الصفحة الأساسية > البديل العربي > عندما "تُكَوِّرُ" الرّجعيّات العربيّة..!
عندما "تُكَوِّرُ" الرّجعيّات العربيّة..!
تشرين الثاني (نوفمبر) 2009

تعتبر الرياضة وجها من وجوه اكتمال الذات وتوازنها وتهذيب المواهب وصقل الكفاءات البدنية والعقلية باعتبارها دُربة وتمرّسا بالحياة التي تقتضي يذل الجهد في العمل الجماعيّ وضبط النفس. وهي بالإضافة إلى ذلك وسيلة للتحابب والتعارف بما تنشره من قيم نبيلة وتقدمية. فمنذ سنتين ونصف وتحديدا في صيف 2007 حقق أسود دجلة والفرات في كرة القدم ما عجزت عنه فوهات البنادق وجعجعات الساسة. فبعد فوزهم بكأس آسيا للأمم اسعدوا جميع العراقيين فهتف الجميع باسم العراق موحدا كردا وعربا وشيعة وسنة...

وبالرغم من الطابع التقدمي والإنساني للرياضة فإن الرجعيات العربية اليوم تستغلها وتوليها شأنا عظيما موظفة إياها لتأبيد السائد وللدعاية لنفسها ولبرامجها، ووجدت فيها سبيلا ووسيلة لتلهية وصرف شعوبها عن المحاور الأساسية وطمس المشاكل الرئيسية مذكية نار الخلاف بين الجماهير الرياضية والتي تصل حد النزاعات والاشتباكات متخذة طابعا جهويا أو إقليميا أحيانا وقطريا أحيانا أخرى وهو ما اعتادت عليه الجماهير والشعوب العربية عندما تلتقي منتخبات بلادها أو تكون أطرافا في لقاءات مصيرية بالمعنى الرياضي.

فعلى هامش مباراة مصر والجزائر بتاريخ 14 نوفمبر 2009 المؤهلة لكأس العالم يتوضح لنا الكثير من ذلك. فقد أخذ هذا اللقاء أكثر من حجمه. فعوض أن يتخذ طابع التتويج والظهور بمظهر الأبطال بما أن فريقين عربيين كسبا الرهان على حساب فرق إفريقية أخرى وانحصرت بطاقة الترشح بينهما لموعد جنوب إفريقيا 2010، صوّره المسؤولون على أنه لقاء سيتحدد فيه مصير القطرين والشعبين، مخصصين عوائد مالية ضخمة بدل أن تنفق في تهيئة البنى التحتية وحل مشاكل العاطلين وتوفير مساكن لائقة لمتساكني الأحياء القصديرية والمقابر. فرئيس اتحاد الكرة في الجزائر وعد لاعبي منتخب بلاده بمكافأة قدرها 150 ألف أورو في صورة الترشح، فردّ عليه نظيره المصري بمكافأة تسيل اللعاب قيمتها 500 ألف أورو أي ما يناهز 3 مليون جنيه مصري !

ولعب الإعلام دورا مبتذلا وأذكى حدة هذا الصراع. فالصحافة المكتوبة أشعلت الفتيل والإعلام الرياضي المرئي أججه مذكرا الجماهير الرياضية بما جد في مثل هذا الدور على هامش تصفيات غيطاليا 1990 عندما امتدت عدوى الاشتباكات إلى اللاعبين ذاتهم فأقدم لاعب جزائري (الأخضر بلومي) على طمس عين لاعب مصري. ومما زاد الطين بلة الإجراءات الأمنية المشددة التي وضعت البلاد في حالة شبيهة بحالة الطوارئ وإعلان الحرب. وهذه الإجراءات لن تزيد الجماهير إلا تحفزا للوثوب على المنافس للانتقام والتشفي. ووصل الأمر إلى حد السخرية من تاريخ وحضارة الآخر بطريقة عنصرية ومتخلفة، وانتهاك الحرمات برسم رؤوس فنانات مصريات على أجساد اللاعبين وتصوير مدرب المنتخب المصري في شكل عروس، وهو ما يعكس النظرة الدونية للمرأة وحجم المنحدر من التعصب، وهو أمر لا يمت إلى أخلاقيات الرياضة التي أساسها التسامح وتقبل النتيجة بروح رياضية.

فمن خلال سلوكات المسؤولين الرياضيين وابتذال دور الإعلام وما سقطت فيه الجماهير الرياضية من أخلاق منافية لمبادئ الرياضة خلنا لقاءات العرب الكروية حروبهم القديمة، فتذكرنا عبس وذبيان المتحاربين لأربيعن عاما من أجل سباق أربعة أفراس في حرب داحس والغبراء. وأعادت إلى أذهاننا حرب ناقة البسوس "سراب" لما يعادلها من السنوات بين أبناء العمومة من بكر وتغلب.

ويتعين على الشعوب العربية أن تتفطن إلى ما يحاك حولها من مناورات لخلق العداوات وافتعال قضايا وهمية تبعدها عن المحاور الأساسية التي تهمها وتفقدها البوصلة التي تحدّد بها أعداءها الطبقيين.

وعلى اليسار والقوى التقديمة بصفة عامة أن تعي بأن الجماهير الرياضية في حاجة إلى من يقف إلى جانبها ويقترب منها ويفسر لها الأمور، وأنها لم تجد لها من متنفس غير المجال الرياضي للنقاش بحرية دون أن يطالها العقاب.

ولا بد من الإشارة إلى أن الصحافة التقدمية والجادة عليها أن تولي اهتماما بالصحافة الرياضة بالنقد والتوجيه وإيجاد خطاب بديل لما هو سائد وكشف المصالح التي تقف وراء تأجيج العداء بين الجماهير الرياضية. والعمل على تحرير الرياضة من سيطرة رأسمال الذي حوّلها إلى سلعة تدرّ عليه الأرباح الطائلة، وكذلك تكريس "اللائكية الرياضية" أي فصل الرياضة عن السياسة وفضح التوظيف الذي تمارسة الرجعيات لتلميع الصّورة وتهميش الشعوب.



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني