الصفحة الأساسية > البديل النقابي > من الاتحاد العام إلى الاتحاد الكونفدرالي : مشروع رؤية نقابية ديمقراطية
من الاتحاد العام إلى الاتحاد الكونفدرالي :
مشروع رؤية نقابية ديمقراطية
6 آب (أغسطس) 2010

تقديم

يمثل مسار إنتاج رؤية نقابية ديمقراطية مظهرا من مظاهر معركة الديمقراطية النقابية التي تتهيؤ المعارضة النقابية الديمقراطية لخوضها في سياق صراعها مع البيروقراطية النقابية المهيمنة على مقدرات الإطار التنظيمي للحركة النقابية التونسية.إن توافق مكونات المعارضة النقابية الديمقراطية على رؤية مشتركة لمستقبل العمل النقابي ذي الهوية الديمقراطية يشكل في ذاته حدثا تاريخيا يعكس حالة تطور علاقات القوة داخل المنظمة كما يعكس درجة النضج التي أدركها تيار المعارضة النقابية الديمقراطية وقدرته على تجسيم ارتقائه لموقع التأثير و الفعل و الإسهام من موقع متقدم في ضبط سير الأحداث و الوقائع النقابية و امتلاك زمام المبادرة عبر وضع الخصم في زاوية منطق الدفاع و التبرير.

عناوين إشكاليات الحركة النقابية التونسية

لقد كرست التجربة الراهنة للتنظم النقابي بعد ما يفوق الثماني عقود من العمل النقابي استمرار معاناة الحركة النقابية التونسية ضمن مربع جدلية الديمقراطية و الاستقلالية على معنى تواصل فقدان القدرة على تعبئة المكونات الأبرز للحركة العمالية من خلال تجذّر الممارسة النقابية الديمقراطية في أفق الترفيع في مكتسباتها و إرساء أسس و قواعد تحصينها من خلال قدر معقول من التناسب بين مكانتها الاجتماعية الرفيعة و دورها الوطني وهي ما سنطلق عليه المفارقة النقابية التونسية. فقدان القدرة على ترجمة المكانة الاجتماعية الرفيعة لدور وطني فعال في التأثيرـ حصريا من زاوية مصالح الشغالين ـ على اتجاه تطور الاختيارات الاقتصادية و الاجتماعية للبلاد و في مستوى الحقوق و الحريات الفردية و العامة في اتجاه ضمان مكاسب الحركة العمالية و حمايتها و تطويرها يشكل في تقديرنا مدار الصراع الذي خاضته و تخوضه طلائع النضال الوطني و الاجتماعي صلب الطبقة العاملة التونسية منذ ما يزيد عن القرن من الزمن.

نقد الرؤية السائدة

و فيما يبدو نموذج التنظم النقابي السائد (نموذج الاتحاد العام) أحد عوامل كبح تطور مردود الحركة النقابية على الحركة العمالية باعتبار استلهامه خصائص النظام السياسي القائم استراتيجيات و سياسات و هيكلة الأمر الذي جعل من الاتحاد العام التونسي للشغل ضمن مسار تاريخي/اجتماعي طويل و معقد إطارا للضبط الاجتماعي و السياسي أكثر منه فضاء للنضال النقابي، تبدو أطروحة التأسيس التي ذهب إليها بعض النقابيين مع الإقرار طبعا بالحق في التنظم على خلفية حقوقية متينة تبدو قد قفزت على حقيقة الوعي العمالي و كرست الإرادوية و تجاهلت الإمكانيات التي لا يزال يتيحها العمل في إطار الاتحاد العام التونسي للشغل ضمن رؤية العمل على الانتقال من الاتحاد العام إلى الاتحاد الكونفدرالي.

يكمن الخلل ضمن إطار نظام السلطة في الاتحاد العام التونسي للشغل و بالاعتماد على القانون الأساسي و النظام الداخلي و مختلف تراتيب ممارسة السلطة المترتبة عن ذلك يكمن في النفوذ و التأثير الذي تمتلكه بغير وجه حق الهياكل فوق قطاعية (غير القطاعية) المجمعة للقطاعات (مجالسا و هيئات) تحت وصاية الهيئات القيادية التنفيذية (المكتب التنفيذي المركزي و الموسع و الجهوي و المحلي) وهي الصيغة المبهمة التي يعبر عنها و يكثفها مصطلح الاتحاد العام الأمر الذي أدى إلى تكريس المسؤولية النقابية للقطاعات (شرعية انعقاد هيئة إدارية قطاعية ترتبط بحضور عضو من المكتب التنفيذي) أمام المكاتب التنفيذية و ليس العكس و ذلك في غياب أي درجة من درجات الرقابة و المساءلة حيث يفتقد القانون الأساسي و النظام الداخلي الراهن للاتحاد لآليات و تراتيب ممارسة الوظيفة الرقابية بين مؤتمرين على الهيئات القيادية التنفيذية كما تؤكد المعالجة المقارنة للمعطيات الإحصائية المتعلقة بتواتر و انتظام اجتماعات هياكل المداولة المجمّعة للقطاعات (المجلس الوطني و الجهوي و مجلس القطاعات) أو هيئات المداولة القطاعية (الهيئات الإدارية القطاعية و المجالس الوطنية القطاعية) مقارنتها مع تواتر و انتظام الاجتماعات المتعلقة بالهياكل القيادية التنفيذية تؤكدـ مع الأخذ في الاعتبار اختلاف الصلاحيات ـ وجود عدم تناسب واسع المدى بين أنشطة الصنفين من الهياكل لصالح المكاتب التنفيذية كما يؤكد اختصاص المكتب التنفيذي المركزي دون سواه بالإحالة على لجنة النظام و الإذن بصرف اعتمادات "الإنفاق" على العمل النقابي واعتماد تأشيرته في تحديد قائمات ناخبي المؤتمرات و مقاييس التنويب واحتكار الإعلام النقابي حقيقة نظام صنع القرار النقابي داخل المنظمة القائم على تجاوز سلطة القطاع و تكريس شكل من أشكال "السلطة العمومية النقابية" المزعومة سواء تعلق الأمر بالقضايا الجارية أو الملفات النقابية ذات الصبغة العامة (الجباية/الصناديق الاجتماعية/التشغيل/التنمية الجهوية/الخدمات العمومية الخ...) ويدرك الفراغ القانوني ذروته و بالتالي تداعياته على حصيلة العمل النقابي في افتقاد القانون الأساسي و النظام الداخلي للاتحاد لقواعد و هياكل و آليات قانونية ثابتة للمفاوضات الاجتماعية مقاييسا و محاورا و خططا بالنظر لدوريتها بما يحدد مسؤولية كل طرف باعتبارها أبرز لحظات تجسيم مردودية الحركة النقابية على الحركة العمالية طيلة العقدين الأخيرين على الأقل أي منذ جولتها الأولى خلال سنة 1990 .

مقترحات للإصلاح

يشكل المجلس الوطني و الجهوي و المحلي للقطاعات باعتبارها هياكل نقابية كونفدرالية في تقديرنا مدار نظام السلطة ومحور تشكل و صنع القرار النقابي بين مؤتمرين داخل المنظمة (برلمان المنظمة) حيث يتشكل وطنيا على أساس ممثل منتخب من قطاعه بحساب عضو عن أصغر عدد منخرطي قطاع بما يعني تمثيل القطاعات وفق عدد منخرطيها (أصغر قطاع في المنظمة يضم مثلا 10آلاف منخرط يمثله في المجلس الوطني للقطاعات عضو منتخب،40 ألف يمثل بأربعة أعضاء منتخبين الخ...مع اعتبار تجاوز نصف عدد منخرطي أصغر قطاع عضوا كاملا) بما يدفع القطاعات لضبط خطط توسيع دائرة الانخراط و الترفيع في درجة التأطير النقابي للحركة العمالية و خاصة في القطاع الخاص ويمكن تعميم نفس المقياس في تشكيل المجلس الجهوي و المحلي على أن تجتمع المجالس الوطنية و الجهوية و المحلية للقطاعات 4 مرات في السنة و عند الضرورة لتقيم النشاط السابق و ترسم خطط و ملامح اللاحق من عملها في إطار الاتجاهات التي يحددها المؤتمر الوطني أو الجهوي أو المحلي مع التنصيص على تشكيلها انتخابيا لهيئاتها التنفيذية و التأكيد على مسؤولية مكاتبها التنفيذية أمامها و تعميم نظام الدورتين في تحمل المسؤولية النقابية في الهياكل القطاعية و الكونفدرالية كما تتقاسم القطاعات تكلفة و أعباء الإنفاق على العمل النقابي في مستواه الكونفدرالي بنفس الفلسفة في أفق تكوين موازنة كونفدرالية.

أما في المستوى القطاعي فإن فك الارتباط القانوني و المالي و الإداري بين الهياكل و الآليات فوق القطاعية الراهنة مع النقابات العامة و الجامعات العامة يتطلب أن ينتخب كل قطاع لجنة نظامه و لجنة رقابته على أمواله بما يجعل القطاع يمارس سيادته كاملة غير منقوصة على فض النزاعات النقابية الداخلية لديه كما يتصرف في مقدراته المالية مع التأكيد مثلما سبق على ضرورة التضامن القطاعي في تحمل الأعباء المالية كمدخل للترفيع في تجسيم مبدأ التضامن العمالي.

و على الأساس القطاعي المشار إليه في مستوى نظام السلطة النقابية يقع التخلي عن المجلس الوطني و الهيئة الإدارية الوطنية و المكتب التنفيذي الموسع المنصوص عليها راهنا و تحدد صلاحيات المكاتب التنفيذية المركزية و الجهوية و المحلية و بصرامة على أساس مسؤوليتها أمام مجالس القطاعات في المستويات الوطنية و الجهوية و المحلية كما يقع التخلي عن لجنة النظام التي لعبت دور أداة تصفية الخصوم باعتبار أن الذاكرة النقابية الحالية على الأقل لا تسعفنا بحالة واحدة لنقابي أحيل عليها وهو في توافق مع قيادة الاتحاد من حيث سياسات تسيير المنظمة و طرق عملها و نفس الشيء فيما يتعلق بلجنة المراقبة المالية التي شكلت غطاء لتزكية ما يطلب منها.

قضايا الحركة العمالية التونسية

إن الهيكلة مهما بلغت من النجاعة و المردودية لا يمكن أن تؤمن وحدها الترفيع في الدور الوطني المنشود للاتحاد ما لم تقترن بالعمق المطلوب و الكفاحية الاجتماعية اللازمة من خلال إعادة الاعتبار لمختلف الأشكال النضالية العمالية في طرق الإشكاليات الحقيقية للحركة العمالية التونسية التي يشكل الحق النقابي أحد أبرز عناوينها حيث يطرح على الحركة النقابية النضال من أجل سن قانون الحقوق و الحريات النقابية وتقنين الحوار الاجتماعي و الحق في المفاوضة و إخراجها من دائرة "المزاج السياسي الرسمي" و إدراجها ضمن دائرة الحق المنظم بالقانون و تجريم كافة مظاهر الهشاشة الاجتماعية في ميدان التشغيل (استقرار العمل/المناولة/التغطية الاجتماعية/نظام التأجير الخ...) و معالجة الحيف الجبائي الذي يكرسه النظام الضريبي السائد منذ سنة 1990 و ذلك في أفق تحيين العتبات المالية لسلم قاعدة الخصم من المورد و تعميمه قصد تفعيل تقاسم الأعباء الجبائية على كافة الفئات و الشرائح و الطبقات الاجتماعية و مكافحة التهرب الجبائي في مستوى النظام التقديري و النظام المحاسبي تحديدا و معالجة أزمة نظام أنظمة الضمان الاجتماعي واستبعاد المنظور المالي السطحي لتجنب حصر المسألة في نظم التقاعد و تدهور الخدمات العمومية و في مقدمتها نظام التأمين على المرض و طرح قضية التباين الجهوي و التشغيل.

خـــــاتمة

إن مسؤولية المعارضة النقابية الديمقراطية في المرحلة الراهنة جسيمة لأنها في مفترق طرق مصيري: فإما أن تفرض ملامح معادلة اجتماعية جديدة تفتح أرحب الآفاق لترجمة المكانة الاجتماعية الرفيعة للاتحاد العام التونسي للشغل إلى دور وطني فعال من خلال إسهاماتها في معالجة أزمة الديمقراطية النقابية و من ثمة ضمان استقلالية الاتحاد عن الحكم أو تكريس الاندراج ضمن مشهد التجديد للاستبداد و إن عراقة التجربة التاريخية النقابية و ثراء الحركة النقابية التونسية بالإطارات و الكوادر المؤهلة للعب الدور المنشود لكفيل برفع التحدي.

06 أوت 2010

محمد الهادي حمدة


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني