الصفحة الأساسية > البديل النقابي > معضلة الديمقراطية النقابية في الاتحاد العام التونسي للشغل
وجهة نظر:
معضلة الديمقراطية النقابية في الاتحاد العام التونسي للشغل
14 كانون الثاني (يناير) 2009

أقدمت المركزية النقابية للاتحاد العام التونسي للشغل، في الأيام الأخيرة، على تغيير المسؤوليات في الاتحاد الجهوي بتونس وإيقاف توفيق التواتي الكاتب العام عن النشاط النقابي، وتعيين هيئة مؤقتة، وتغيير أقفال المقر وغلق بعض مكاتب الاتحاد في وجه الأعضاء المساندين للكاتب العام ، ثم أوقفت الهيئة المؤقتة بدورها عضوين من المكتب. فوقع شلّ نشاط أكبر اتحاد جهوي في ظرف تحتاج فيه المنظمة إلى خيرة مناضليها للاستفادة من طاقاتهم النضالية وتوظيف حنكتهم وخبرتهم، وتدعيم الوحدة الداخلية لمواجهة الطوارئ الخارجية. ولكن حسابات البيدر تختلف عن حسابات الحقل. تسببت المركزية إذن في خلق أزمة ستكون مضاعفاتها خطيرة على مسيرة الاتحاد المتعثرة أصلا. وهكذاعادت قيادة الاتحاد إلى التنصيب الذي اقترن بالتيجاني عبيد بعد 26 جانفي 1978 أو"بشرفاء" محمد مزالي بعد سنة 1985. وبهذه المناسبة الأليمة نحاول أن نتبين حال الديمقراطية في هذه المنظمة غريبة الأطوار. فماذا نعني بالديمقراطية النقابية؟ وهل مورست في الاتحاد العام؟

1 – في الديمقراطية النقابية

ليست الديمقراطية النقابية بنودا وفصولا يتضمنها النظام الداخلي والقانون الأساسي للاتحاد ويحتكم إليها النقابيون أثناء حدوث إشكالات واختلافات وقراءات متباينة لبعض الفصول فحسب بل هي ممارسة يتم تكريسها يوميا لحماية المنظمة النقابية من انحرافات المسؤولين وتجنيبها القرارات الفردانية. وهي أيضا تمكين النقابيين من التعبير عن آرائهم المختلفة وعدم تجريم الرأي الآخر، واحترام إرادة القواعد والالتزام بمقررات هياكلها، كما أنها انتخابات نزيهة وشفافة بدءا بتحديد النيابات، مرورا بسير الجلسات الانتخابية وانتهاء عند نتائج الاقتراع. فالديمقراطية النقابية هي إذن عقلية تُكتسب وإيمان راسخ بعظيم دورها وجليل قيمتها في تطوير عمل المنظمة وتدعيم إشعاعها. تلك هي أهم سمات الديمقراطية النقابية. فكيف تجلّت في الممارسة اليومية في الاتحاد؟

2 – الديمقراطية النقابية في الاتحاد

قد لا نجانب الحقيقة إن قلنا إن قيادات الاتحاد المتتالية ظلّت تدوس الممارسة الديمقراطية منذ أكثر من نصف قرن، وقد لا نبالغ إن قلنا إن الصراع الذي خاضه النقابيون الديمقراطيون منذ سبعينات القرن العشرين لم يحقق الشيء الكثير وإن الحصاد هزيل رغم التضحيات الجسيمة، وإن موضوع الديمقراطية النقابية لايزال مطروحا إلى اليوم. والمطلع على تاريخ الاتحاد يلاحظ أن التعامل مع المسألة الديمقراطية عرف فترتين. فبم تميزت الفترة الأولى؟

أ – الفترة الأولى: 1956 - 1970

هي فترة قِوامها انتساب كل قيادات الاتحاد إلى الهياكل الحزبية الرّسمية، والتفريط في استقلالية القرار النقابي، وتأجيج الصراعات الشخصية والبحث عن تحقيق المصالح الفردية. فقد كانت الصراعات بين فلول البيروقراطية النقابية فوقية إمّا لتصفية حسابات شخصية وإمّا لضمان قيادة أكثر طواعية لخدمة مصالح شق من البيروقراطية ومصالح السلطة الرسمية والدوائر المالية الدُوليّة. وقد تميّزت هذه الفترة بكثرة المؤتمرات الاستثنائية منها والعادية، والتنصيب والعزل، وعزل المُنصَّبين وتنصيب المعزولين، والحسم الفوقي بعيدا عن هياكل الاتحاد وقواعده بل إن السلطة الحاكمة كانت المتصرف الأول في شؤون المنظمة. وإن الاستعراض الموجز لمحطات حاسمة من تاريخ الاتحاد لكفيل بتدعيم كلامنا. فقد اُنتُخب أحمد بن صالح أمينا عاما للاتحاد إثر انعقاد المؤتمر السادس أيام 20 /21 /22 ديسمبر 1956. لكنه عُزل ونُصّب مكانه أحمد التليلي في مؤتمر استثنائي عُقد في 22 سبتمبر 1957 إرضاء لشق الحبيب عاشور الذي رفض لوائح المؤتمر السادس وناهض مضامينها المتناقضة مع برنامج السلطة والتي تحمل تصورات أحمد بن صالح "الاشتراكية" بل إن عاشور غضب لأن ترتيبه كان في آخر القائمة فأسّس اتحادا موازيا سمّاه "الاتحاد التونسي للشغل". وقد دعمته السلطة الحاكمة ووفرت له المقر ثم عقدت مؤتمرا استثنائيا تولى إثره التليلي قيادة الاتحاد فاستمرّ أمينا عاما لمدتين نيابيتين امتدتا من سنة 1957 إلى سنة 1963 غادر إثرهما الاتحاد والبلاد مغضوبا عليه. وقد جعل التليلي الاتحاد، خلال هذه الفترة، هيكلا من هياكل الحزب الحاكم، وأصبح هو عضوا في الديوان السياسي. ولكن يبدو أن التكتلات داخل الاتحاد والحزب الحاكم والزعامات المتصارعة ورفض التليلي هيمنة الحزب المطلقة على الاتحاد ورغبته في المحافظة على هامش من حرية التحرّك وإيمانه بجدلية الديمقراطية والتنمية كلّها عوامل عجّلت برحيله، فأزاحته السلطة في المؤتمر التاسع الذي انعقد في شهر مارس 1963 ونصّبت مكانه الحبيب عاشور الذي لم يطل بقاؤه. فقد تولّى قيادة الاتحاد في فترة سيطرت فيها رؤية أحمد بن صالح على سياسة البلاد وخضعت فيها المنظمات الوطنية لهيمنة الحزب الحاكم فأُحيت ضغائن قديمة وبرزت تباينات نقابية ظلت دفينة منذ مؤتمر 1957(الصراع بين جماعة عاشوروجماعة ابن صالح)، وتعلّلت السلطة بحادثة الباخرة لتقيل عاشور وتزج به في السجن قبل أن يكمل مدته النيابية ( هناك من يرى أن السبب الحقيقي هو رفض عاشورقرار مؤتمر بنزرت (أكتوبر 1964 ) تحويل "المنظمات القومية" إلى خلايا مهنية تابعة للحزب الحاكم: انظر الرسائل المتبادلة بين الحبيب عاشور ومحمد الصياح الأمين العام للحزب آنذاك في كتاب "كما يكون النقابيون تكون النقابات لبوبكر لطيف عزيز ص325- 327). فكان المؤتمر العاشر استثنائيا أوصل البشير بلاّغة، والي تونس آنذاك، يوم 31 جويلية 1965 إلى الأمانة العامة ثم أُعيد انتخابه أمينا عاما مرّة أخرى في المؤتمر الحادي عشر المنعقد في أوت 1969. إلاّ أنّ هذه المدة النيابية الثانية لم تتجاوز السنة الواحدة. فقد فشلت سياسة التعاضد ودُشن مسار سياسي واقتصادي واجتماعي جديد يحتاج إلى قيادة جديدة. ومن ثم تمت الدعوة إلى مؤتمر استثنائي في 29 ماي 1970 ونُصب الحبيب عاشور من جديد دون محاسبة من أذنب في حق الاتحاد.

تلك هي خصائص الفترة الأولى: مؤامرات ودسائس، صراعات فوقية وولاءات حزبية وتغييب للقواعد العمالية والأطر النقابية والممارسة الديمقراطية، بيروقراطية ضعيفة ومطيعة تربّت في مدرسة الرأي الواحد وتطبّعت بطباعها تُقال تارة وتُنصّب طورا لكنّها ظلت دوما طيعة بين يدي السلطة بل إنها كانت جزءا من جهاز الحكم. إلا أن أطراف الصراع ومحاوره ستتغير في فترة السبعينات.

ب – الفترة الثانية: 1970 – 2008

يمكن تقسيمها إلى مرحلتين:

أوّلا- من سنة 1970 إلى 2006 : طرأ منذ بداية السبعينات عنصر جديد لم تقرأ له المركزية النقابية أي حساب. فقد تعزز الاتحاد بجيل نقابي جديد وطاقات مناضلة متشبعة بالفكر التقدمي ومؤمنة باستقلالية المنظمات الجماهيرية وديمقراطيتها والعمل النقابي القاعدي، ومناهضة للأساليب الزجرية التي تتبعها قيادة الاتحاد في ذلك الوقت والتي بدأت تستهدف المناضلين الديمقراطيين. وقد نبهت نقابة التعليم الثانوي لذلك في مؤتمر 1974. ومما جاء في لوائح هذا المؤتمر:"...واستمرار المطالبة بالممارسة النقابية القاعدية والديمقراطية ورفض معاقبة النقابيين وحل المكاتب والإيقاف عن النشاط النقابي لإرضاء السلطة ومحاصرة النقابيين الديمقراطيين" (الرأي عدد 329 –ص 9 – الجمعة 12 جويلية 1985)، وهكذا تمحورت مطالب هؤلاء النقابيين حول استقلالية القرار القطاعي واحترام إرادة الهياكل الوطنية المناضلة والتي ما فتئت تتباين من قيادة الاتحاد التي اعتادت مركزة القرار النقابي والتحكم فيه. لكن هذه الرؤية اصطدمت برؤية القيادة المتكلسة المتحجرة والمرتبطة باختيارات السلطة ومعاداتها كل نفس ديمقراطي، ومن ثم فُتح فصل جديد في تاريخ الاتحاد. فبقدر ما كانت قيادة الاتحاد تقبل الإقالة وترضى بالعزل وتخضع لأحكام السجن بدون جلبة ولا ضجيج أضحت شرسة وعدوانية تجاه هياكل وقطاعات تخالفها الرأي. فاستأسدت وتسلّطت وتجبّرت وضربت موعدا مع التجريد والإقصاء في كل عشرية. وكانت البداية مع قطاع التعليم الثانوي سنة 1975. فقد أقرّت نقابة التعليم الثانوي في هيئتها الإدارية المنعقدة يومي 7 و8 ديسمبر 1974 إضرابا حدد ليوم 28 جانفي 1975. ونادت اللائحة بجملة من المطالب من بينها إرجاع الزملاء الذين حوكموا لأسباب سياسية إلى سالف أعمالهم. لكن هذا الموقف أغضب قيادة الاتحاد لأن الدفاع عن القضايا السياسية ومساجين الرأي لا يلزمها. لذلك أعلنت هذه القيادة حل مكتب نقابة التعليم الثانوي يوم 20 جانفي 1975 أي 8 أيام قبل تنفيذ الإضراب (انظر "حقائق عن توقيف نقابة التعليم الثانوي"- جريدة "الشعب" عدد 257 السبت غرّة فيفري 1975 –ص1). ورغم ذلك فقد نفذ الأساتذة الإضراب الذي ترتبت عليه عدة قرارات زجرية منها تجميد النقابة العامة عن النشاط وتوقيف النقابات الجهوية بكل من تونس وسوسة والقيروان والكاف، ونقلة المسؤولين النقابيين تعسفا من تونس إلى الجهات الداخلية والتشفي منهم بتواطؤ مفضوح بين قيادة الاتحاد ووزارة التربية. وتمعن قيادة الاتحاد في التنكيل بالقطاع فتكوّن مكتبا مؤقتا للقطاع قوبل بالمقاطعة والتنديد بالتنصيب وعزل المنصبين، ولم يعقد أساتذة التعليم الثانوي مؤتمرهم إلا يوم 10 أفريل 1976. وهكذا بقوا بدون هيكل وضاعت مصالحهم لمدة سنة و4 أشهر، وهذا أكبر دليل على شراسة هذه القيادة ومعاداتها لأي نفس معارض لتوجهاتها ولأي رغبة في دمقرطة المنظمة.

ولكن ما إن تجاوزت هذه القيادة أزمة حتى خلقت أزمة جديدة. فقد جاء في جريدة "الشعب" بتاريخ 14 ماي 1976 (ص1) مايلي: "كما درس المكتب التنفيذي ملف النقابة القومية للتعليم التقني ولاسيما ما بادرت به من عمل مناف لمبادئ الاتحاد وقيمه ومضر لمصلحة الشغالين والمصلحة العليا للبلاد. وبناء على ذلك قرر المكتب التنفيذي إيقاف هيئة النقابة المذكورة عن كل نشاط نقابي وإحالتها على لجنة النظام". وجُمّد نشاط هذه النقابة وأُغلق مكتبها ولم تعد إلى سالف نشاطها إلا بعد أن تم تحوير في المسؤوليات أصبح بمقتضاه أحمد الكحلاوي كاتبا عاما مكان محمد الهادي التواتي حسب ما جاء في جريدة "الشعب" بتاريخ 17 سبتمبر 1976. وهكذا يؤكد المكتب التنفيذي للاتحاد، مرة أخرى، أنه لايؤمن بالرأي المخالف، وأن مصالح القطاعات لا تعنيه.

وكنا نتصور أن قيادة الاتحاد ستستفيد من أزماتها وستتجنب إضعاف الهياكل المناضلة خاصة بعد المحنة الكبيرة التي عاشتها بعد 26 جانفي 1978، ولكنها ستعود مرة أخرى إلى التجميد والتجريد غير مبالية بمصالح القطاعات المتضررة من هذا السلوك. وتُعدّ سنة 1984 من أسوإ سنوات الاتحاد. فقد شخّص الطاهر الهمامي أمراضها قائلا :"فهذه هياكل نقابية تُجمّد عن النشاط ومقراتها بدار الاتحاد تُشمّع، وهذا طرد نقابي بالجملة (24 مسؤولا من قطاع الثانوي: أعضاء المكتب الوطني وأغلب نواب الهيئة الإدارية الأخيرة)، وهذه هياكل وعناصر تسمح لنفسها بتقديم وشايات وتقاريرإدانة في مناضلين من هياكل وقطاعات أخرى (تقرير جامعة البريد أثناء إضراب قطاعها...)، وهذه مؤتمرات تسرع وتبطئ بحسب الحسابات الضيقة، وأخرى ينبثق عنها هيكل منتخب ثم سُرعان ما يوضع " في الحنديرة" لأنه خارج عن القطيع، وهلمجرا من مظاهر الاعتلال التي أضحت تنهك المركزية النقابية وتنخر كيانها." ( انظر دفاعا عن الديمقراطية النقابية ماي 1984 – ماي 1985 – دار النشر للمغرب العربي – ص 7). وأصل المشكلة هو أن قطاع التعليم الثانوي عقد هيئة إدارية وعبر عن رفضه – في لائحة داخلية - لاتفاقية 13 أفريل التي أجل بمقتضاها الإضراب المقرر في الوظيفة العمومية دون استشارة القواعد. فكانت حملة التجريد التي مست في البداية قطاع التعليم الثانوي عنيفة وقاسية ثم شملت اليسار النقابي، وأفرغت القطاعات المناضلة من أفضل مناضليها، واستعمل الأمين العام أقذع النعوت والعبارات المشينة والمهينة مع هؤلاء النقابيين المتمردين على جبروته. وقد ظل قطاع التعليم الثانوي بدون هيكل يدافع عن مصالحه حتى جانفي 1985 تاريخ انعقاد المؤتمر الاستثنائي وإفراز هيكل جديد مناضل رغم مراهنة المركزية النقابية على عناصر موالية لها.

إن هذه الأحداث تؤكد الغياب التام لأبسط أشكال الممارسة الديمقراطية في صلب الاتحاد وتسلط قيادته وتحجر تفكيرها، وسيتعرض الاتحاد مرة أخرى لأزمة حادة وهو منهوك القوى. فقد تم الاعتداء عليه وتفكيك هياكله بعد أن عاش أزمتين في ظرف وجيز: أزمة أعضاء المكتب التنفيذي السبعة الذين غادروا الاتحاد في نهاية سنة 1983 وأسسوا اتحادا موازيا سموه "الاتحاد الوطني للشغل بتونس" وأزمة اليسار النقابي الذي تعرض لحملة عنيفة وشرسة في سنة 1984. وقد تكفلت السلطة بالإجهاز على ما تبقى خلال سنتي 1985 و1986. فعاش الاتحاد محنة جديدة على أيدي "الشرفاء" الذين نصبهم مزالي.

وتنتهي فترة الثمانينات باستعادة الاتحاد هياكله وانعقاد مؤتمر سوسة (17/18/ أفريل 1989) الذي أوصل إسماعيل السحباني إلى الأمانة العامة. فكانت فترة التسعينات فترة حالكة في تاريخ الاتحاد، فترة السنوات العجاف والحكم الفردي وتسلط الأمين العام الذي فاقت تجاوزاته كل الحدود. فقد كثرت خلافاته مع أعضاء من المكتب التنفيذي ومن الهيئة الإدارية وجامعة البريد أساسا. واحتد الصراع بينه وبين أحمد بن رميلة المسؤول عن المالية وعبد المجيد الصحراوي وخير الدين بوصلاح وأحيانا محمد الطرابلسي، وطرد أحمد بن رميلة أمين المال، وكانت محاصرة القوى المناضلة والرافضة لنهجه البيروقراطي المتسلط السمة المميزة لهذه الفترة بل إن ما أقدم عليه أحيانا لم يتورع عنه الحبيب عاشور أيام غطرسته وجبروته. فقد وصل به الأمر إلى الزّجّ بالنقابيين في السجن (النجار والجيلاني الهمامي...) انطلاقا من وشاية ومكيدة مدبرة إثر رواج عريضة تطالب بالشفافية في تصرف أموال الاتحاد. أما مافعله مع جامعة البريد وكاتبها العام الجيلاني الهمامي فسيظل وصمة عار في جبينه وكابوسا يطارده حيا وميتا (إنهاء التفرغ النقابي، نقلة إلى حي الزهور، طرد من العمل..) . يقول الجيلاني الهمامي: "في 9 أكتوبر 1994 جمد المكتب التنفيذي كافة أعضاء الجامعة العامة للبريد عن النشاط النقابي ولم تعد لهم أية صفة نقابية وأعطى الضوء الأخضر كي تتخذ الوزارة كل ما تراه صالحا فأوقفت تفرغ كاتبها العام الذي ليس غير شخصي البسيط وكذلك تفرغ الأخ محمود الشطي ونقلته إلى مكتب البريد بالمروج 2 ونقلت الأخت ليلى حازم ورفعت شكوى عدلية ضد الأخ سالم صيود وأحالت الأخ مصطفى التونكتي على مجلس التأديب وطردت الأخ محمد جوابلية" ( مقال: رد من الأخ الجيلاني الهمامي – "الشعب" عدد 607 – السبت -2 جوان 2001 –ص 7). وكان حل جامعة البريد نتيجة رفضها إعادة هيكلة القطاع. وفي هدا المقال معطيات كثيرة عن ممارسات السحباني وتزكية المكتب التنفيذي المحيط به-إلاّ قلة- ودوس الديمقراطية النقابية بكل صلف.

ورغم الخدمات الجليلة التي قدمها السحباني للسلطة فإن نهايته كانت تراجيدية إذ فتح الملف المالي – لسبب أو لآخر- فبانت تجاوزاته واختلاساته التي لاتعد ولاتحصى فأُودع السجن وفتحت القيادة ملف "التصحيح النقابي". فكان كلمة حق أريد بها باطل، وكانت الأفعال مناقضة للأقوال. ففي الوقت الذي تتحدث فيه القيادة عن"التصحيح" كانت تدوس قانون المنظمة بامتياز. وأكبردليل على ذلك ظروف انعقاد مؤتمر نقابة التعليم العالي والبحث العلمي يومي 27/28 أكتوبر 2001 . فقد عقدته المركزية رغم أنف الرافضين لعقده ودون حل جملة من المشاكل الداخلية العالقة، وثبّتت القيادة المنبثقة عنه رغم انسحاب أغلب النواب المشاركين في المؤتمر، وقدمتها إلى وزارة الإشراف رغم الكم الهائل من الكتابات المنددة بحيثيات المؤتمر وأصرّت على إدخال القطاع في نفق مظلم رغم التحذيرات المتتالية. وهكذا صمّت المركزية آذانها فبان بسرعة أن شعار "التصحيح" شعار مزيف. لكن لجنة النظام تفطنت فجأة إلى أن مؤتمر أكتوبر شابته إخلالات فوقع حلّ المكتب (انظر البيان الصادر عن الأمين العام المساعد المسؤول عن النظام الداخلي بتاريخ 02 أفريل 2002 والذي عدّد فيه مبررات حل المكتب). وهكذا عالج المكتب التنفيذي الخطأ بالخطإ وزاد الوضعية تعقيدا ودفع مصطفى التواتي إلى الالتجاء إلى القضاء الذي ظل يتلكأ عن إصدار حكم إلى اليوم. وفي الحقيقة إن الأزمة التي اندلعت في القطاع سببها الحقيقي غياب الممارسة الديمقراطية في الاتحاد وتحكيم المصلحة الآنية الضيقة.

والغريب في الأمر أن قيادة الاتحاد لا تتعظ بالأحداث ولا تعتبر بالتاريخ. فقد ظلت تنفذ ما يخدم مصالحها متصورة أن الاتحاد ملكية خاصة تتصرف فيها كما تشاء. وقد ازدادت تسلطا منذ مؤتمر المنستير لذا خصصنا هذه الفترة بفقرة خاصة.

ثانيا- مؤتمر المنستير ومضاعفاته

عرف مؤتمر المنستير نقاشا حادا وصراعا قويا بين معسكرين اثنين متقابلين: معسكر يريد أن ينقلب على مقررات جربة وخاصة الفصل العاشر المتعلق بتحديد مدد النيابات في المكتب التنفيذي (مدتان اثنتان فقط)، ومعسكر يريد أن يثبّت المدتين النيابيتين. وقد تزعم المعسكر الأول علي رمضان وعبد السلام جراد( نشير إلى أنهما يتحملان المسؤولية في المكتب التنفيذي منذ المؤتمر السادس عشر المنعقد في 15/16/17/18/ ديسمبر 1984)، وهما يريدان بذلك المسؤولية مدى الحياة. ومنيت محاولات هذا المعسكر بالفشل. ولكن ما إن أصبح علي رمضان مسؤولا عن النظام الداخلي حتى شرع في تصفية الحسابات والثأر من خصومه النقابيين. فظل يفتح الملف تلو الملف، وقد ثقلت موازينه خلال سنتين اثنتين فقط وأصبح يذكّرنا بخيرالدين الصالحي المسؤول عن النظام الداخلي في فترة السبعينات والملقّب بـ"أرتيكل كاتورز"Article 14" - " - (نسبة إلى الفصل 14 من القانون الأساسي للاتحاد المصادق عليه في المؤتمرات المنعقدة في تلك الفترة. ومما جاء فيه أنه يخول للمكتب التنفيذي وحتى الأمين العام إيقاف عن النشاط النقابي كل منخرط أو مسؤول يرتكب مخالفة تمس بمبادئ ومصلحة الاتحاد...). فما إن أكمل ملف التعليم الأساسي وتجميد بعض المسؤولين النقابيين (هناك من جمّد لمدة خمس سنوات) حتى فتح ملف الاتحاد الجهوي ببنزرت فجمد كاتبه العام لمدة خمس سنوات، ثم حرم الكاتب العام للاتحاد الجهوي بنابل من الترشح للمكتب التنفيذي (مؤتمر 21 جويلية 2008 ) في آخر لحظة وجمّد عدنان الحاجي بإيعاز من الاتحاد الجهوي بقفصة. وأخيرا تفرّغ لملف الاتحاد الجهوي بتونس. وهو ملف معقّد ومتعدد الجوانب والأبعاد وقيادة الاتحاد تدرك ذلك جيدا. فمن يسيطر على جهة تونس يسيطر تقريبا على ما يقارب ربع النيابات (95 لجهة تونس من 468 في مؤتمر المنستير2006 على سبيل المثال)، ويضمن لنفسه إمكانية النجاح في المكتب التنفيذي، ومن يقود جهة كجهة تونس بحنكة كبيرة يكتسب إشعاعا وحظوة لدى النقابيين يؤهلانه للارتقاء إلى مناصب قيادية أرقى، ومن يلفّ حوله النقابيين يستمد منهم شرعية تغنيه عن تزكية المركزية النقابية في المحطات الهامة. وإذا أضفنا إلى كل ذلك تزعم توفيق التواتي في مؤتمر المنستير قائمة منافسة لقائمة البيروقراطية النقابية التي لاتؤمن بالمنافسة وتحصله على 157 صوتا في حين تحصل محمد شندول الذي جاء في آخر الترتيب على 191 صوتا نفهم لماذا تصرّ المركزية على إزاحته من طريقها (هناك معلومات أخرى شافية ضافية يجدها كل من يطلع على مقال الجيلاني الهمامي المعنون: ما يجري في الاتحاد الجهوي بتونس ليس في صالح أحد، ومقال علي الزايدي: في الاتحاد الجهوي للشغل بتونس: إيقاف الكاتب العام مؤقتا عن النشاط النقابي - جريدة "الصباح" بتاريخ 1 جانفي 2009، ومقال محمد الحمروني: أزمة حادة في الاتحاد الجهوي بتونس – جريدة "الموقف" بتاريخ 2 جانفي 2009). فغايتها هي إذن التخلص من كل من يريد دمقرطة المنظمة وتطويرها للتحكم في مصيرها وتطويعها لخدمة المصالح الفئوية الضيقة والجهوية المقيتة والتحالفات المشبوهة التي تتجاوز الاتحاد وقد ترسم وجها آخر للبلاد إن نجحت في خطتها. ولكن إن كانت المسألة ذات طابع مالي فإننا نقترح ما يلي (رغم إدانتنا بشدة الأسلوب الذي اتبعته لجنة النظام والمسؤول عن النظام الداخلي):

3- المقترحات

أ- الدعوة وبإلحاح إلى انتداب محاسبين ماليين مهمتهم مراقبة مالية الاتحاد باستمرار وبانتظام لتجنب الإخلالات المالية ولعدم مراكمة الأخطاء عن قصد أو عن غير قصد.
ب- فصل الملفات المالية المثيرة للجدل عن قسم النظام الداخلي وجعلها من مشمولات الأمين العام المساعد المسؤول عن قسم المالية فقط وتسويتها هناك حتى لا تُتّخذ وسيلة للتشفي من الخصوم النقابيين.
ج- إن ثبتت تجاوزات مالية في قضية الحال فمن الضروري فتح ملفات أخرى أُشير إليها أكثر من مرّة بدءا بأعضاء المكتب التنفيذي مرورا بالكتاب العامين للجامعات والنقابات العامة وانتهاء عند الاتحادات الجهوية والمحلية.
د- فتح ملف الديمقراطية النقابية في الاتحاد الآن وقبل فوات الأوان ورفع شعار التمسك بالمدتين النيابيتين ومزيد تكريس الممارسة الديمقراطية القاعدية (كتابة المقالات، إمضاء العرائض، التنديد بالأسلوب المتبع من قبل المسؤول عن النظام الداخلي منذ مؤتمر المنستير) لسحب البساط من تحت أقدام الساعين إلى الانقلاب على القرارات القاعدية متذرعين بالملفات المالية، والتصدي لمناوراتهم وألاعيبهم بكل حزم.
هـ- إحداث فراغ حول العناصر المنصّبة في الاتحاد الجهوي، ومقاطعتها واعتبارها عناصر "شريفة" متواطئة مع البيروقراطية النقابية، والتنديد بكل من يتعامل معها.

وفي الختام نستطيع أن نقول إن معركة الديمقراطية شاقة وتحتاج إلى طول النفس والمبدئية كما تحتاج إلى الإيمان الراسخ بها وبدورها في المنظمات الجماهيرية. وعلى النقابيين الغيورين على الاتحاد أن يقتنعوا اقتناعا راسخا بأن تثبيت المدتين النيابيتين هو مدخل أساسي إلى إحداث تغيير جوهري في مسيرة الاتحاد لأن المسألة الديمقراطية مفتاح استقلالية القرار ونضالية الاتحاد.

علي بن صالح


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني