الصفحة الأساسية > البديل النقابي > حينما يخطئ الانتهازيّون التصويب
حينما يخطئ الانتهازيّون التصويب
11 كانون الأول (ديسمبر) 2009

ننشر في ما يلي نصّا تحليليا حول إضراب المعلمين ليوم 5 أكتوبر الفارط نظرا لما يتضمنه هذا النص من أفكار هامّة رغم مرور أكثر من شهرين على تنفيذ هذا الإضراب. وقد كـُتب هذا النص قبل إطلاق سراح مساجين الحوض المنجمي.

نفذت نسبة كبيرة من المعلمات والمعلمين يوم 5 أكتوبر الفارط الإضراب عن العمل الذي كان مؤتمر نقابتهم العامة المنعقد شهر جوان الماضي قرره دفاعا عن زملائهم المسجونين ضمن مساجين الحوض المنجمي وللمطالبة بإطلاق سراحهم. ورغم أن عامل الوقت لم يكن في صالح النقابة العامة وهياكلها الجهوية والأساسية، إذ لم يكن بوسعها طيلة الـ13 يوما الفاصلة بين تاريخ العودة للمدارس (22 سبتمبر) وموعد الإضراب (5 أكتوبر) لتقوم بعمل الإعداد والحشد القاعدي اللازم، ورغم أن الإضراب لم يتعلق بمطالب مادية بحتة ولم يكن له بالتالي رهان مادي محسوس يسهّل عملية التعبئة القاعدية، ورغم أن حملة التشكيك التي تولتها هذه المرة أطراف وأصوات من داخل الوسط النقابي القطاعي لإفشاله بعناوين ومبررات متنوعة، رغم كل ذلك حقق الإضراب نسبة نجاح عالية بل وغير متوقعة. وبذلك أثبت المعلمات والمعلمون أن انتصارهم لقيم التضامن ولمبادئ النضال النقابي الحقيقي أقوى من كل الدعايات المشككة وكذبوا أحلام الذين راهنوا على اللامبالاة والخوف والمطلبيّة البائسة مؤكدين مجددا أنه خلافا لما يعتقد الكثير أن تهمة "السياسة" و"الإضراب السياسي" لم ولن تمنعهم من أن يلبوا دعوة المؤتمر إلى مساندة زملائهم والمطالبة بكل جرأة وتصميم برفع هذه المظلمة عنهم. والأمر الأكيد أن هذا النجاح يحمل أكثر من رسالة ودرس سيتعين على أكثر من طرف، سواء تحمّس للإضراب أو عارضه تحت أي مبرر كان، أن يفهمها وأن يستخلصه.

تنويه لا بد منه:

أول ما ينبغي التنويه به قرار مؤتمر النقابة العامة بخوض شكل نضالي عملي وضاغط من أجل إطلاق سراح الموقوفين، قرار يتجاوز كل أشكال "احتفالية"، من ندوات وتظاهرات، أو "كلامية" من بيانات وعرائض ونصوص وتحاليل. فالحالة كانت ولازالت تستدعي ضغطا أكبر إذ أن مجرّد إعلان التضامن بيّن بوضوح ما بعده وضوح أن السلطة لا تعبأ بهذه الأشكال وأنها ماضية في تنفيذ إرادتها القمعية تجاه قادة حركة الحوض المنجمي ومناضليها. ومن جهة أخرى تأكد بما لا مجال للشك فيه أن دعوات التهدئة والوعود بإطلاق سراح الموقوفين بمناسبة غرة ماي ثم 25 جويلية إلخ... عمل لا يخدم مصلحة الموقوفين بقدر ما يخدم مصلحة السلطة. وقد ذهب البعض إلى اعتبار مثل هذه الدعوات وهذه الوعود نوع من التواطؤ مع السلطة وضد عدنان الحاجي وبشير العبيدي ورفاقهما. لذلك فإن قرار المؤتمر خوض هذا الإضراب إنما هو علامة نهوض حقيقي ويستحق كل التقدير والتنويه. بل يمكن القول أنه جاء متأخرا، ذلك أن الموقوفين قد عانوا طوال عام كامل كل أشكال القهر والتنكيل وكان يفترض أن يلقوا مثل هذا الدعم أشهرا قبل انتهاء المؤتمر. لكن وكما يقول المثل الفرنسي:" أن تصل متأخرا أفضل من أن لا تصل أبدا".

ثاني ما ينبغي التنويه به هو موقف النقابة العامة التي وعلى خلاف ما عودتنا به بعض الهياكل القيادية في الاتحاد احترمت قرار القيادة العليا في القطاع ألا وهو المؤتمر ورفضت الانقلاب عليه رغم كل الضغوط التي مورست عليها من فوق ومن تحت. ولم يكتف مكتب النقابة العامة بالتمسك بالقرار بل تحمّل مسؤوليات كاملة في قيادة كل العمل الإعلامي والدعائي والتعبوي من أجل تفعيل هذا القرار وتحويله إلى ممارسة ميدانية ناجحة. لقد بادرت بإصدار المراسلات والنداءات والمطويّات التوضيحية لتفسير دواعي الإضراب وأبعاده ومعانيه النقابية والإنسانية وأشرفت بنفسها على عدد كبير من مجالس الإطارات والندوات النقابية والاجتماعات العامة لحث هياكلها الجهوية والقاعدية على تحمّل مسؤولياتها حيال قواعدها لتحقيق نسبة نجاح عالية في هذا الإضراب.

وثالث ما ينبغي التنويه به العمل الجبّار الذي قامت به بعض النقابات الجهوية والنقابات الأساسية من أجل إقناع المعلمين بضرورة تنفيذ قرار الإضراب، رغم محاولات التشكيك والإرباك التي نشطها البعض ممّن تعوّدوا في مناسبات سابقة على المزايدة بمساندة مناضلي الحوض المنجمي.

وأخيرا لا بد من قول كلمة حق في ما تميز به موقف قيادة الاتحاد التي وإن لم تكن متحمسة للإضراب وربما بدت راغبة في تأجيله نزولا عند بعض الضغوط التي مارستها السلطة عليها. فباستثناء دعوة مكتب النقابة العامة للنظر معها في ما تم إعداده لإنجاح الإضراب لم تتدخل قيادة الاتحاد للتشويش عليه. لكن وبالمقابل تولــّت بعض الأطراف من داخل القطاع وبالوكالة عن قيادة الاتحاد وعن السلطة بث دعاية ملغومة لتشويه الإضراب والحط من عزائم النقابيين والمعلمين. والمفارقة كل المفارقة أن يبرز في مثل هذا المسعى البائس عناصر وأطراف وقياداتجهوية يُعرف عنها عادة خطاب المزايدة والثورجية لتفتضح هذه المرة. على أن تلك القشرة الكاذبة إنما تخفي طبيعة انتهازية متأصلة ومعادية لحركة الحوض المنجمي ومناضليها.

في مصلحة من إفشال الإضراب

كثيرة هي الدعاوي التي استعملت لإفشال الإضراب، منها ما تم الإيحاء بأنها دعاوي بريئة وموضوعية ولا هم لها غير البحث والعمل من أجل مصلحة القطاع، ومنها ما تم الإفصاح عنها بكل وقاحة. فمن تعلل بعامل الوقت للدعوة إلى تأجيل الإضراب وراح يبلور ويطور المقترحات "القانونية" لتجاوز مسألة علوية قرار المؤتمر إنما كان يهدف إلى إبطال عزم القطاع على التحرّك والالتفاف على قرار الإضراب بطرق ملتوية. وهو من دون شك لعب دور رجل المطافئ لتهدئة الأجواء خدمة للسلطة وتشجيع لها على الاستمرار في إصرارها على التشفي من مناضلي الحوض المنجمي والإبقاء عليهم بين القضبان. ما من شك أن المدة الفاصلة بين يوم 22 سبتمبر تاريخ العودة للمدارس ويوم 5 أكتوبر تاريخ تنفيذ الإضراب مدة قصيرة ويصعب فيها تعبئة المعلمين، ولكن هل كان الحل في التأجيل دون سواه؟ أو لم تكن هناك أية إمكانية أخرى؟ إن التضامن الحقيقي مع عدنان الحاجي ورفاقه كان يقتضي من أصحاب هذه الدعوات تشغيل "ذكائهم" وقدراتهم من أجل استنباط حلول أخرى غير التأجيل. وقد أثبتت الخطة التي قدمتها النقابة العامة ومارستها النقابات الجهوية والأساسية وعدد كبير من الإطارات والمناضلين الذين لا يتحملون مسؤوليات نقابية أن ذلك ليس بمعجزة. وقد أتت الحركة النشيطة للإعلام والدعاية والإقناع والتجنيد أكلها... فحيثما تحمّل النقابيون والمناضلون المتضامنون بصدق مع الحوض المنجمي مسؤولياتهم لـبّى المعلـّمون والمعلمات النداء ونجح الإضراب بمعدلات مرتفعة مثلما جرى في صفاقس وسيدي بوزيد وفي جهات أخرى. إن إلهاء النقابيين والمعلمين لبضعة أسابيع بـ"التفلسف" حول ما إذا كان من المنطقي ومن "القانوني" تحويل مكتب النقابة العامة والهيئة الإدارية القطاعية للانقلاب على قرار المؤتمر أعلى سلطة في القطاع ليس سوى محاولة فاشلة لتبرير مقدّمات زرع الفشل والإحباط والانهزامية والانتهازية.

قلة هم الذين دافعوا عن مثل هذه الأطروحات ثم حالما تبين لهم عدم صوابها تخلوا عنها بكل نزاهة وجرأة والتحقوا بحركة العمل الميداني في صفوف زملائهم وتحولوا بسرعة إلى قوة دفع وفعل إيجابي. وبالمقابل انكشف الكثير من الانتهازيين الذين حاولوا تغليف خطابهم بمساحيق البراءة والمبدئية إذ سرعان ما تحولوا إلى أبواق دعاية مفضوحة للدعوة إلى إفشال الإضراب ولم يتورعوا عن نشر أكاذيب من قبيل "لقد تأجل الإضراب" حتى يـــــوم الإضراب ذاته في الوقت الذي كان فيه الكثير من زملائهم في حيرة من أمرهم وتحدوهم رغبة في الالتحاق بالإضراب مثلما جرى في حمام الأنف بالعاصمة وفي أماكن أخرى في جندوبة ونابل وغيرها.

ولسائل أن يسأل ما مدلول إصرار هؤلاء على التمسك بالدعوة إلى عدم تنفيذ الإضراب حتى بعد أن تأكد لديهم أنهم أقلية في دعوتهم هذه وأن الغالبية العظمى من الجهات ماضية في إنجاح التحرّك وبعد أن فشلت محاولتهم في الدعوة إلى عقد هيئة إدارية ورفض قسم النظام الداخلي لذلك؟ لا معنى لموقفهم هذا عدا أنهم يقفون بـ"مبدئية" ضد التحرّك وأنهم مهما كانت الأسباب والظروف لا يرغبون في أن يمارس القطاع الضغط من أجل إطلاق سراح الموقوفين وأن بقاء هؤلاء وراء القضبان أمر قدري مفروض يجدون فيه "متعة خاصة".

إن حرف المعارك عن سياقها الأصلي لا يؤدي إلا إلى العمى السياسي ويسقط بأصحابه في الانتهازية والخيانة. فالدعوة إلى إفشال الإضراب بدعوى أن تنفيذه سيستفيد منه طرف سياسي معين هو العمى والانتهازية. لأن تصفية الحسابات مع هذا الطرف بمثل هذه الطريقة لا يذهب ضحيتها غير مساجين الحوض المنجمي. وكان حريٌّ بأصحاب هذه النظرية أن يتساءلوا هل بخذلان عدنان الحاجي ورفاقه وفك الضغط عن السلطة هو الذي سيضعف هذا الطرف السياسي الذي يكنون له العداء؟

إن النجاح في مواجهة أي طرف سياسي، على افتراض أن الرهان هو مواجهته وليس الضغط من أجل تحرير أبناء الحوض المنجمي من الأغلال، لا تتم على الوجه الأفضل إلا في النضال والحركة وليس في أجواء الخمول والتهادن مع السلطة. ففي الاتصال بالمعلمين وفي الاجتماعات العامة وفي تجمعات يوم الإضراب يمكن فضح أي طرف سياسي يريد توظيف الإضراب والمعلمين لصالحه الخاص. وفي مثل هذه الأجواء أيضا يمكن للأطراف الأخرى التعريف بنفسها وكسب الأنصار وإعلاء شأنها لدى الجماهير إذا ما كان رهانها هزم هذا الطرف وتحسين موقعها في القطاع. أما أن يقع صرف المعركة التي هي في نهاية التحليل ضد القمع إلى معركة ضد طرف هو نفسه يناضل من أجل إطلاق سراح المسجونين ضحايا القمع فهو خيار فاشل وأول الخاسرين فيه هم الداعين له. ولعل نسبة النجاح التي حققها القطاع على الرغم من فضيحتهم تكون فرصة لهم لمراجعة حساباتهم. وخلاصة الدرس أن حينما يخطئ المرء التصويب لا يجني غير الخيبة والفشل.



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني