الصفحة الأساسية > البديل النقابي > بيان غرة ماي
اللقاء الديمقراطي للتصحيح النقابي:
بيان غرة ماي
29 نيسان (أبريل) 2010

أيتها النقابيات، أيها النقابيون
أيتها العاملات، أيها العمال

نحيي اليوم مع سائر عاملات وعمال ونقابيات ونقابيي العالم، عيد العمال العالمي في ظرف خاص يتميز أساسا بنتائج الأزمة الاقتصادية الرأسمالية العالمية التي هزت أركان أقوى اقتصاديات البلدان الرأسمالية الأكثر تقدما والبلدان والشعوب الضعيفة المرتبطة بها كبلادنا والتي كبدت الشغالين بالفكر والساعد خسائر مادية واجتماعية جديدة، فتفاقمت ظاهرة البطالة والتسريح وغلق المؤسسات لتمسّ الملايين في قطاعات النسيج والسياحة والصناعات الميكانيكية والخفيفة وفي قطاعات الخدمات وانتشر الفقر على أوسع نطاق وتردّت المقدرة الشرائية وظروف الحياة وساءت خدمات الصحة والتربية والتعليم والنقل وسائر الخدمات العمومية الأخرى وشن هجوم كاسح على المكاسب التي أحرزتها الحركة العمالية وعلى الحق النقابي وتعقّدت ظروف النضال والاحتجاج والتكافل الجماعي وسادت حالة من الإحباط واللامبالاة.

هذه هي الظروف الدولية والمحلية العامة التي تلقي بضلالها اليوم على بلادنا والتي، نظرا لهشاشة اقتصادنا وارتباطه بالرأسمالية المعولمة، ستعاني من نفس الانعكاسات بحجم أكبر ووتيرة أشد وقد ظهرت عديد المؤشرات على ذلك حيث تراجعت المؤشرات الاقتصادية العامة في مستوى الإنتاج والاستثمار والتسويق والادخار والاستهلاك حتى بات اقتصادنا مهددا بأزمة أشد ستسرّع أكثر في حملات الطرد وغلق المؤسسات كما جرى في منزل بورقيبة والشرقية وبن عروس وقابس وغيرها كما ستتسبّب في مزيد تدهور المقدرة الشرائية للشغالين وستكون مناسبة سيستغلها الأعراف والإدارة أكثر ليشددوا في وتائر الاستغلال ومحاصرة النضال العمالي والتضييق على الحق النقابي.

وكان يفترض أن يتهيأ الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي راكم على مدى فترة طويلة من الزمن، منذ انبعاثه على يد حشاد إلى اليوم تجربة طويلة حافلة بالنضالات، لمواجهة هذه المستجدات وحماية منخرطيه من المخاطر التي تتهددهم، غير أنه، وللأسف، ما انفك يتراجع عن دوره ليتحوّل إلى جهاز إداري منغلق على نفسه ومنعزل عن العمال، جهاز يعيش على تصريف شؤون الصراعات الداخلية التي تحركها الرغبة الجامحة في التمسك بالكراسي وتأبيد التحكم في القيادة لجني الامتيازات والمنافع الشخصية المادية وغير المادية.

أيتها النقابيات، أيها النقابيون
أيتها العاملات، أيها العمال

يستمرّ الاتحاد العام التونسي للشغل على إتباع نفس أشكال التنظيم والعمل والنشاط رغم التغيّرات العميقة التي طرأت على عالم الشغل ومحيط العمل وعلى التركيبة الذهنية العامة للشغالين والنقابيين. فالهيكلة التنظيمية للاتحاد ما تزال كما هي منذ أكثر من 40 سنة رغم النداءات المتكررة والوعود الكثيرة بمراجعتها بل ما انفكت تزداد مركزة حتى تحوّلت الهياكل القطاعية والجهوية إلى ما يشبه المصالح الإدارية التابعة تفتقر لأبسط هوامش العمل والمبادرة.

ولقد ساعد هذا النمط التنظيمي واستفحال نزعة التصرف الفوقي والفردي على سقوط الاتحاد تحت هيمنة خط بيروقراطي لا يعطي للهياكل ولا للقواعد أيّة أهمية أخضع القانون الأساسي والنظام الداخلي لهذا المنطق فأصبحت للمكتب التنفيذي وللأمين العام صلاحيات ليس للهياكل ذات القرار (المجلس الوطني والهيئة الإدارية) أيّة سلطة أو رقابة عليها.

أما على مستوى التسيير والنشاط فقد استمرت بأشكال تقليدية بيروقراطية تجاوزها الزمن فتراجع مردود الهياكل خاصة بعد أن تم تجميد الأنشطة الجماهيرية (اجتماعات عامة وتجمعات وإضرابات...) وتم تحويل وجهة الاحتفالات بالمناسبات النقابية (ذكرى تأسيس المنظمة، ذكرى اغتيال حشاد، غرة ماي...) إلى النزل السياحية والفضاءات المغلقة لإفراغ ساحة محمد علي ودور الاتحاد فأصبحت المنظمة عبارة عن جهاز ضخم يعمل بطرق إدارية فاقدة للحيوية الجماهيرية وهو ما يفسّر حالة العزوف العامة عن الانخراط وعن تحمّل المسؤوليات ولعله أيضا ما يفسّر محدودية تمثيل الاتحاد في القطاعات العمالية (أقل من 10% في أحسن الحالات).

لقد أفرز انخراط الاقتصاد التونسي في نظام الاقتصاد الرأسمالي المعولم (الخوصصة وهشاشة التشغيل والتراجع في المكاسب الاجتماعية...) جملة من المصاعب الجديدة في وجه العمل النقابي والنقابيين وكان من المفترض أن تراجع المنظمة أساليب توجهها للعمال وطرق تأطيرهم وتنظيم نشاطاتهم بما يتماشى والظروف الجديدة ولكن القيادة التي لم يعد يهمها سوى مواقعها وكراسيها وامتيازاتها حافظت على أنماط العمل القديمة التقليدية. ولكي يتيسّر لها ذلك ضربت على النقابيين الذين يخالفونها الرأي حصارا، بتنفير العمال منهم على أنهم "سياسيون" طورا وبأنهم "يعادون الاتحاد" طورا آخر هذا إذا لم تتدخل بأشكال مفضوحة لتدلّس المؤتمرات وتنقلب على إرادة القواعد بأشكال أخرى متعددة منها بالخصوص حملة التجميد والطرد من الاتحاد بافتعال ملفات أخلاقية ومالية مفبركة لتصفية خصومها. وللتغطية على ذلك تواصل القيادة صرف الأموال الطائلة لشراء الذمم وصناعة الأتباع (منح ورحلات وسفرات للخارج وغض الطرف عن ملفات فساد مالي وتشجيع على الارتشاء وعقد الصفقات مع الأعراف...) وتستمر في حشد الوشاة والمتملقين ضد النقابيين لبث حالة من الخوف والاستكانة فيما تجند أدوات الدعاية (جريدة الشعب...) وتستغل كل المناسبات وتركب على بعض الملفات مثل ملف اغتيال حشاد لتزايد وتستثمر أمجاد وتضحيات الرواد والزعماء لتلميع صورتها.

أيتها النقابيات، أيها النقابيون
أيتها العاملات، أيها العمال

إن ملفات حارقة مطروحة اليوم على الاتحاد العام التونسي للشغل مثل ملف المفاوضات الاجتماعية للزيادة في الأجور وملف إصلاح أنظمة التقاعد والمناولة والمتاجرة باليد العاملة ومراجعة نظام الجباية والحق النقابي وظروف العمل وغيرها من القضايا ذات الصلة المباشرة بحياة العمال ومستقبل الأجيال والبلاد، ملفات تتعامل معها القيادة بكامل الاستخفاف والإهمال فيما تسخّر كل جهودها لإعداد العدة للانقلاب على مقررات مؤتمري جربة والمنستير بخصوص الترشح للمكتب التنفيذي أو ما يعرف بمسألة الدورتين والفصل العاشر من القانون الأساسي.

لقد شنت القيادة منذ مستهل 2007 ومباشرة بعد مؤتمر المنستير حملة واسعة النطاق للانتقام من كل من تمسّك ودافع على الفصل 10 المشار إليه وجندت لذلك لجنة النظام الوطنية لتجمّد وتطرد النقابيين في كل من تونس والقصرين وقفصة وصفاقس وبنزرت ونابل... وأجّلت عقد المجلس الوطني للاتحاد مخالفة لقوانين المنظمة عسى أن تتوصّل إلى تعديل موازين القوى وتوفر شروط مراجعة القانون الأساسي كي يتمكن أعضاء المكتب التنفيذي الحالي من الترشح مجددا وتأبيد وجودهم على رأس المنظمة وهو ما خلق جوا من الاحتقان دفع بالعديد من النقابيين إلى اللامبالاة وهو يؤشر في نفس الوقت، نتيجة حالة الغضب، على إمكانية تفجّر الأوضاع الداخلية إما بظهور حركة تمرّد أو باللجوء إلى هجران الاتحاد والتفكير في بديل عنه أكثر التحاما بقضايا العمّال.

أيتها النقابيات، أيها النقابيون
أيتها العاملات، أيها العمال

لقد أثبت هذا الخط البيروقراطي فشله على المستويين الداخلي والخارجي. فكما فشل داخليا في تسيير المنظمة بصورة ديمقراطية وفي توسيع تمثيليتها جماهيريا في صفوف الطبقة العاملة في القطاعين الخاص والعام وفي تحسين صورتها وتدعيم مصداقيته لدى المجتمع السياسي والمدني التقدمي والديمقراطي فقد فشل هذا الخط أيضا على المستوى الخارجي في الحفاظ على مكانة الاتحاد في المحافل النقابية الدولية والإقليمية والعربية وفي تمتين روابطه مع المنظمات النقابية ولا أدل على ذلك الهزيمة التي مني بها الاتحاد مؤخرا في مؤتمر الاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب الأخير في السودان بسبب الخطاب المزدوج والرهانات الخاطئة للأمين العام والمكتب التنفيذي هذا علاوة ما أصبح عليه الاتحاد النقابي المغاربي من تصدّع وانقسام نتيجة مواقف وطرق تسيير أمينه العام (عبد السلام جراد).

أيتها النقابيات، أيها النقابيون
أيتها العاملات، أيها العمال

تهرب القيادة باحتفالات عيد العمال العالمي هذه السنة إلى سوسة بنيّة إفراغ ساحة محمد علي وجريا على عادة طمس هذه المناسبة العزيزة على كل شغالي العالم وعمال تونس هروبا من احتجاج النقابيين وخوفا من النقد ورفضا لكل المساعي الجادة والصادقة لتصحيح أوضاع المنظمة التي باتت في حالة مرض وعجز.

وأمام إصرار القيادة على مزيد تعفين أوضاع الاتحاد نعتقد أن تصحيح مسار المنظمة أصبح مهمة ملحة وعاجلة وهي مسؤولية تلقى على عاتق كل النقابيين وتمرّ حتما عبر مواجهة الأطراف والعناصر المتنفذة في القيادة التي سخّرت الاتحاد لمصالحها ونحن على قناعة بأن هذه المهمة ليست بالمستحيلة إذا ما تحمّل كل من موقعه مسؤولياته مثلما يقتضيه واجب الوفاء للرواد الذين أسسوا الاتحاد والأجيال التي مرت عليه والتضحيات التي تكبدوها ومثلما يقتضيه واجب الوفاء لمصالح ومطامح العمال الذين يرون في الاتحاد السقف الذي يستظلون به درءا للمخاطر وحماية للحقوق وحفظا للمكاسب.

عاش الاتحاد العام التونسي للشغل ديمقراطيا ومستقلا ومناضلا
لا للفساد والتمعش من المسؤولية النقابية
لا لمراجعة الفصل 10 من القانون الأساسي

اللقاء الديمقراطي للتصحيح النقابي
غرة ماي 2010

المصدر : منتدى "الديمقراطية النقابية والسياسية"


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني