الصفحة الأساسية > البديل النقابي > ماذا ينتظر الشغالون من المؤتمر القادم لـ «الاتحاد» ؟
ماذا ينتظر الشغالون من المؤتمر القادم لـ «الاتحاد» ؟
17 تشرين الثاني (نوفمبر) 2011
Sawt Echaâb n°24

بعد حوالي شهر من الآن يعقد الاتحاد العام التونسي للشغل مؤتمره الوطني. وتجري الآن الاستعدادات حثيثة لإحياء هذا الحدث الوطني البارز وفي نطاق هذه الاستعدادات شرعت العديد من الفعاليات النقابية الناشطة داخل الاتحاد وخارجه في اتصالات ومشاورات لتوحيد الرؤى والمواقف. ومن جانب آخر شرعت الهياكل الجهوية والقطاعية في النظر في مشاريع اللوائح التي أعدتها القيادة النقابية (مشروع اللائحة الداخلية، واللائحة العامة، واللائحة المهنية واللائحة حول الوضع العربي والدولي).

ويطغى، على أصداء كل هذه التحركات، إحساس عام بضرورة أن يمثل المؤتمر القادم للمنظمة الشغيلة منعرجا حاسما في تاريخها وفرصة لإجراء تغيير عميق في خياراتها العامة والداخلية ولاختيار فريق قيادي جديد في مستوى التحديات وقادر على السير بالمنظمة على غير ما سارت عليه من قبل ومنذ عقود من الزمن.

الفرز... على أي أساس؟

رفعت الحركة النقابية ومنذ أزمة 1978 ثلاثة شعارات أساسية هي الاستقلالية والنضالية والديمقراطية التي شكلت الأرضية النقابية العامة والتي على أساسها جرى ويجري الفرز داخل الاتحاد والحركة النقابية ككل بين القوى والرؤى الراغبة في التغيير وبين ما صار شائعا بين النقابيين البيرقراطية النقابية. وما تزال هذه الأهداف حتى اليوم على راهنيتها وإلحاحيتها رغم ما طرأ على الأوضاع العامة في البلاد من تطورات ورغم كل الصراعات والنضالات التي عرفتها الساحة النقابية. ولئن لم تعد مسألة استقلالية الاتحاد عن دوائر الحكم مطروحة بنفس الدرجة من الحدة بالنظر لما فرضته الثورة من حريات في مجال التعبير والتنظم والاجتماع والتظاهر، على محدوديتها، فإن مسألتي النضالية والديمقراطية الداخلية ما تزالان مطروحتين كمهمات للانجاز.

ما من شك أن القيادة النقابية الحالية، وأي قيادة أخرى، لم يعد هناك ما يبرر خضوعها لإملاءات الحكومة في التعامل مع القضايا الوطنية العامة وفي المسائل النقابية (مفاوضات، إضرابات ونشاطات ) ذلك أن هامش الحرية الذي فرضته الثورة وفر للاتحاد العام التونسي للشغل كغيره من المنظمات والجمعيات والأحزاب فرصا أكبر لاتخاذ قراراتها ولممارسة نشاطاتها بشيء من الحرية والاستقلالية. وعليه فإن المطالب التي شغلت اهتمامات المؤتمرين في هذا الباب لبلورتها والتوصية بها لن تكون مطروحة بالحدة التي تعودنا بها من قبل.

وفي المقابل من ذلك سيكون مطلوبا من المؤتمر القادم أن يركز على اتخاذ قرارات جدية بخصوص مراجعة نظامه الهيكلي وطرق تسيره ماليا وإداريا ونقابيا للقطع مع النمط البرقراطي الذي ترسخ فيه من زمن طويل. وبصرف النظر عن التمشي العملي الذي سيقره المؤتمر في هذا الصدد فإن أي تغاض أو التفاف على هذا المطلب الشرعي والتاريخي لأجيال من النقابيين، الديمقراطية الداخلية وتحرير عمل الهياكل والقواعد من كل أشكال التصرف الفوقي، تحت أي تعلة كانت، سيكون ذا تبعاته وخيمة على مستقبل الاتحاد خاصة في ظل التعددية النقابية وفي ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية والتهديدات الناجمة عن التطورات الحاصلة في المشهد السياسي الحالي في البلاد.

هذه هي مطالب الشغالين

إن البلاد مُقدمة على مرحلة شبيهة بالفترة السابقة من حيث الخيارات الاقتصادية والاجتماعية. هذا ليس مجرد ادعاء أو حكم على النوايا بقدر ما هو استنتاج موضوعي ومنطقي لما تواتر من مؤشرات في خطب وتصريحات رموز الفريق الذي سيمسك بدواليب الحكومة والدوائر التابعة لها. فالخيارات الاقتصادية المرتقب اتباعها ستكون كسابقتها خيارات رأسمالية مرتبطة أشد الارتباط بالخارج منخرطة في العولمة وفق ما تقتضيه المعاهدات الدولية المالية والاقتصادية والسياسية التي عقدها بن علي والتي شددت حركة النهضة وحلفاؤها على احترامها ومواصلة الالتزام بها بل والانضباط لمقتضياتها. هذه الخيارات التي أنتجت الفقر والبطالة وتدهور المقدرة الشرائية والتفاوت بين الجهات وتردي الخدمات العمومية والاجتماعية وظروف العمل ستعيد إنتاج نفس المشاكل والمظاهر مهما كانت الإجراءات الترقيعية التي من الممكن أن تتخذ في بداية ولاية الحكومة الجديدة بدوافع انتخابية وتمويهية. هذه القضايا التي هي في قلب اهتمامات الاتحاد سيتعين على المؤتمر معالجتها ومواجهتها بروح نضالية جديدة وبخطط عمل تختلف عما ساد في المؤتمرات السابقة.

إن المؤتمر مدعو إلى إحداث نقلة نوعية في ذهنية وتفكير النقابيين والقيادات الجهوية وبالأخص القيادة التي ستسفر عنها العملية الانتخابية في موفى أشغاله. هذه النقلة التي من دونها لن يستطيع الاهتداء إلى وضع خطة نضال واضحة ودقيقة وقابلة للتحقيق. وبلغة أخرى مطلوب من المؤتمر أن يضع الحجر الأساس لتوجه نضالي جديد للاتحاد في الفترة القادمة حتى يفرض جدارته في تمثيل العمال في تونس دون سواه وأن يضع حدا للتشرذم التنظيمي الذي دشنته المنظمات والهياكل الموازية نتيجة الغضب من أخطاء القيادة والهياكل ومغالطة قادة مشاريع التعددية. ولعله حاصل اليوم لدى كل النقابيين الغيورين على الاتحاد أن لا سبيل لمعالجة التعددية النقابية المعالجة القويمة إلا بتحويله إلى منظمة ديمقراطية ومناضلة ومستقلة بحق.

ملامح القيادة الجديدة

كثيرا ما أثرت الحسابات الانتخابية سلبا على مجريات المؤتمرات الوطنية للاتحاد فيقع ترجيح الصراعات من أجل الفوز بمقعد في القيادة على الصراع حول البرامج والمضامين. ومن العوامل المغذية لهذه الظاهرة النظام الانتخابي القديم الذي أفرز من جملة ما أفرز البقاء في كرسي القيادة لفترات طويلة نجمت عنها نظرة بيروقراطية للعمل النقابي مبنية على استغلال الموقع القيادي لقضاء مآرب وتحقيق أهداف شخصية خاصة على حساب المصالح الجماعية للمنخرطين وعموم العمال.

ولعله من حسن الحظ أن يكون المؤتمر القادم متحررا نسبيا من هذا الضغط بفعل تطبيق الفصل العاشر للقانون الأساسي للاتحاد. هذا الفصل الذي جرى ما جرى بخصوصه ولولا الثورة لما كتب له أن يلقى مجراه للتطبيق.

غير أنه وعلاوة على ذلك سيكون من الضروري أن يقع انتخاب قيادة جديدة على أسس مغايرة تماما لما كان يحف باختيارها في السابق. قيادة تكرس وحدة القوى المناضلة في الاتحاد بعيدا عن عقلية المحاصصة، تتألف من خيرة الكفاءات القادرة على تقديم الإضافة والتي تحوز على ثقة غالبية المؤتمرين، يتوسمون فيها التجسيد الفعلي لاستقلالية القرار النقابي والدفاع بأمانة على مطالب الشغالين والتكريس المبدئي للديمقراطية. قيادة تتعهد بمراجعة الهيكلة مراجعة جذرية من شأنها أن تدخل على عمل الهياكل وكل الفعاليات داخل المنظمة الدينامية اللازمة. قيادة متشبعة بقيم الديمقراطية والحداثة والتقدم منفتحة حقا وعلى المجتمع المدني تنتصر مبدئيا لقضايا التحرر الوطني والاجتماعي وفي طليعة النضال من أجل البند الأول للقانون الأساسي للاتحاد.

جيلاني الهمامي



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني