم أو ضحالة وغياب وعيهم بالنظرية والواقع المعاش ، بل أيضاً كان استجابة –بهذه الدرجة او تلك- للظروف الموضوعية المحيطة المتمثلة بتزايد التراجعات والهزائم السياسية والمجتمعية في فلسطين وبلدان الوطن العربي، التي تراكم واستشرى فيها كل مكونات وعناصر التخلف الفكري والاجتماعي بحيث بات الوعي الفلسطيني والعربي اليوم وعياً عاجزاً عن امتلاك الادوات المعرفية الحداثية العلمانية لمجابهة تيار التخلف والاستبداد الجارف سواء في الأنظمة الرسمية او في ما يعرف بالتيار الديني او الإسلام السياسي في ظروف باتت فيها قطاعات واسعة من الجماهير العربية تتطلع إلى التغيير والخلاص من هذا الواقع البأس ، وهي بالتالي تنتظر من يقوم بهذه المهمة التغييرية ، التي يبدو أنها تقع على عاتق المثقف العضوي أو الحزب الماركسي القادر على انتشال هذه الجماهير وقيادتها للخروج من هذا الواقع وتجاوزه .

وفي كل الأحوال نقول بوضوح وثقة لكل من تراجع عن الماركسية واعتقد واهماً أنها انتهت من الوعي العالمي والعربي بسبب الاحباط او اليأس وليس بسبب المصالح الذاتية، واعتقد واهماً انها زالت من الوعي العالمي عموماً والعربي خصوصاً ، ها هي الماركسية تنفض غبارها ، وتطل من جديد، في بلادنا العربية ، في ضوء تزايد الهجمة الإمبريالية وحليفها الصهيوني من ناحية ، وفي ضوء تكريس تبعية معظم بلدان النظام العربي البشع لمقدرات الجماهير الشعبية الفقيرة من ناحية ثانية، إلى جانب تأثر شعوبنا بصعود التيار الثوري في أمريكا اللاتينية ، وفشل الإمبريالية الأمريكية في العراق ولبنان وفلسطين، والانهيار الاقتصادي العالمي الكبير بداية 2009، ان كل هذه الاحداث اسهمت في رد الاعتبار للماركسية ومشروعها، والمهم هنا هو تفعيل وبلورة العامل الذاتي أو الحزب الماركسي لالتقاط هذه اللحظات الغارقة في تاريخنا ، انطلاقاً من ان اصرارانا على الماركسية ليس مجرد تعصب أيديولوجي أو حلم غير قابل للتحقق، وإنما هو نابع من التشخيص الدقيق للواقع والفكر.



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني