الصفحة الأساسية > البديل النقابي > نهاية زمن الاسترخاء على الكراسي
في عدم قانونية المؤتمر الاستثنائي غير الانتخابي:
نهاية زمن الاسترخاء على الكراسي
28 تشرين الثاني (نوفمبر) 2010

بقلم الأستاذ فوزي بن مراد

لم أكن – في حقيقة الأمر- متحمّسا للمساهمة في النقاش الدائر حول الفصل 10 من القانون الأساسي والنظام الداخلي للاتحاد العام التونسي للشغل، إلاّ أن الأمر، أصبح يتجاوز إلغاء الفصل أو إبقاءه... بل أضحى البعض يحاول خلق حالة من الانفصال والقطيعة بين الاتحاد والمجتمع.

تنامت في الفترة الأخيرة، وفي صفوف النقابيين، ظاهرة العرائض والمقالات في الصحافة الورقية - حصريا في جريدة الموقف - أو الصحافة الالكترونية تدافع عن المضمون الديمقراطي للفصل 10... ونتيجة لذلك، برزت عقلية جديدة داخل هياكل الاتحاد رافضة النقاش العلني في هذا الموضوع ومعتبرة هذه العرائض مرفوضة «لأنها تتعرض لمسائل داخلية يجب ألا تناقش خارج الأطر والهياكل النقابية المسيّرة للاتحاد ذلك أن عرض هذه المسائل على العموم قد يجد فيه أعداء الاتحاد فرصة للإساءة للمنظمة" [1].

إن من خصائص التجربة التاريخية التونسية، أنه لا يمكن فصل تاريخ الحركة النقابية، منذ تجربة محمد علي الحامي، عن تاريخ النضال الاجتماعي والسياسي الذي خاضه المجتمع التونسي، منذ بداية القرن المنصرم.. بل احتوى الفعل النقابي في بعض الفترات التاريخية مضامين سياسية اختزلت متطلبات المرحلة وقد جسّم ذلك في أبهى مظاهره الزعيم الوطني فرحات حشاد... كما عرف الاتحاد في محنه العديدة مساندة كل الحركات السياسية، التي تمسكت بقياداته الشرعية وسيادة قوانينه، في مواجهة سياسة الانقلابات والاحتواء... كما كان الاتحاد الحضن الدافئ الذي حمى عديد المناضلين – نقابيين أو غيرهم – من قساوة القمع و شراسة الملاحقات... وكان كذلك محضنة للتنوّع الفكري والسياسي ورائدا في الدفاع عن قيم الحرية والديمقراطية – ليس للنقابيين فقط – بل للجميع... إذ جاء في لوائح المؤتمر الخامس للاتحاد تمسّك النقابيين وإصرارهم على «الكفاح إلى جانب الشعب بتمامه من أجل إرساء نظام سياسي ديمقراطي قائم على التمثيل الشعبي».

إن رصيد المنظمة الشغيلة التاريخي، أدّى إلى قيام علاقة حميمة بينها وبين شرائح واسعة من المجتمع ولو لم تكن منخرطة في العمل النقابي... فما يجري داخلها أو ضدها يهم الجميع...

يحدّد القانون الأساسي أو الداخلي للاتحاد صلاحيات كل الهياكل النقابية وطرق البلوغ إليها والتداول عليها وأساليب ممارستها ومراقبتها وشروط انعقادها ولا يخرج الفصل 10 عن هذا الإطار العام... وإن ما ورد به من تسقيف تحمّل المسؤولية النقابية بالمكتب التنفيذي لدورتين فقط كان استجابة لإرادة النقابيين في مؤتمر جربة 2002 وتمّ الإصرار على تثبيت ذلك في مؤتمر المنستير2006.

إن النقابيين في مؤتمر جربة 2002 بقدر رغبتهم في إنقاذ منظمتهم من الترهل وذلك بمنحها جرعة من الديمقراطية بقدر ما كانوا يعبّرون في نفس الوقت عن تطلعات مجتمعهم الذي يردّد - ولو همسا – "نهاية زمن الاسترخاء فوق الكراسي".

فعلى ماذا ينص هذا الفصل الذي تحوّل إلى وحش كاسر يسعى العديد إلى اغتياله والتنكيل بجثته؟

جاء فيه ما يلي: «يتركب المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل من ثلاثة عشر عضوا يتم انتخابهم من قبل المؤتمر العام بالاقتراع السري لمدة 5 خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة»... عبارات واضحة وصريحة ولا تحتاج إلى أيّ تأويل أو تفسير.

فكيف السبيل إذن للتخلص من هذا الفصل الذي لا يجيز لأغلبية أعضاء المكتب التنفيذي الحالي تجديد ترشحاتهم ويمنع كذلك في المستقبل من تشكل بيروقراطية جديدة تعيق تطور الاتحاد؟.

في بادئ الأمر تم تحريف وقائع مؤتمر المنستير 2006 والادعاء بأنه فوّض إلى المجلس الوطني أمر النظر في هيكلة الاتحاد ومنها مراجعة الفصل العاشر... وقد تمّ التصدي لهذا السيناريو بشدة وتفنيده [2] ممّا أجبر أصحاب هذا التمشي إلى التخلي عنه. غير أن هناك سيناريو ثانيا وقع تداوله بكثرة في الفترة الأخيرة في الساحتين النقابية والإعلامية والمتمثل في عقد مؤتمر استثنائي عير انتخابي يكون عنوانه البرّاق "إعادة الهيكلة" وهدفه الرئيسي التخلص من الفصل 10. فهل تسمح بذلك قوانين الاتحاد؟ إن إلحاح كثير من النقابيين أنّ المؤتمر الاستثنائي بصيغته غير الانتخابية هو الفرضية الوحيدة المتبقية أمام القيادة لتحوير الفصل العاشر مع ضمان حقها في الترشح هو الذي يدفعنا هنا إلى النظر في قانونية أو عدم قانونية هذا المؤتمر.

تنقسم المنظومة القانونية للاتحاد العام التونسي للشغل إلى فرعين هما القانون الأساسي والنظام الداخلي وما يلفت الانتباه أن أغلب الفصول في كلا الفرعين تتميّز بالإطالة والإطناب غير المجديين فضلا على افتقادها للدقة الواجبة عند صياغة النصوص القانونية مما يجعلنا مضطرين إلى تجنب سرد الفصول برمتها.

يعتبر المؤتمر أعلى هيكل في الاتحاد مما يجوز معه اعتباره برلمان النقابيين إذ يقع صلبه مناقشة التقريرين الأدبي والمالي للمكتب التنفيذي المتخلي والتصويت عليهما من طرف النواب... وله كذلك سلطة سيادية متمثلة خاصة في انتخاب هيئة ذات وظيفة مزدوجة تسييرية من جهة وتنفيذية لمقرراته من جهة ثانية تدعى المكتب التنفيذي... وللمؤتمر كذلك - وهو الاختصاص الذي يهمنا في هذا المقال - سلطة تشريعية للقوانين الأساسية والداخلية المنظمة للاتحاد سنا وتعديلا... ونظرا لأهمية هذا الهيكل واتساع صلاحياته أطنب القانون الأساسي أو النظام الداخلي في تحديد آجال وشروط انعقاده.

وبالرجوع إلى النصّين المذكورين أعلاه سنجد مؤسسة المؤتمر تأخذ صيغتين مختلفتين إمّا صيغة المؤتمر الوطني العادي وإمّا صيغة المؤتمر الوطني الاستثنائي... وإذا انعقد المؤتمر سواء في صيغته الأولى (العادية) أو صيغته الثانية (الاستثنائية) فإن القانون الأساسي أو النظام الداخلي يفرض وجوبا على المكتب التنفيذي الوطني فتح باب الترشح لمدة عشرة أيام كاملة كما ينتخب نواب المؤتمر قبل بداية الأشغال عدة لجان أهمها لجنة فحص النيابات ومراقبة فرز الأصوات فهذه الموجبات فرضها المشرعون للقانون الأساسي والنظام الداخلي كلما انعقد المؤتمر مهما كانت صيغته عادية أو استثنائية... بل ولمزيد التأكيد على أن غايتهم تنحو هذا المنحى تم التعرض لصيغتي المؤتمر في نفس الفصل دون وجود أيّ فرق بينهما سوى إجراءات الدعوة لعقد المؤتمر وهي حسب الفصل الخامس من النظام الداخلي مركبة في حالة المؤتمر الاستثنائي نظرا لصبغته الاستثنائية ونظرا لما يحيط به القانون هذه الصيغة من شروط مشددة للتمكين من عقده إذ يصدر الطلب أولا عن ثلثي أعضاء المجلس الوطني الذين يمثلون أغلبية المنخرطين على قاعدة التمثيل النسبي عملا بأحكام الفصل الثامن من نفس النظام. وبعد التحقق من قانونية الطلب من قبل لجنة النظام تدعو الهيئة الإدارية إليه مع تحديد أجلي الإجرائين الأخيرين. هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن الصيغة الاستثنائية كانت دائما محكومة بظروف خاصة وخطيرة تستوجب عقده على وجه السرعة ودون انتظار انتهاء المدة النيابية ولغايات انتخابية أولا وقبل كل شيء. وتجد هذه القراءة جذورها في تاريخ الاتحاد الذي "عرف منذ تأسيسه أربعة مؤتمرات استثنائية وهي على التوالي:
- المؤتمر السابع لتعويض أحمد بن صالح بأحمد التليلي (سنـة1957)
- المؤتمر العاشر لإزاحة الحبيب عاشور وتعويضه ببلاغة (سنة 1965)
- المؤتمر الثاني عشر لإرجاع حبيب عاشور وإزاحة بلاغة (سنة 1970)
- المؤتمر الخامس عشر ليعوّض مؤقتا نور الدين حشاد - التيجاني عبيد حتى مؤتمر قفصة
وقد عرفت هذه المؤتمرات تدخلا سافرا ومباشرا من الحزب الدستوري لفرض قيادة على قياسه..." [3] وكانت والحالة تلك جميعها انتخابية بل بإمكاننا القول أن مهامها الانتخابية العاجلة هي التي فرضت عقدها... مع التذكير لإكمال الجدول السابق أن الأمين العام الحالي وجانبا من أعضاء المكتب التنفيذي قد صعدوا إلى دفة التسيير في انتخابات مؤتمر جربة 2002 الاستثنائي بدوره والذي لا يختلف عن غيره من المؤتمرات الاستثنائية التي كانت دائما وأبدا نتيجة أزمة حادة مستعصية استوجبت تغيير القيادة حسبما تقتضيه متطلبات المرحلة من جميع جوانبها السياسية وغيرها...

فإذا كانت هناك رغبة حقيقية في إعادة هيكلة الاتحاد بما يتلاءم مع حجمه التنظيمي ودوره الوطني دون محو الفصل 10 فإن ذلك لا يتحقق إلا في مؤتمر عادي غير استثنائي عملا بأحكام الفصل 86 من النظام الداخلي الذي نص على أنه «لا يجوز تنقيح القانون الأساسي للاتحاد العام التونسي للشغل إلا من قبل المؤتمر الوطني...» ولم يشأ واضعو قوانين الاتحاد – وهم على صواب – جعل طرح مسائل تنظيمية وقانونية للنقاش في مؤتمرات استثنائية قد تحكمها ظروف وملابسات مشحونة كما أن الدفاع عن الفصل 10 يهمّ كافة الديمقراطيين داخل الاتحاد أو خارجه لما يمثله من آلية ديمقراطية تنظم التداول على المسؤولية في أكبر منظمة في البلاد مما يتجه تصويب أحكامه نحو جميع الهياكل المسيرة للإتحاد حتى يظل دائما يمثل نبض المجتمع.

الموقف بتاريخ 26 نوفمبر

هوامش

[1جريدة الشعب – 09/10/2010

[2أنظر المقالات المنشورة بجريدة الموقف والمحررة من طرف السادة عبد السلام الككلي في 19/09/2010 – فرج الشباح في 24/09/2010 – جيلاني الهمامي في 29/10/2010

[3قراءة في تاريخ الحركة النقابية " حمة الهمامي– دار النشر صامد ماي 1989 ص 36


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني