الصفحة الأساسية > البديل النقابي > سوسة: تجمع نقابي هام ومحاولة جريئة للخروج في مسيرة رغم القمع
سوسة: تجمع نقابي هام ومحاولة جريئة للخروج في مسيرة رغم القمع
29 كانون الأول (ديسمبر) 2010

تحت ضغط القواعد والإطارات النقابية المناضلة اقتنع المكتب التنفيذي الجهوي المنقسم على نفسه بالجلوس الجماعي الشكلي حول أحداث سيدي بوزيد وتظاهر بتبني القضية وذلك بتحديد موعد التجمع ليكون مساء الأربعاء، ثم وقع تقديمه لمساء الثلاثاء والإيهام باستثمار اجتماع عمال "الستيا" STIA المبرمج سلفا والإدعاء أن ذلك سيكون عنصرا من عناصر التعبئة لتجمع ضخم في مستوى الحدث.

لكن بكل مرارة وحسرة سجل النقابيون والضيوف خذلان المكتب التنفيذي لقواعده ومنخرطيه وذلك بالتفصي من المسؤولية في جانبها الإعلامي، إذ لم يقم هذا المكتب بإعلام أيّ نقابة ولم يتوجه إلى المؤسسات ولم ينعقد أيّ اجتماع مزعوم لـ"ستيا " بل كان ذلك من باب المغالطة والمخاتلة والكذب على القواعد والإطارات النقابية.

لكن لحسن الحظ أن النقابيين الديمقراطيين كانوا متنبئين بإمكانية الخذلان هذه، وصائبين في قراءتهم للصراعات الشخصية الضيقة لأعضاء المكتب التنفيذي فيما بينهم، وعوّلوا بالتالي على إمكانياتهم الخاصة فوزعوا الإعلام ونشطوا الدعاية للتجمع النقابي رغم كل العراقيل (عطلة رجال التعليم، انعكاس انقسام المكتب، الحصار البوليسي...) فكان الحضور النقابي هاما نسبيا بالنظر للإمكانيات المتاحة والمحدودة: حوالي 300 نقابي وحقوقي ونشطاء سياسيين وطلبة كانوا يواجهون جحافل من البوليس بالزي والمستل لـ"المتراك" والدروع والقنابل المسيلة للدموع، تتقدمهم جدران سميكة من البوليس السياسي الذي حاصر مقر الإتحاد الجهوي للشغل من كل مداخله وضيق الحركة على الحاضرين أمام المقر، والقادمين الذين أرهبتهم قوة البوليس فولّوا راجعين، وتراوحت أعداد البوليس بكل تشكيلاته في المداخل والحافلات وفي المقاهي المحاذية ما بين 800- 900.

كانت الأجواء على غاية من التوتر الشديد والاحتقان في صفوف النقابيين والشباب الغاضب الذي لم يأت للاستيلاء على الحكم ولا التخطيط لانقلاب ولا ممارسة الإرهاب ولا تشويه سمعة تونس، بل فقط التعبير السلمي على الرأي ومساندة العاطلين عن العمل والتشهير بالبطالة والانتصار للحرية والديمقراطية الاجتماعية.

هؤلاء ليس لهم من قوة إلا أصواتهم وحناجرهم التي اختنقت بالغاز أثناء التدافع والمحاولات المتكررة للخروج في مسيرة سلمية مساندة لأبناء شعبهم. ورغم القوة الغاشمة والحصار الهائل كان الإصرار النقابي والطلابي أقوى وجريئا لأبعد الحدود سواء في مستوى الشعارات التي ركزت على التشغيل و"عصابة السراق" والفساد والقمع والعمالة والخيانة الوطنية، أو في مستوى المواجهات المفتوحة والإحتكااك corps à corps مع البوليس.

أمام هذا المشهد المليء بالاستياء والمعبّر عن الفرز السياسي والنقابي وقف أعضاء المكتب التنفيذي محايدين (الحياد أمام القمع!!!) بل منحازين وموجهين رسائل للسلطة والبيروقراطية قرأت جيدا من قبل الإطارات النقابية التي ندمت على اليوم الذي صوتت فيه لكل المتخاذلين الذين لا يعبرون على طموحاتهم بل يعرقلون نشاطهم في الوضوح.

كان أولى وأحرى بالمكتب التنفيذي أن يؤطر الإجتماع منذ البداية ويتداول أعضاؤه على الكلمات المناصرة لسيدي بوزيد ويوزعون التدخلات على الضيوف من مكونات المجتمع المدني التي جاءت ملبية لنداء الدعم والإسناد، كما كان من مشمولاتهم الدفاع على دار الإتحاد وضيوفه من نقابيي الحركة الطلابية والتنديد بالحصار والطوق الأمني المضروب على دار الإتحاد ومخاطبة السلط الأمنية المسؤولة بأعلى صوت وعلى الملأ والظهور أمام الجميع بمظهر الإطار الموحد والمناضل والمستوعب لخلافاته الداخلية التي تحل في أطرها الخاصة، لكن كلمة الكاتب العام جاءت مقتضبة، باهتة، خالية من كل شحنة نضالية وغير واثقة من نفس صاحبها، في حين تناثر بقية أعضاء المكتب بصورة خائرة متخاذلة في أماكن مختلفة من الفضاء المضيق من ساحة الإتحاد (فيهم من كان واقفا في صف البوليس) وساهموا بالتالي بمحض إرادتهم في إسقاط ورقة التوت التي ظلوا يغالطون بها البعض من أصدقائهم، فيما كانت العناصر النقابية الديمقراطية تتحمل مسؤولياتها في المواجهة والتأطير وإعطاء الشحنة النضالية لمحتوى التجمع، بينما ساهم الطلبة بصورة نضالية في إنجاح التحرك وهم مقابل ذلك ينعتون ظلما بالفوضى "والفروخ" المتهورون.

إن ما وقع في تجمّع 28 ديسمبر 2010 يضع النقابيين الديمقراطيين في سوسة أمام مسؤولياتهم الجسام : المباشرة منها وهي رص صفوفهم لتأطير التحركات القادمة والتعويل على أنفسهم باقتدار، ومنها على المدى القريب والمتوسط، وهي التقدم الجريء كبديل نقابي ديمقراطي واضح المعالم بعيدا عن المحاباة والتذييت والتفكير الإنتخابوي الضيق ولما لا التفكير الجدي في الدعوة للمؤتمر الإستثنائي لتصحيح الأوضاع الجهوية. فلا مجموعة الستة ولا مجموعة الثلاثة (أو الإثنين زائد واحد) قادرة اليوم على النهوض بالجهة ووضعها على سكة العمل النقابي الديمقراطي المستقل والمناضل.

إطار نقابي مستقل


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني