الصفحة الأساسية > البديل النقابي > في إستراتيجيات العمل النقابي المناضل
وجهة نظر:
في إستراتيجيات العمل النقابي المناضل
(مقال نقابي)
16 أيلول (سبتمبر) 2010

تمهيد:

ليس خافيا على أحد التحولات العميقة التي عرفها العالم في مستوى طبيعة العمل والعلاقات الشغلية داخل المؤسسات الإنتاجية، وواقع العمالة في سوق العمل العالمي، وموقع العمال والنقابات في عملية الإنتاج والعلاقات الشغلية، بفعل عولمة رأس المال العالمي وتغوّله، مستهدفا إخضاع الطبقة العاملة عالميا من خلال إخضاع جميع الاقتصادات النامية إلى قوانين العمل العالمية وذلك من خلال التدخل المباشر لصندوق النقد الدولي في السياسات الاقتصادية للدول النامية، وما صاحب ذلك من اتفاقيات دولية تمعن في فرض هيمنة الشركات المتعددة الجنسيات على اقتصاديات هذه الدول، وتحويل مجتمعاتها إلى مجتمعات مستهلكة، ورأسمالييها إلى وكلاء للشركات العملاقة، غير منتجين للرأس مال الوطني وقد تحقق ذلك بالاعتماد على :
- استغلال مكثف للثورة المعلوماتية للترويج لثقافة استهلاكية فجة تدجن العقل وتسلعن الوعي وتبخس الأحاسيس السامية، وتقتل في الذات كل القيم الإنسانية.
- سنّ تشريعات شغليّة تخدم رأس المال العالمي والاقتصاديات المفيوزية التي أوجدها ولم تتخلف بلادنا في مواكبة رياح العولمة والانخراط فيها خدمة للمتنفذين في السلطة وتمكينهم من امتيازات اقتصادية لا محدودة ومن تهرّب ضريبي غير مسبوق، ومن سلطة سياسية تخول لهم التصرف بكل حرية للحفاظ على مصالحهم مما أوجد وضعا شغليا جديدا وعلاقات اجتماعية جديدة داخل المؤسسات الاقتصادية وغيرها مع سن تشريعات عمل تضطهد العامل وتقلل من حماية حقوقه، في الوقت الذي تخلت فيه الدولة عن دورها التشغيلي، وبالمقابل تغوّلت المفيوزية والزبونية ممّا جعل العامل عرضة لكل أشكال الانتهاكات، وفي نفس السياق تخلت البيروقراطية النقابية عن مصالح منخرطيها، وتحوّلت إلى حليف إستراتيجي للسلطة في تدجين الطبقة الشغيلة مكتفية بإدارة الوضع النقابي إدارة بيروقراطية فوقية لا تستجيب لمطالب العمال وطموحاتهم، وقد أنتج هذا الوضع عزوفا عن العمل النقابي ممّا شجع البيروقراطية على مواصلة صمتها تجاه الانتهاكات الشغلية، في اتجاه إفراغ الساحة النقابية من المناضلين النقابيين، سواء بالطرد التعسفي أو بتجميد الإنخراطات أو رفض تخريط المعارضين وتزامن ذلك مع ترويج سلطة المال لثقافة هجينة تبلد الوعي وتقتل القيم الإنسانية السامية، وتكرس قيم الأنانية والانتهازية والتزلف والمحاباة ونبذ المصلحة العامة لفائدة المصلحة الخاصة وهو ما ساعد على ضمور الحس التضامني لدى الطبقة الشغيلة، فاستغلته البيروقراطية النقابية لمزيد تشتيت صفوف النقابيين عبر أطروحات جهوية وعشائرية، وشعارات عائمة حول السلم الإجتماعي في تساوق تام مع سياسات السلطة وأجنداتها.

إن هذا الوضع يطرح على النضال النقابي ضرورة ابتكار آليات جديدة للتأطير النقابي تمكن من توعية القواعد العمالية بحقوقها وتخليصها من خوفها وانتهازيتها وسلبيتها، وتحوّلها إلى عنصر فاعل ومشارك مما يمكن اللقاء النقابي الديمقراطي المناضل من خلق مساحات داخل القواعد يستطيع من خلالها ضمان إمكانيات كبرى للتحرك والفعل خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار طبيعة المشروع الذي يريد هذا المولود الجديد تحقيقه، إن الأخذ بعين الاعتبار أهمية المشروع المطروح في تغيير واقع التسيير البيروقراطي داخل الإتحاد إلى إتحاد ديمقراطي ومناضل ومستقل يفرض علينا اليوم إتباع إستراتيجية متعددة العناصر المستويات تصب كلها في اتجاه خدمة الشغيلة وفي الدفاع عن مصالحها والتفويت على أعداء العمل النقابي المناضل والبيروقراطية النقابية وإعادة إنتاج نفسها لمزيد تفريغ الساحة النقابية وشل كل حركية تغيير داخل الاتحاد، وهو ما يطرح على اللقاء النقابي الديمقراطي المناضل فاعلية أكبر في الأداء تؤهله إلى اكتساح الساحة النقابية من خلال الالتحام الفعلي بالجماهير العمالية صاحبة المصلحة في التعبير داخل الإتحاد العام التونسي للشغل.

1- في العلاقة بالأطراف السياسية:

لا شك أن اللقاء النقابي الديمقراطي المناضل فضاء مفتوح لكل القوى النقابية بمختلف مشاربها الفكرية المؤمنة بضرورة تخليص الإتحاد من الوضع الذي آل إليه، ولكن بعض القوى المعروفة بانتهازيتها تمرّست إلى جانب البيروقراطية النقابية، وأصبحت رغم شعاراتها الثورية عنصر شدّ إلى الخلف متمعّشة من وجودها في الإتحاد مثل بعض شقوقات القوميين والوطد والعود، وهذا التمرّس البيروقراطي يجعل هذه القوى السياسية مناوئة لكل تغيير داخل الإتحاد كما داخل المجتمع وهو ما يجعلها حليفا استراتيجيا للتجمع الدستوري الديمقراطي الذي كان على مرّ التاريخ يسعى إلى تدجين الإتحاد إلى سياساته، في خطوات تبدو مدروسة لإفراغ الإتحاد من كل نفس نضالي، وهو ما يفرض على اللقاء النقابي الديمقراطي المناضل التفطن إلى هذه التحالفات البيروقراطية السياسية وقراءتها قراءة صحيحة لفهم منطلقاتها ومستتبعاتها والعمل على فضحها لدى الرأي العام النقابي والوطني في اتجاه سحب البساط منها بما هي عدو لكل تغيير نقابي وسياسي، وهذا لا يتمّ إلا عبر كشف خطواتها التشكيكية التي بدأت تنتهجها ضد اللقاء النقابي الديمقراطي المناضل وفي نظرنا فان الحسم يجب أن يأخذ اتجاهين متزامنين :
-  الحسم الفكري: وهو يستدعي إنتاج أدبيات تفضح الارتباطات البعيدة والقريبة لهذه الجهات مع البيروقراطية النقابية ومعاداتها للعمل النقابي المناضل بإبراز دورها التاريخي في المسك بمفاصل الاتحاد وتكبيل فاعليته.
-  الدفع النضالي الميداني: في مختلف الملفات المطروحة على الساحة النقابية وهو ما سيكشف عدم جدّية هذه الجهات من خلال إحجامها عن التورط في نضالات ميدانية جريئة لافتكاك العمال لحقوقهم المشروعة.

انطلاقا من هذين المسارين يمكن للقاء النقابي الديمقراطي المناضل توعية القاعدة العمالية بتعريفها بأعدائها حتى تكون قادرة على الحسم في المحطات النضالية الحاسمة إن آلية الكشف والفضح هي الآلية التي تكشف للقواعد النقابية من يقف بجانبها ويدافع عن مصالحها ومن هو متورط في الدفاع عن البيروقراطية وارتباطاتها السياسية الإستراتيجية بخيارات السلطة في مختلف المجالات.

2 - في إستراتيجية التكوين النقابي والتثقيف العمالي:

إن اللقاء النقابي الديمقراطي المناضل لا يجب أن يختزل نضالاته في الإدارة اليومية للشأن النقابي أو في الميدان النقابي بما هو حجر الزاوية لكل عمل نضالي نقابي بل يجب أن يتفطن إلى أهمية التكوين والتثقيف إن إمكانية استقطاب الجماهير العمالية يتمّ من خلال برمجة تثقيفية وتكوينية في قضايا متعلقة بالشأن النقابي تطرح على القواعد من أجل فهمها كالتسيير الديمقراطي داخل الاتحاد والنظام الداخلي داخل المنظمة الشغيلة وسن التقاعد إلى آخره... بما يمكن القاعدة منفهم هذه القضايا وهو ما يخلصها من السلبية، والانخراط في النضال دفاعا عن مصالحها، وعلى هذا الأساس يكون عامل التكوين والتأطير هو المدخل الذي يساعد اللقاء النقابي الديمقراطي المناضل تحقيق اختراق فعلي داخل الساحة النقابية وعلى هذا الأساس نقترح تكوين هيئة للتكوين النقابي تشرف على عملية التكوين والتأطير وهو ما سيدعم اللقاء النقابي الديمقراطي المناضل في طرحه لثقافة بديلة تؤمن رواج الفكر النضالي المتشبع بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. إن مجتمعنا كله يحتاج لهذه الثقافة التي تم طمس معالمها منذ ثلاثين سنة في اتجاه تبليد الفكر وتسفيف الذوق وتحنيط الأحاسيس النبيلة لدى الأفراد. إن مظاهر الانحرافات البيروقراطية ما كانت لتقع لو كانت القواعد العمالية معبأة بثقافة تحررية تنهل من القيم الوطنية والإنسانية السامية تحصن الذات من كل أشكال الاختراقات مهما كان نوعها وتجعل القاعدة العمالية أكثر التزاما بمطالبها وبقضاياها الوطنية والقومية.

3 - الإستراتيجية الإعلامية والدعائية:

تمثل الدعاية والإعلام رافدين أساسيين للتعريف باللقاء النقابي الديمقراطي المناضل وبرامجه وتوجهاته ونضالاته، وبقدر ما أصبح الإعلام المضاد يسعى إلى تشويه اللقاء النقابي المناضل بإذن من رموزه البيروقراطية النقابية، فان اللقاء النقابي الديمقراطي المناضل يجب أن يعتمد على إستراتيجية إعلامية مزدوجة :
- العمل على فضح البيروقراطية وأزلامها ماضيا وحاضرا من خلال الكشف عن انحرافاتها وسلوكاتها المعادية للشغيلة في كل مستويات تصرفاتها.
- العمل على نشر برامج اللقاء النقابي الديمقراطي، وتعميق توجهاته عبر كل الوسائل المتاحة ويمكن للقاء النقابي استغلال فضاءات الاتحادات الجهوية والمحلية لتعليق بياناته وبرامجه وإذا تعذر ذلك فهناك وسائل جديدة يمكن من خلالها الوصول إلى قطاعات واسعة من الشغالين مثل الإعلام عن طريق L’internet والإرساليات القصيرة، الإعلام المباشر: وهو ما يحيلنا إلى الاتصال المباشر بالقواعد النقابية في مراكز عملها، وما يعرفه هذا السلوك من إحاطة دائمة بالنقابيين، الملصقات: ابتكار شعارات يتم صياغتها في ملصقات صغيرة وجذابة، تلصق في أماكن ظاهرة سواء في الصدر أو في المحفظة أو السيارة إلى آخره ممّا يمكن اللقاء النقابي الديمقراطي المناضل من الحضور الدائم في كل الميادين، وهو ما يسهل عملية تمثله والوعي به كطرف شغلي مناضل، التدخلات في الوسائل المرئية والمسموعة، وفي المحطات التلفزية الدولية مثل الجزيرة، ممّا يجعل الرأي العام على إطلاع على برامج وخطط اللقاء النقابي الديمقراطي المناضل.

4- الاستراتيجيبة الاجتماعية :

إن إستراتيجية العمل النقابي المناضل والمؤثر لا يجب أن يسقط من حساباته القضايا الاجتماعية الحساسة التي كثيرا ما تكون رافدا لمزيد تثبيت الصورة المناضلة للقاء النقابي الديمقراطي وجعله طرفا اجتماعيا فاعلا وهذا ما يحتم عليه أكثر فأكثر الإهتمام بالقضايا الحارقة للمجتمع مثل الهجرة السرية والإجرام والفساد المالي والإداري بما يؤهله ليكون طرفا مؤثرا في مجال السياسات العامة للدولة وما يمكنه من تثبيت موقع قدم في الحياة العامة، ويتطلب هذا الأمر صياغة خارطة مفصلة لمجالات التدخل المباشر كلما سنحت الفرصة بذلك للدفاع عن مصالح الجماهير الواسعة.

تلك هي ملامح خطة نقدمها للمناقشة تمكن اللقاء النقابي المناضل من التحدّد كطرف فاعل على المستويات الإجتماعية كافة.

الخاتمة

إن المطلوب من أجل إنجاح هذه الخطة الإستراتيجية هو إنجاز هيكله فعالة تمسح كل الجهات لإنجاز هذه الخطة ميدانيا حتى تصل مضامينها إلى كل الجهات وإلى كل القاعدة العمالية بالبلاد ممّا يتيح للقاء النقابي الديمقراطي خلق حركية نقابية لا تنقطع كامل السنة ويجعله حاضرا في كل الميادين الوطنية والجهوية والمحلية متابعا لكل ما يحدث في كل الجهات واتخاذ المبادرات والخطوات المناسبة في كل الأحداث.

16 سبتمبر 2010

عطية عثموني
ناشط سياسي ونقابي وحقوقي

المصدر: منتدى "الديمقراطية النقابية و السياسية"
الرابط: http://fr.groups.yahoo.com/group/democratie_s_p


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني