الصفحة الأساسية > البديل النقابي > العمل النقابي بين الوفاق والانحياز الطبقي
وجهة نظر :
العمل النقابي بين الوفاق والانحياز الطبقي
8 أيار (مايو) 2010

إن الصراع بين الطبقات ذات المصالح المتنافرة يصبح في درجة معينة من تطوره واحتداده صراعا سياسيا. وما الصراع بين الأحزاب سوى التعبير الأكثر اكتمالا ووضوحا عن الصراع الطبقي الذي يشمل كافة أوجه الميادين، بما فيها الحركة النقابية، التي ليست بمنأى هي الأخرى عن الاستقطابات السياسية. فالأحزاب البرجوازية تعمل على تدجين الطبقة العاملة وتطويعها لخدمة رأس المال عن طريق خدمها وأعوانها في المنظمات النقابية، في حين تناضل الأحزاب التقدمية والثورية من أجل ربط الحركة النقابية بالأهداف الاشتراكية والقضاء على الاستغلال الطبقي. فالحركة النقابية هي إذن في مدار صراع بين قطبين متناقضين، يسعى كل منهما لطبعها بسياساته وآرائه ونمط تفكيره.

ولمّا كانت البورجوازية تسعى للحفاظ على الأوضاع المتخلفة للنقابات، فقد عمدت وتعمد باستمرار للترويج لفكرة تعارض العمل النقابي مع العمل السياسي، وتوجّه تهم "تسييس" العمل النقابي لمن يخالف برامجها النقابية، مستغلة بذلك تدني الوعي لدى الشرائح المحدودة الوعي من الطبقة العاملة التي لم تتح لها فرص التعليم للاطلاع على الاهتمام الخاص بالسياسة وحصر مجال اهتمامها ونضالها عموما في المطالب الاقتصادية البحتة.

وعندما تتصدى البرجوازية وشريحتها البيروقراطية النقابية للإطارات النقابية الثورية والرموز السياسية في الساحة النقابية، فهي لا تتصدى لهم كأشخاص في حد ذاتهم، بل تسعى للنيل من معنوياتهم ومن معنويات زملائهم العمال، ساعية من وراء ذلك للنيل من معنويات أحزابهم وتياراتهم التي تقض مضاجعها بالكشف عن انتهاكات رأس المال وأحزابه الكرطونية وجمعياته المنصبة.

لقد أثبتت كل التجارب التاريخية وتجربة الطبقة العاملة التونسية الملموسة، أنه ليس بوسعنا فصل النضال السياسي عن النضال النقابي. ألم تتحوّل، في نهاية المطاف، نضالات 1978 و1984 المطلبية من أجل تحسين ظروف العمل، وضد غلاء المعيشة، إلى نضال سياسي من أجل الدفاع عن حرية العمل النقابي والحريات العامة والفردية؟ ألمْ تعبّر مواقف النقابيين من القضية الفلسطينية واحتلال العراق والحرب على لبنان عن مواقف سياسية بالدرجة الأولى؟ إنه لا يوجد جدار صيني يفصل النضال الاجتماعي عن النضال السياسي، كما تريد أن توهمنا السلطة والبيروقراطية النقابية. إن الإضرابات من أجل الزيادة في الأجور، وتحسين المقدرة الشرائية، والإضرابات التضامنية، والاعتصامات دفاعا عن حق الشغل، والتظاهر تتخذ هي الأخرى طابعا سياسيا متى تدخلت السلطة لقمع العمال ووقفت إلى جانب الرأسماليين والأعراف، وبالتالي ففي المناسبات الكبرى الحاسمة والخطيرة يصبح من الضروري إشراك المنظمات الاجتماعية في المعارك السياسية ويفرض العمل السياسي نفسه على الجميع مهما كانت الظروف.

فالاستقلالية الحقيقية للعمل النقابي لا تتمّ إذن بادّعاء رفض التسييس، بل بتحقيق فك الارتباط بين الطبقة العاملة ومنظمتها النقابية من جهة، وكل الأحزاب البرجوازية وعلى رأسها حزب الدكتاتورية والاستبداد الحاكم في تونس من جهة ثانية. وفي غياب هذا المفهوم الطبقي تؤول الاستقلالية الشكلية أو "الاستقلالوية" إلى دعوى من دعاوي التضليل البرجوازي الذي لن يساعد الطبقة العاملة على التحرر والانعتاق.

لقد تضافرت عوامل عديدة ساهمت في شيوع العقلية الاستقلالوية التي سادت منذ زمن بعيد في الحركة النقابية التونسية. فالطبقة العاملة حرمت من إيديولوجيتها الشيوعية بصفة تكاد تكون كاملة. واغتصب الحزب الحاكم لأكثر من نصف قرن تضحياتها الجسام، ووظفها لصالح البرجوازية العميلة والامبريالية. كما أن التوجّه الإصلاحي والتحريفي للحزب الشيوعي التونسي سابقا ساهم منذ وقت مبكر في انتشار العقلية الاستقلالوية المرتكزة على الوفاق الطبقي. ناهيك وأنه منذ اغتيال الزعيم فرحات حشاد، قويت هيمنة الموظفين على المركزية النقابية، وتطوّرت بعدئذ نزعة معاداة الشيوعية في صلب الشريحة البيروقراطية ذات النسخة العاشورية الكلاسيكية، لتزداد رداءة وخيانة أكثر من ذي قبل في نسختها الحالية لدى "جماعة التوريث" والتي ليست سوى استمرار لما ساد في فترة السحباني، فتصبح فاقدة تماما للحد الأدنى للمصداقية، بتحويلها الاتحاد العام التونسي للشغل إلى أداة طيّعة من أدوات الدكتاتورية (الركوع للامبريالية، التفريط في المؤسسات العمومية، الموافقة على مرونة التشغيل، عدم التصدي للبطالة والخوصصة، مراجعة التغطية الاجتماعية لفائدة رأس المال، تردّي وتراجع الخدمات الصحيّة والتعليمية والثقافية، السكوت عن قمع الحريات وتدعيم الحكم الفردي المطلق وتزكية الانتخابات المهزلة، مجافاة المجتمع المدني، تكبيل الشغالين بالمفاوضات الثلاثية في إطار الوفاق الطبقي والسلم والاستقرار الاجتماعيين لصالح الدولة والأعراف...). وهذه السياسة التدميرية للعمل النقابي، متعارضة ليس مع الفكر الشيوعي فقط بل حتى مع فكر البرجوازية الديمقراطية، وهي تعمل على تحجيم العناصر والإطارات النقابية المناضلة تحت غطاء التصدي للتسييس و"الاستقلالية على كل الأحزاب"، وإفراغ الساحة النقابية من العناصر اليسارية الراديكالية، وتحويل مركز القوة من وحدة الطبقة العاملة والجماهير الكادحة إلى البيروقراطية النقابية. وأضحى حاضر ومستقبل الطبقة العاملة مرهونا بيد البيروقراطية، التي تحوّلت بدورها إلى نسخة مطابقة للأصل للديكتاتورية النوفمبرية في ممارسة القمع ومصادرة الحريات النقابية والفساد داخل الاتحاد، الشيء الذي نتج عنه نفور من العمل النقابي ومن كل عمل منظم، وعطّل إلى حد كبير تدرّج الطبقة العاملة لاتباع سياسة تقدمية تخدم مصالحها الآنية والمستقبلية، وألحق بها الضرر الفادح من حيث تردّي وعيها السياسي وتخلفها التنظيمي إضافة إلى تدهور أوضاعها المادية.

إن نظرية استقلالية النقابات عن كل الأحزاب وحياد النقابات، تقترح على الطبقة العاملة حركة نقابية مطلبية صرفة فوق الطبقات، تساوي بين حزب الدكتاتورية والأحزاب الديمقراطية الثورية المضطهدة والمنتصرة لتحرّر الطبقة العاملة. وهي مقولة تطالب النقابيين ومناضلي اليسار بالخصوص بالتخلي عن أهدافهم وشعاراتهم عندما يدخلون دور الاتحاد العام التونسي للشغل، والاقتصار على المطالب المهنية الخالصة، وفي المقابل يغض أصحابها النظر عن أحزاب البرجوازية والحزب الحاكم بالذات، المدجج بالإمكانيات الدعائية السياسية حتى الأسنــان وذو القدرة الهائلة على الدمغجة والتأطير والكذب على النقابيين.

وفي هذا الإطار يقول لينين: "إن المصالح الطبقية للبرجوازية تولـّد حتما السعي إلى حصر النقابات في نشاط صغير وضيّق داخل حيز النظام القائم، وقطع كل صلة بينها وبين الاشتراكية، وما نظرية الحياد غير حالة فكرية للبرجوازية".

إن النزعة الاستقلالويّة هي دعوة صريحة للوفاق الطبقي، تتخلى فيها الطبقة العاملة عن هويتها، ورسالتها والوعي بذاتها، وتحرم فيها من التعرف على ممثليها الحقيقيين إذ هي اليتم السياسي بعينه. وأيّ حزب أو تيار نقابي أو حلقة نقابية أو فرد أو إطار نقابي يقف متفرجا في الصراع بين طبقته من جهة وبين الطبقة البرجوازية وعملائها من جهة ثانية، فهو يساند في الحقيقة، بصورة واعية أو لا واعية، ومهما كانت درجة نزاهته وموضوعيته أو تكيفه المزعوم، الطبقة البرجوازية وشريحتها الأرستقراطية العمالية الماسكة بالمنظمة النقابية في ما يعرف بالبيروقراطية النقابية المتحكمة في رقاب الشغالين، ويحرم الطبقة العاملة والتقدميين من إسناد دعائي ثمين هم في أشد الحاجة إليه. وبهذه المناسبة، لن يغفر التاريخ لكل الواقفين على الربوة في المعركة الحالية التي يشهدها الاتحاد العام التونسي للشغل في نضاله من أجل الاستقلالية الحقيقية والديمقراطية النقابية، التي تدور رحاها حول محوري تزكية الديكتاتورية وتوريث البيروقراطية. كما لن يغفر التاريخ أيضا الانتهاكات الصارخة من طرف الحزب الحاكم وشـُعَبه المهنية لاستقلالية المنظمة منذ أكثر من نصف قرن، إذ ارتبط التاريخ الأسود لهذا الحزب حينا بالتسلط والانقلابات والتنكيل والقمع السافر للحركة النقابية ومنظمتها الاتحاد العام التونسي للشغل مثل مجزرة 26 جانفي 1978 وانتفاضة الخبز 1984 (عشرات الضحايا ومئات المساجين والمحاكمين والمطرودين...) وبالاحتواء والمناورة والقمع المقنع والتدجين الكامل أحيانا (فترة الستينات ثم فترة التسعينات السوداء مع إسماعيل السحباني...) أو بالتهميش والإضعاف عبر بعث وتشجيع التعدديات النقابية الملغومة (اتحاد "الشرفاء"، كنفدرالية الحبيب قيزة...) التي تتشدق هي أيضا بالاستقلالية عن كل الأحزاب وإنقاذ المنظمة من المتطرفين.

وفي انتهاك صارخ للاستقلالية الحقيقية ارتبطت مؤسسة الأمين العام للمنظمة النقابية مباشرة برئيس الدولة وظلت، علاقة الولاء والتأييد تمثل شرطا من شروط بقائه في منصبه، تحيط به حاشية المسيّرين في الاتحادات الجهوية والقطاعات تربطه بهم علاقة روابط الحرفاء الأوفياء في دائرة من العلاقات الزبائنية والعشائرية المتخلفة، تضيق وتتسع لتشمل أحيانا حتى بعض المتجلببين برداء اليسار حلفاء علي بن رمضان اليوم. هؤلاء هم أيضا يشنـّفون آذان النقابيين بالحديث عن الاستقلالية النقابية. فعن أيّ مفهوم للاستقلالية النقابية يا ترى يتحدث هؤلاء وأولئك؟ وإلى متى يظل هذا الشعار مطيّة في سوق الانتهازيين؟

إن الاستقلالية عن الصراع الطبقي لا وجود لها أصلا في علم الاجتماع والسياسة. إذ يقع الخلط كثيرا بين استقلالية الاتحاد عن الحزب الحاكم – حزب البرجوازية العميلة – وكل الأحزاب الكرطونية التي تدور في فلكه، وبين الاستقلالية في المطلق أي الاستقلالية عن جميع الأحزاب بدون استثناء تحت غطاء ومسوغات من نوع "قوة الاتحاد في استقلاليته عن جميع الأحزاب"، "الفصل بين النقابة والسياسة"، "أنا موضوعي متى أكون مستقلا عن جميع الأحزاب"، "التيارات السياسية أضرّت بالاتحاد"، "ماناش نعملو في السياسة في الاتحاد"، "الي يحبّ يعمل السياسة يعملها في الشـّارع"... وغيرها من الترّهات والخلط والتخبّط العشوائي الذي ينمّ عن تخلف الوعي السياسي والنقابي. هذا التخلف الذي تعمد البرجوازية إلى نشره وتمويله فكريا وماديا لتأبيد سيطرتها الطبقية، والذي مع الأسف سقطت فيه – عن وعي أو عن غير وعي - عديد التيارات والرموز النقابية التقدمية التي عارضت مثل هذه المفاهيم في حقبة السبعينات والثمانينات. ولهذا السبب بالذات يطرح على النقابيين اليساريين والديمقراطيين وعلى الشيوعيين منهم على وجه أخص، إعادة تأسيس الرؤية والمفاهيم النقابية الثورية التي اعتراها الصدأ وميّعتها البرجوازية والإصلاحية. كما يطرح عليهم ممارسة الاستتباعات العملية لذلك على أرض الواقع، أي الدفاع عن حظوظ وحق الأحزاب التقدمية والثورية في الخوض في المسائل النقابية، والتعبير عن رأيها، وترويج البيانات داخل دور الاتحاد، دون المسّ من صلاحياته وقراراته التنظيمية، أي دون تحويل النقابات إلى أحزاب، إذ يمكن التقاطع والالتقاء والتكامل بينهما، مع الحفاظ على خصوصية كل منهما على حدة، ودون أن يضعف الاتحاد في شيء على عكس ما يروج له الاستقلاليون والبيروقراطية والسلطة.

إنه ليس من المنطق والتناسق في شيء أن نطالب الأحزاب التقدمية والثورية بلعب دورها وتحمّل مسؤوليتها التاريخية تجاه الطبقة العاملة والشعب والارتباط بالجماهير من جهة، ثم نـُحكِم صدّ الأبواب أمامها في المنظمات الجماهيرية والنقابات منها بالخصوص بنفس تعلات البرجوازية ونساهم من حيث نشعر أو لا نشعر في تهميشها وإضعافها وانعزاليتها. كما أنه من الخطأ الفادح الذي لا يغتفر أن تتذيّل الأحزاب الثورية للوعي المتدني للجماهير واحترام خصوصية النقابات ومراعاة الظرف، إذ هو منطق تبريري لن يساهم في تطوير الوعي أمام الزحف الإيديولوجي للعولمة وعزمها على القضاء المبرم على الفكر النقابي الثوري. إن الممارسات الخاطئة والانحرافات أحيانا في علاقة بالأحزاب الثورية بالمنظمات الجماهيرية كانت تعلة لانتشار وشيوع نزعة الاستقلالية عن كل الأحزاب، فمن حق الأحزاب التقدمية الحاملة للوعي الطليعي بل من واجبها الارتباط بالطبقة العاملة في أماكن تواجدها – لا في المقاهي والحانات – من أجل نشر الفكر العلمي والتعريف ببرنامج الثوريين والظفر بالقيادة السياسية والإيديولوجية، وليس جرما أن يوجد في نقابة ما في أيّ مستوى من مستويات الهيكلة أعضاء ينتمون لأحزاب ثورية يحاولون اجتذاب نقابيين إلى أحزابهم واتجاهاتهم المختلفة بالرغم من أن النقابات هي أطر مهنية لتحقيق مطالب منظوريها الاقتصادية.

كما أنـّه ليس جُرْما أن تتصارع الأحزاب السياسية المختلفة في النقابات من أجل كسب أعضاء جدد عندما تحترم أساليب الصراع الديمقراطي، ولكن ما يجب التشديد عليه هو أن أيّ مرشح نقابي لا يتمّ اختياره وترشيحه طبقا لانتمائه السياسي الحزبي بل على أساس نضاله المتفاني في تحقيق أهداف المنخرطين، والسعي إلى تحقيق المطالب النقابية المشتركة. وعندما يحقق مناضل نقابي لحزب ثوري جدارته وإخلاصه أكثر من غيره في العمل النقابي بحيث ينال ثقة منخرطيه أو قطاعه، أو النقابيين عموما بصفة ديمقراطية وشفافة، فلا داعي للنميمة والتشويه والاعتراض ونصب المكائد له، ويحق إذاك للحزب الطليعي الحيازة على قيادة تلك النقابة أو القطاع أو مجموع النقابات وتصبح القيادة في مثل هذه المسائل المتعلقة بالاستقلالية السياسية والاستقلالية التنظيمية من جهة، والتحزب، والحياد النقابي، ومواطن الوصل والفصل بين النقابي والسياسي، والمفاهيم المتضاربة لقيادة المنظمات الجماهيرية، والتطارح والبيروقراطية النقابية، على أرضية مفاهيم واضحة وبأسلوب جريء لبلوغ أهدافهم والدفاع عن أفكارهم النقابية والسياسية ومرجعيتها الفكرية، التي هي اليوم في حاجة أكثر من ذي قبل لمزيد الصهر والتوضيح والتعميق والبلورة وإزالة الشوائب والتشويهات التي اعترتها في مثل هذه الفترات الممتلئة بالغموض والبلبلة الفكرية والسياسة.

إن الحقيقة نسبية، وقد نجانب الصواب في هذا الموضع المعقد أو ذاك، ولكن لا أحد ينكر عنّا حقنا المشروع في الدفاع المستميت عن أفكارنا النقابية الشيوعية ومثلنا ورؤانا الفكرية والسياسية وبأسناننا وأظافرنا، ومهما بلغت الأوضاع من التعقيدات والعراقيل.



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني