الصفحة الأساسية > البديل النقابي > الجامعة العامة للتعليم العالي انتهازيّة وتفريط، ثمّ إفلاس وضحك على الذقون
حول قضيّة فرض التزكية على الجامعيين:
الجامعة العامة للتعليم العالي انتهازيّة وتفريط، ثمّ إفلاس وضحك على الذقون
14 تشرين الأول (أكتوبر) 2009

المكتب الوطني يرفض الدفاع عن حياديّة الجامعة محاولا إيهام بعض المسؤولين النقابيين في الجهات بأنّه لا يروم إغضاب السلطة لأنّ الاتحاد عقد صفقة سيقال بموجبها وزير التعليم العالي ويقع التراجع عن بعض قراراته الجائرة!!

بقلم: نورالدين بن عمّار [1]

كنّا قد اطّلعنا على مثل هذا الموقع وعلى صفحات إحدى الجرائد الأسبوعية، ملابسات القضيّة الجديدة التي اندلعت داخل الجامعة التونسية وأثبتت من جديد النهج التفريطي الذي يتوخّاه المكتب الوطني الحالي للجامعة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي. وقبل التطرّق لهذه القضية الجديدة وجب التذكير، ولو بعجالة، ببعض المحطّات المفصليّة التي مرّت بها الجامعة منذ انتخاب المكتب الوطني الحالي وعكست الأداء الضعيف للجامعة العامة ونزعة انتهازية قادت إلى التفريط في مكاسب الجامعة والجامعيين وإسقاط مطالبهم.

بعد الزّخم النضالي الذي عرفته النقابة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي، خاصة منذ سنة 2001، وأدّى إلى إعادة إحياء العمل النقابي وترميم النقابات وبناء نقابات جديدة، تعرّض القطاع إلى موجات تنكيل لا مثيل لها زاد في حجمها تواطئ البيروقراطية النقابية مع السلطة. ولئن سوّق بعد ذلك للمؤتمر الاستثنائي (بحكم أنّ المكتب السابق لم يكمل مدّته) أو التأسيسي للجامعة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي على أساس أنّ توحيد جميع الأسلاك والأصناف داخل هيكل نقابي وحيد واحد موحّد سوف يمكّن القطاع من قوّة ومناعة يحافظ بها على مكاسبه ويحقّق بها مطالبه المزمنة فإنّ المؤتمر التوحيدي المبرمج من طرف البيروقراطية النقابية لم يكن من أهدافه غير إزاحة القيادة المناضلة للقطاع لفائدة قيادة خانعة وانتهازية ستسخّر، بعد ذلك، في خدمة برنامج السلطة والبيروقراطية لاستئصال العمل النقابي من داخل الجامعة.

1) الخطوة الأولى : ضرب العمل النقابي من الأساس بإهمال النشاط القاعدي داخل الجهات وعدم الدفاع عن الحق النقابي وتسليم المنخرطين والمسؤولين النقابيين لقمة سائغة لسلط الإشراف :

منذ تصعيد المكتب الوطني الحالي وقع القطع شبه الكلّي مع تقاليد التنقّل للجهات للإشراف على اجتماعات النقابات الأساسية وشدّ أزرها في مواجهة الضغوط التي تتعرّض لها. كما وقع، بالاتفاق مع البيروقراطية النقابية، منع النقابات الأساسية من نشر لوائحها وبياناتها على صفحات جريدة " الشعب " بحجّة أنّ الجامعة العامة أصبحت تنشر أسبوعيا ورقة غير ممضية تحت عنوان " أخبار الجامعة ".

وفيما استهدفت سلط الإشراف جميع الجهات، وخاصة تلك التي ركّز فيها العمل النقابي حديثا، بغية ترويع الأساتذة وترهيب المسؤولين النقابيين قليلي التجربة لازمت الجامعة العامة صمتا مشبوها. وقد شهدت الجامعة خلال الثلاث سنوات الماضية (أي منذ انتخاب المكتب الحالي) حرمان المئات من المساعدين من الترسيم بصورة غير قانونية وحجز قرارات ترسيم العشرات منهم من المرسمين بقوّة القانون (بعد مضي أربعة سنوات) بغية ابتزازهم ومحاولة منعهم من المشاركة في النشاط النقابي.

كما ضيّقت، سلط الإشراف، الخناق على الأساتذة وحرمت المشاركين في النشاط النقابي من جميع حقوقهم من مثل العطل والمنح الدراسية.... ووصل الأمر إلى حدّ الامتناع عن فتح خطط داخلية للارتقاء للمدرسين المستهدفين وتعيين الناجحين منهم في مراكز عمل جديدة وبعيدة على خلاف ما جرت عليه العادة. إنّ الشيء الوحيد المؤكد في خصوص جميع تلك الملفات هو حقيقة أنّ الاتحاد لم يحرّك أيّة ساكن لحماية الحقّ النقابي.

وقد انتهت هذه الخطوة بإعطاء الضوء الأخضر لسلط الإشراف " لتصفية " أنشط المسؤولين والمناضلين النقابيين. فلفّقت الملفّات ونال رشيد الشملي، مناضل نقابي من جهة المنستير، رفتا لمدة أربعة أشهر بدون مرتّب على خلفية نشاطه في اللجنة الوطنية للدفاع عن الحوض المنجمي وإضراب الجوع الذي خاضه قبل ذلك دفاعا عن نشاطه العلمي...، ونال نورالدين الورتتاني، كاتب عام نقابة المدرسين الجامعيين بجهة نابل، نقلة عقوبية إلى جهة صفاقس على خلفية نشاطه النقابي ونشره لمقالات حول سوء التصرف والتلاعب أو تدليس نتائج الامتحانات وضدّ تجريد النقابيين ودفاعا عن الحوض المنجمي وعن التسيير الديمقراطي لهياكل الاتحاد....و الأكيد أنّ هذين الأخيرين محظوظين لتمكّنهما من كسر الحصار الإعلامي المفروض، بمباركة الاتحاد والجامعة العامة، على حقيقة موجات التنكيل التي مورست على مئات الناشطين النقابيين داخل القطاع وشملت جهات المهدية، وقفصة، وسوسة وجندوبة وقد ينشر في المستقبل البعض من تلك الملفات التي عتّمت عليها الجامعة العامة.

2) الخطوة الثانية : إسقاط حافز الانتماء للجامعة العامة بالتفريط في مكاسب القطاع وإسقاط المطالب التي أعيد بناء العمل النقابي على أساسها وإفلاس الجامعة العامة بانفضاض النقابيين من حولها :

لم تخطئ البيروقراطية النقابية في حساباتها فإلى جانب بعض العناصر العديمة الخبرة أو غير المهتمة أصلا بالشأن النقابي فرضت، خلال المؤتمر التوحيدي، أن يكون في المكتب الوطني 3 أعضاء يمثلون الصنف "أ" داخل سلك المدرسين الباحثين وهو ما من شأنه أن يؤثر سلبا على أدائه نظرا لضعف نسبة ذلك الصنف داخل الجامعيين عموما وضعف المهتمين بالشأن النقابي داخله ونظرا لغياب مطالب نقابية مزمنة خاصة بهم وبحكم نزعة أغلبية أساتذة ذلك الصنف إلى مقايضة بعض الامتيازات الخاصة بهم، والتي لا تكلف السلطة الشيء الكبير، مقابل التفريط في مطالب بقية الأصناف والأسلاك. وزيادة في الاحتياط اختارت البيروقراطية النقابية هؤلاء العناصر الثلاثة على مقاسها ومن الذين تربطهم بها مصالح حيوية ويدورون في فلكها. فكان أن نصّبت سامي العوادي، خبير الاتحاد الاقتصادي والمشرف على دراساته، كاتبا عاما. أما العنصرين المتبقيين فلم يكن وضعهم يختلف عن الأول. فالشاذلي سوقة وعبد الستار السحباني أعضاء منذ سنوات "بالمجلس العلمي" للاتحاد وناشطين في مستوى التكوين وإلقاء المحاضرات بمقابل مع كل الهياكل القطاعية والجهوية هذا فضلا عن تكفل الأول، بصفته مهندسا معماريا، ومنذ انطلاق الدراسات لبناء دار الاتحاد الجديدة بالإشراف على العملية بمقابل...

أ- التخاذل في الدفاع عن مكاسب الجامعيين حين تمرير القانون التوجيهي العام :

لم ينتظر القطاع كثيرا لجني نتائج ذلك الخيار فإلى جانب ضرب الحق النقابي صاغت الوزارة عشرات المناشير الوزارية الغير قانونية التي ضربت في الغالب مكاسب كل الأسلاك والأصناف مستثنية الصنف "أ". ثمّ كانت مناسبة تنقيح القانون التوجيهي العام للجامعة التونسية محكّا واختبارا لمدى نضالية المكتب الوطني المكون بالشكل الذي وصفناه أعلاه ومدى عدم انحياز المتنفذين فيه لمصالحهم الضيقة. وقد انتهى الاختبار بالفشل.

لقد تهربت الجامعة من تقديم بديل ينبع من الاجتماعات بالهياكل القاعدية ونصبت لجنة من خارج المجلس القطاعي اقترحت مشروعا مهادنا للسلطة ومتحيزا لأساتذة الصنف "أ" ويقطع بصورة جذرية مع مطلب دمقرطة تسيير الجامعة الذي تبنّته مؤتمرات القطاع وهيئاته الإدارية منذ سنوات. وبعد ضغط القاعدة نظمت يوما دراسيا صوريا سجلت فيه الملاحظات ومطالب التعديل لكي تهملها بعد ذلك وتقترح على المجلس الاقتصادي والاجتماعي مشروعا لا يعكس البتّة مطالب الأساتذة ومنحازا ضدّ مصالحهم.

وبطبيعة الحال ركنت للراحة ما أن مرّر القانون وصودق عليه من طرف مجلس النواب بدون استشارة حقيقية للأساتذة وكأن ذلك يمنع الجامعيين من النضال لتعديله. وقد كانت النتيجة أن خسر الأساتذة عموما وخاصة مدرسي الصنف "ب" مكاسب أخرى. فبينما كان القطاع يناضل منذ سنوات من أجل أن تمثّل بعض الأسلاك المحرومة من ذلك داخل المجلس العلمي وأن تصبح مداولات هذا الأخير ذات صبغة تقريرية ملزمة لسلط الإشراف نص القانون الجديد على التخفيض في عدد الأساتذة داخل المجلس العلمي وخفّض من ممثلي مدرسي الصنف "ب" (و هم الأغلبية) من عضوين إلى عضو واحد وقيّد ترشح المساعدين للمجالس العلمية ورئاسة الأقسام كما ضيّق في مجالات تدخل المجلس العلمي. هذا فضلا عن تمرير مشروع "إمد" ولجان التقييم والجودة المنصبة في إطاره بدون مرحلة انتقالية يعاد فيها تأهيل المؤسسات الجامعية الداخلية بعد تمكينها من نفس الإمكانيات المادية والبشرية لتتمكن من منافسة المؤسسات الأخرى على قدم المساواة.

ب- تضارب المصالح والتفريط في حقوق القطاع إبان مفاوضات الزيادات العامة :

لقد جرت المفاوضات من أجل الزيادات العامة وفي أدق تفاصيلها تحت إشراف كاتب عام القطاع بصفته خبير الاتحاد وأدت إلى إقرار زيادة بنسبة 4،7 % غير أنّ قطاعنا لم يتحصل إلاّ على نسب أضعف من ذلك المعدل بكثير وكان المتضرر الأكبر هو سلك المدرسين التكنولوجيين. ولا يفسر ذلك، بالنسبة لقطاع تدهورت مقدرته الشرائية بصورة كبيرة ويناضل من أجل تعديلها منذ أكثر من عشرة سنوات، سوى جنوح الكاتب العام لإرضاء عبد السلام جراد من أجل المحافظة على مصالحه.

ت- تضارب المصالح وإسقاط المطالب التي أعيد بناء العمل النقابي على أساسها إبان مفاوضات الزيادات الخصوصية :

منذ أن انقلب الكاتب العام السابق لنقابة التعليم العالي والبحث العلمي على قرار المجلس القطاعي بإمضائه لاتفاقية سنة 1999 حول الزيادة الخصوصية في الأجور مقابل الزيادة في ساعات العمل وخاصة بعد منذ سنة 2003 تاريخ انعقاد المؤتمر التصحيحي الذي أعاد للنقابة العامة شرعيتها داخل القاعدة النقابية ما انفكّ قطاعنا يؤكد لحمته على أساس جملة من المطالب من أهمها دمقرطة تسيير الحياة الجامعية ومطلب الزيادة الخصوصية ب350 د لكل المدرسين الجامعيين بعنوان منحة التكاليف البيداغوجية للتصدي لغلاء تكاليف مستلزمات البحث والتدريس ولرفع الحيف المسلط على القطاع نتيجة الزيادة السابقة في ساعات العمل ونتيجة كمية العمل الإضافية التي يتطلبها المرور إلى برنامج "إمد". وقد أعادت سلط القرار الشرعية داخل القطاع أكثر من مرة التأكيد على تمسكها بتلك المطالب وعلى رفض الإمضاء على أية اتفاقية تنتهي إلى زيادة هزيلة لا ترقى إلى مستوى تطلعات الأساتذة وحجم التضحيات النضالية التي قدموها.

وقد رأينا منذ أشهر قليلة كيف عيّن الكاتب العام للقطاع للإشراف على المفاوضات من أجل الزيادات الخصوصية في أدق تفاصيلها وكيف أنّه كان يقود وفد الاتحاد خلال أغلبية الجلسات بالوزارة الأولى ويعدّ بمعرفته كرجل اقتصاد المقترحات المضادة (حجم المبلغ الجملي المخصص للزيادات الخصوصية) ويقترح بالتشاور مع الأمين العام طريقة تقسيم الزيادات بين مختلف القطاعات المرشحة لها. كما تابعنا ما قام به الأمين العام من تعويم لمفاوضات الزيادات الخصوصية بالعديد من القطاعات التي أراد أن يسترضيها طمعا في حجمها الانتخابي وهو يستعد لدعوة المجلس الوطني للانعقاد حتى يتسنى له تنظيم مؤتمر استثنائي ينقلب فيه على الفصل العاشر ويبقى على رأس الاتحاد. كما تابعنا قبل أسابيع من إمضاء الاتفاق المهزلة إعادة تأكيد الجامعيين عبر مجلسهم القطاعي على رفض أية زيادة لا ترقى لتطلعاتهم هذا فضلا عن رفضهم لمحاولة تفتيت الوحدة النقابية للقطاع بتوزيع تلك الزيادة الهزيلة أصلا بطريقة غير عادلة بين الأسلاك والأصناف.

و نحن نتذكر أيضا المسرحية التي لعبها كاتب عام قطاعنا الذي بعد أن يئس من تمرير الاتفاقية أعطى المركزية النقابية الضوء الأخضر لكي تصادر قرار المجلس القطاعي وتمضي الاتفاقية بنفسها. كما نتذكر موقف الجامعيين الغاضب خلال التجمع الاحتجاجي الذي جاء إثر الإعلان عن إمضاء الاتفاقية مباشرة وموقف الكاتب العام المهادن للبيروقراطية وتملّصه من إصدار بيان يرفضها فيه بصريح العبارة.

إنّ غير المطلع على خفايا الأمر سيظهر له أنّه من المفارقة أن يتحصل القطاع الذي يشرف كاتبه العام على المفاوضات، والذي يناضل منذ 10 سنوات من أجل زيادات خصوصية ولا يمثل منتسبيه عددا كبيرا قد يثقل كاهل ميزانية الدولة، على أضعف زيادات خصوصية لم تضاهي بالنسبة لأغلبية الأسلاك والأصناف فيه ما حصل عليه كلّ منتسبي قطاع الصحة من العامل البسيط إلى التقني السامي (50 د ). ولكن العارفين بأهمية المصالح التي تربط الكاتب العام للجامعة بالبيروقراطية النقابية وطموحه في دخول مجلس المستشارين يجدون الأمر متوقعا.

ث- إفلاس الجامعة العامة : انسلاخات بالجملة، نقابات مستقلة وتنسيقيات وتصدي لسلط الإشراف من خارج الجامعة وبدون إشرافها :

لقد كان إعطاء المكتب الوطني للضوء الأخضر للمركزية لإمضاء اتفاقية الزيادة الخصوصية الهزيلة بمثابة إسقاط للمطالب التاريخية والشرعية التي أعيد بناء العمل النقابي على أساسها منذ سنة 2001 وقد أدّى كلّ ذلك إلى أزمة ثقة كبيرة حيال المكتب الوطني انتهت إلى مئات الانسلاخات الجماعية من الاتحاد العام التونسي للشغل وإلى ولادة بعض النقابات المستقلة وحركة ترمي إلى تكوين تنسيقية وطنية أو هيكل نقابي وطني للجامعيين مستقلا عن الاتحاد. ولقد تعمق ذلك الشرخ بين القاعدة العريضة للأساتذة والجامعة العامة نتيجة انكماش المكتب الوطني على نفسه وملازمته الصمت لبقية السنة فيما اشتدّت وطأة الحملة التي تشنّها سلط الإشراف على النقابيين داخل الجامعة.

ثمّ كانت الأزمة المندلعة بين الوزارة ومخابر الباحثين الجامعيين والتي فرض فيها الوزير توقيتا إداريا على الباحثين في مخالفة صريحة لنظامهم الأساسي وللأعراف الجاري بها العمل وعمدت سلط الإشراف لمحاولة فرض التوقيت الجديد بقمع الباحثين عن طريق الاستجوابات والخصم من أجورهم بدون أن تتحرّك الجامعة العامة بجدية للدفاع عنهم. فنظّم الباحثون جملة من التحركات والنضالات بدون إشراف الجامعة العامة وعوّلوا على إمكانياتهم الذاتية لنشر قضيتهم إعلاميا.

وفيما لازالت قضية الباحثين تشغل الرأي العام الجامعي اندلعت قضية أقسام التاريخ والجغرافيا حول تعمّد الوزارة من جانب واحد إلغاء جلّ الإجازات الأساسية ودمج إجازة التاريخ والجغرافيا. وقد اتّصل العديد من الأساتذة بالجامعة العامة منذ أواخر السنة الجامعية الفارطة التي اعتبرت في تعريف أرستقراطيا وعدميا بأنّ القضية ليست نقابية. فما كان من أساتذة التاريخ والجغرافيا في كل الجامعات التونسية إلاّ تنظيم حركة احتجاجهم عبر تنسيقية وطنية لرؤساء الأقسام وأعضاء اللجان. وفيما تواصل الجامعة العامة التعامل الغير جدي مع هذا الملف فإنّ قضية أقسام التاريخ والجغرافيا تنذر بأكثر تعقيد بعد أن رفض رؤساء الأقسام إعداد جداول أوقات جديدة حسب الإجازة المدمجة وهددوا بالاستقالة الجماعية. وللعلم فإنّ ما وقع شمل بعض الاختصاصات الأخرى في العلوم الإنسانية وشهدت الكليات تحركات مشابهة لتلك التي شهدتها أقسام التاريخ والجغرافيا ولكنّ حظّها من الإعلام كان قليلا.

كما لا يفوتنا التذكير بإحجام الجامعة العامة عن التدخل ولو عن طريق بيان في قضية خرق القانون بكلية العلوم بقفصة بتنصيب عميد مع العودة الجامعية عوض انتخابه من طرف المجلس العلمي.

3) الخطوة الثالثة والأخيرة : الإجهاز على العمل النقابي باستهداف كرامة الجامعيين عن طريق رفض الدفاع عن استقلالية الاتحاد وحيادية الجامعة :

يتذكر جميع الجامعيين بأن الكاتب العام السابق لنقابة التعليم العالي والبحث العلمي قد احتفظ بصوته سنة 2004 حين تصويت الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد على قرار تزكية مرشح الحزب الحاكم للانتخابات الرئاسية ولم يكن ذلك موقفا سياسيا بقدر ما كان موقفا نقابيا مدافعا عن استقلالية المنظمة الشغيلة يترك بعد ذلك لكل المنتمين لها حرية اختيار المرشح الذي سيصوت له.

وكان القطاع والرأي العام النقابي ينتظر من الكاتب العام الحالي للجامعة العامة موقفا مشابها على الأقل ولم يكن يطلب منه أن يكون ثوريا (كما يحلو له القول) ولا أن يعادي السلطة ويعبّر عن آراء سياسية معارضة. وقد اجتمع المكتب الوطني قبل الهيئة الإدارية للاتحاد واتّخذ موقفا مع استقلالية الاتحاد إلاّ أنّ الكاتب العام لم ينضبط لذلك القرار فاحتفظ به لنفسه ولم يعبّر عنه أثاء اجتماع الهيئة الإدارية. ولم يكتف بذلك بل غادر القاعة مع أتباع عبد السلام جراد ورفض الدعوات التي تلقّاها بالهاتف للإمضاء على عريضة الاحتجاج على عدم تمرير قرار التزكية للتصويت والتفريط في استقلالية الاتحاد (أمضى العريضة 4 جهات و8 قطاعات تمثل أغلبية منخرطي الاتحاد) لينتهي به الأمر، بعد ذلك، إلى الاختفاء وإقفال هاتفه الجوال. وقد كان لذلك التصرف وقعا سيئا في نفوس الجامعيين وفضح الوجه الحقيقي للكاتب العام عند آخر المشككين في ارتزاقه لصالح البيروقراطية النقابية.

ورغم ذلك فقد اتّصل به العشرات من الجامعيين منذ الأسبوع الأول لشهر سبتمبر ليعلموه بأنّ الأساتذة عموما وخاصة ذوي الوضعيات الهشة، من متعاقدين وملحقين ومساعدين غير مرسمين أو تحتجز الوزارة قرارات ترسيمهم لابتزازهم، يتلقون مكالمات هاتفية تطلب منهم الحضور لأمر عاجل يهمهم ثم يقع تذكيرهم بوضعياتهم ومطالبتهم بالإمضاء على عريضة جماعية لتزكية مرشح الحزب الحاكم للرئاسية. وقد استعمل في هذه العملية الكتاب العامين والمديرين وبعض العمداء المنصبين الذين استعملوا هاتف الإدارة حتى أيام الأحد ولم يستثنوا حتى بعض الأساتذة الموجودين خارج تراب الوطن. وأمام هذا التعدي الصارخ على كرامة الجامعيين وعلى حيادية الجامعة طالب العديد من المسؤولين النقابيين، ومنذ العودة الجامعية، الكاتب العام للجامعة باتّخاذ موقف ولكنه رفض بصريح العبارة بذريعة أنّه لم تصله بيانات رسمية من النقابات الأساسية.

ومع تواصل العملية بعد العودة الجامعية كثّف بعض النقابيين من الضّغط على كاتب عام الجامعة بنشر مقالات لفضحها ثمّ بالاتصال المباشر به فكان ردّه أنّ هذه المسألة ليست نقابية إذ يمكن للجامعيين رفض الإمضاء بدون تدخل الجامعة وأنّه لا يستطيع إغضاب السلطة في حين ينتظر أن تستجيب لبعض الملفات التي عرضها عليها. ومع اشتداد الضّغط من بعض النقابات الأساسية عقد الكاتب العام للجامعة أواسط الأسبوع الفارط اجتماعا لمكتبه لكي يقرّر بالأغلبية البسيطة بأنّ الموضوع محسوم وبأنّه لا سبيل لتدخّل الجامعة العامة أو إصدارها لأية بيان في الموضوع. وفي الأثناء كان الكاتب العام قد أطلق إشاعة في الجهات مفادها بأنّ الاتحاد قد عقد صفقة مع بعض ذوي النفوذ داخل القصر الرئاسي تقضي بأن تمتنع الجامعة العامة عن إغضاب الرئيس مقابل إقالة وزير التعليم العالي بعد الانتخابات والتراجع عن بعض قراراته الجائرة في حقّ الجامعيين ! فهل بعد هذا الضحك على الذقون كلام !

إلاّ أنّ الضّغط تواصل ودفع ببعض النقابيين الجامعيين للمبادرة بالتحرّك باستقلالية عن الجامعة بنشر عريضة وطنية للدفاع عن كرامة الجامعيين واستقلالية الجامعة بتاريخ السبت 10 أكتوبر 2009 وهو ما أحرج المكتب الوطني ودفعه لتعديل موقفه من الناحية الشكلية حتى لا يفتضح أمره ويخسر نهائيا حظوظه في البقاء لمدة أخرى مع الانتخابات المبرمجة لآخر السنة الجامعية. وقد اكتفى الكاتب العام بتوجيه مراسلة داخلية للمسؤولين النقابيين بتاريخ الاثنين 12 أكتوبر 2009 يزعم فيها بأنّ المكتب الوطني يذكر بدفاعه عن استقلالية الجامعة ويدعو النقابات الأساسية لعقد اجتماعات في الغرض وصياغة لوائح لرفعها للجامعة العامة لتتّخذ موقفا على أساسها !. أي أنّ السيد الكاتب العام بعد أن صمت على الأمر قرابة شهر ونصف لازال ينوي ملازمة الصمت وربح الوقت لتنتهي المسألة ويصل بالجامعيين إلى أسبوع الإنتخابات.

والحصيلة أنّ هذا المكتب الوطني بعد أنّ مرّ بمرحلة الانتهازية والتفريط في مكاسب الجامعيين وإسقاط مطالبهم دخل في مرحلة الإفلاس والضحك على ذقونهم وقد حان الوقت لإقالته لفقدانه لماء الوجه ولأدنى إحساس بالكرامة ليقدم استقالته من تلقاء نفسه. تلك الاستقالة التي كان على المكتب الوطني تقديمها منذ التجمع الاحتجاجي الذي عقب إسقاط مطالب الأساتذة بعد إعطاء المركزية النقابية الضوء الأخضر لتجاوز قرار المجلس القطاعي والإمضاء على اتفاقية الزيادات الخصوصية المهزلة.

تونس في 12 أكتوبر 2009

المصدر : منتدى" الديمقراطية النقابية والسياسية "
الرابط :http://fr.groups.yahoo.com/group/democratie_s_p

هوامش

[1جامعي - نقابي


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني