الصفحة الأساسية > البديل الوطني > أحداث قفصة، بين الواقع... وأراجيف النظام
وثيقة:
أحداث قفصة، بين الواقع... وأراجيف النظام
10 كانون الثاني (يناير) 2010

تعودنا هذه الأيام ذكرى أحداث قفصة المسلّحة والتي نعيد فيها نشر النص المطوّل الذي ورد على صفحات عدد جوان/جويلية 1980 من جريدة "العامل التونسي" والذي جاء غنيّا بالتفاصيل والمواقف. وإن كنّا قد نختلف جزئيا مع ما ورد في هذا النص من مواقف فإننا نورده كاملا.

بالأمس القريب بكى سيادة الوزير الأول بدموع اللوعة ضعفه وضعف مؤسساته أمام "عصابة" مُغيرة يعدّ أفرادها على رؤوس الأصابع. واليوم وبعد طول انتظار انهار تحت قوة المستعارة التي أراد أن يغطي بها ضعفه. أنهد تحت وطأة رجال المطافي الذين استنجد بهم دونما اكتراث بحقيقتهم الكاملة حيث أنه لم يتصوّر أنهم عند الحاجة لا يتردّدون في تقديمه قربانا لألسنة اللهيب التي جاؤوا لمحاربتها، والمسكين لم تنفعه وهو يسقط فخامة تلك التزكية في المؤتمر العاشر للحزب الدستوري: "صفّق يا سي الهادي صفّق..." ربما تذكرها بمرارة وهو يهوي، لكن أخلاق العجوز الماكر يا سيادة الوزير الأول هي الأخلاق الميكيافلية، وأنت أدرى الناس بذلك، "إن الذي يفشل يجب أن يدفع الثمن" لقد قالها بورقيبة!

وطبعا كالعادة فشل نويرة ولم يفشل بورقيبة. فشل بن صالح ولم يفشل بورقيبة. فقد هرع القائد المعصوم إلى العاصمة عائدا من نفطة، ودفع على جناح السرعة بوجهه المتذلل وبدليل عجزه، الحبيب بورقيبة الابن، إلى عواصم الولاية والوصاية طلبا للنصيحة والتعليمات لمواجهة هذه الورطة. لكن حذار أيها العجوز الماكر أن تعيد علينا مهزلة سنة 1970 هذه المرة. فإنك سوف لن تثير إلا السخرية والامتعاض وستكون أُضحوكة في أعين الناس.

وإذا ما أضفنا إلى هذه اللوحة الباكية حالة البيادق الآخرين في الحكومة الذين أذهلتهم العملية وما تبعها. سنجد أنفسنا حقا أمام مشهد مكدر: أصفرّ وجه طبقتنا الحاكمة بعد أن احمرّ من الحمق على عملية قفصة. كما تطوّر شعور الكمبرادور وكبار البورجوازيين والعقارين من الفتور وعدم الاطمئنان إلى الشعور بعدم الثقة في مسيريهم. و لكن لماذا فجأة هذا الارتباك وهذه الورطة السياسية. بعد أن كانت المظاهر تذكر بالأيام السعيدة للنظام إثر ما ظهر من استعداد لدى معظم الرجعيين لعقد حلف غير مقدس ضد الثوريين خوفا من المصير الأظلم الذي ينتظرهم والذي بانت لهم معالمه لوهلة من الزمن من خلال عملية قفصة.

إن الحالة التي انقلبت إليها أوضاع الطبقة الحاكمة هي ظاهريا حالة ضدّ منطق الأشياء. إذ كان من المفروض أن تتيح لها مغامرة قفصة أولا فرصة ليس لتمرير الزيادة المشطة في الأسعار فحسب بل وحتّى لزياد إثقال الفاتورة وثانيا فرصة لرصّ صفوف الرجعية كما ذكرنا.

هذه العلامات قد ظهرت في الواقع لكنها سرعان ما اضطربت مع ما أصاب الفرقة الحاكمة من تأزم الأحوال خاصة منذ انهيار الوزير الأول.

فما الذي حصل ياترى؟!

التعلاّت الواهية ماذا تخفي؟

إن الأخطاء تكبل مرتكبيها وتساعد على إظهار الحقيقة

وهكذا فإن سلسة الشوائب والأغلاط السياسية والعسكرية التي وقعت فيها الرجعية الحاكمة في مواجهتها لعملية قفصة هي التي قادتها إلى هذا المنحدر وهذه "الهزيمة" وهي التي تفسّر حالتها التي أصبحت تدعو إلى الرثاء. فعند أول امتحان بسيط برز العجز الفكري لهذا النظام في تقدير الأوضاع الواقعية وبرزت حدود قدرة رجاله وأجهزته على مواجه الشدائد.

فحال ما علموا بالخبر انتابهم الهلع وسيطر على أعصابهم الرعب فجاءت نظرتهم إلى الحادثة وكيفية مواجهتهم لها مكيفة إلى حدّ بعيد بهذه الانفعالية العمياء. وهكذا هوّلوا كلّ شيء واختلقوا الروايات الكاذبة لتبرير الجرائم والإهانات المرّة التي ألحقوها بالشعب التونسي. وبعد أيام من الصمت قضوها في التمعن والتبصّر في الأمر وفي استقصاء الحقيقة - كذا! - طلعوا علينا مثلما كانوا متوقعا بأن حادثة قفصة هي اعتداء خارجي مباغت وموصوف قامت به عصابة من المرتزقة لصالح النظام الليبي. كان مخططها وهدفها احتلال مدينة قفصة بالاعتماد على عشرات فرق الكومندوس التي سيقع تشكيلها من أبناء قفصة ذاتها وعلى الشعب الغاضب الذي سيلتحم بها إثر أول طلقة. ثمّ الاستنجاد بعد ذلك بقوات النظام الليبي لفكّ الحصار والاستيلاء على المناطق الأخرى حتى ينتهي بهم المطاف إلى قلب نظام الحكم الدستوري. وقبل أن ننظر في حقيقة هذه العملية ذاتها نريد التوقف عند هذه الرواية والنظر من خلالها في ما لم تكن حقيقة هذه العملية، لأن في ذلك مساعدة كبيرة على إظهار حقيقتها الفعلية فضلا عن إبراز فشل الرجعية في التصدّي لها وتفسير حالة الكدر التي هي عليها الآن.

ولنبدأ أوّلا بمسألة الاعتداء المباغت وبإبراز المعاني التي يريد النظام شحنها في هذا الوصف محاولة منه لستر أعواره. إنها كانت فعلا عملية مباغتة لكن هل يغني الإقرار بذلك عن الوقوف عن الحقائق الهامّة التي كشفت عنها؟

إنها أوّلا عجز أجهزة المخابرات المتنوّعة المصالح عن دقّ جرس الخطر المناسب رغم انتشار مخالبها في مختلف الأوساط التونسية المهاجرة بأوروبا وليبيا ولبنان وغيرها علاوة على شبكاتها المراقبة لأنشطة الثوريين داخل البلاد.

وهي ثانيا عجز قوات الأمن عن حماية المدينة رغم حالة الاستعداد التي كانت عليها عشية ذكرى جانفي وفي ظرف كان فيه رئيس الدولة يوجد في إحدى مدن هذه الولاية. لكن "الله غالب" وعذرهم أنهم كانوا ينتظرون العدو من الجنوب فداهمهم من الغرب.

وهي ثالثا وخاصة الحالة المزرية التي كانت عليها استعدادات ومعنويات الجيش التونسي مقابل القدرة القتالية العالية للثوّار التي أصبحت حديث أهالي البلاد والتي جعلت من الصعب على الجيش وقوات الدرك الفرنكو-مغربية القضاء عليهم في الأوقات المطلوبة رغم قلّة عددهم.

إنّ النحيب والغصّة الذين انتابا نويرة وهو يتحدث إلى الإطارات الدستورية في العاصمة مباشرة إثر العملية لم يكونا منبعثين من الشفقة على الأبرياء الذين كانوا سيسقطون لو قذفت طائراته مقاتلي الكومندوس الموجودين فوق سطوح المنازل والعمارات الآهلة بالسكان - وهو ما سمّاه بصعوبة المعطيات الجغرافية - بل أن مبعثها كان مرارة الهزيمة والشعور بالضعف أمام "كمشة" من المقاتلين. إنها عملية تغطية للحالة المختلّة التي وجد عليها النظام دفاعه عند الامتحان.

والقضية هنا ليست قضية عتاد وتخلف معدات كما تحاول أوساط الدعاية الغربية تقديمها من خلال تقديرها للجيش التونسي إثر هذه التجربة، بل إن المشكل يوجد في درجة الاستعداد التي كان عليها الجيش وفي معنوياته المهزوزة بالدرجة الأولى. فهناك فرق شاسع بين إطلاق النار على العزّل والأبرياء وبين مواجهة مجموعة مسلحة، ولو كان عددها قليلا يحدوها عزم الثائر ضد الظلم والاستغلال. هناك فرق شاسع يا سيادة الجبان!

وحتى إذا قبلنا جدلا صعوبة المعطيات الجغرافية - أي اضطرار الجيش إلى توخي الحذر كي لا يلحق أضرارا بالمتساكنين لاسيما وأنهم لم ينظمّوا إلى الثوّار - فإن الأمر يتعلّق بعملية حسابية بعيدة كل البعد عن أخلاق المسيح وحبّ الخير للناس التي حاول نويرة التظاهر بها كذبا وبهتانا.

إنّ هذه الحجة الواهية لا تفسّر أسباب تعاسة الوزير الأول بل تهتمّ بنتائجها كالعادة. فهي لا تفسّر تمكن الثوّار على السيطرة على مدينة قفصة لمدة من الزمن بل تفسّر مصاعب الجيش في مواجهة هذه الحالة بعد حدوثها. لكن بقي لنويرة ملجأ أخير لتفسير هذه الحالة ألا وهو عنصر المباغتة الذي يتعامل معه وكأنه قدر محتوم لا حول ولا قوة على الاتقاء منه ودرئه. فيكفي حسب ظنه أن يصرّح بأن أعضاء الكومندوس اعتمدوا على أسلوب المباغتة حتى تفسر كل الأشياء الباقية. إنّ فشل الحكومة وعجزها أصبح حديث العامة من الناس فعلى من تريد كتم السر يا هذا؟

"المرتزقة" يا لسخرية الزمن!

لكن للتقدّم في مناقشة رأي سيادة الوزير الأول ورأي حكومته حيث يقولون إنّ عملية قفصة قام بها مرتزقة تونسيون لحساب النظام الليبي لا يتمالك المرء نفسه عن طرح السؤال بسرعة: من هم المرتزقة الحقيقيون؟ إنّه من المخجل ومن المضحك في ذات الوقت أن يصف هؤلاء الخونة بالذات أولئك المقاتلين الشرفاء المنتسبين علانية لليوسفية والناصرية في الارتزاق على حساب الشعب والتمعّش في قضاياه العادلة. فيكفي التذكير بجذورهم الممتدة في تاريخ الكفاح الوطني ضد الاستعمار الفرنسي ثمّ وخاصة ضدّ الصفقة البورقيبية الفرنكو-أمريكية الاستعمارية الجديدة حيث كان لهم شرف إشهار سلاح النضال ضدّ المعاهدة الخيانية في سنة 1955 : معاهدة الاستقلال الداخلي المزيف المتمخّضة عن تلك الصفقة الغادرة. يكفي التذكير بهذه الأصول المُشرّفة حتّى ندرك المكانة التي يحتلّها هؤلاء المناضلون في مسيرة النضال التحرّري لشعبنا وندرك عدالة وسلامة القضية التي ربطوا بها حياتهم. وحتى العملاء الحقيقيون أنفسهم وعلى رأسهم العميل الأكبر لم يتحرّجوا عن التذكير بالأطوار المؤلمة للحركة اليوسفية التي ربطوا بها العملية الأخيرة وذلك في شئ من الاعتداد الكاذب عملا بالأسلوب السخيف: التذكير بانتصار قديم على خصم أوقع بهم فضيحة سياسية عسكرية اليوم.إنّ عروقهم مغروسة في بلادنا وهم متواجدون على ساحة الكفاح قبل ظهور القذافي، وبالرغم من حساباته الخاصة وبصرف النظر عن الأسلوب المغامري والأقلّي الذي توخوه في كلّ أعمالهم فقد برهنوا من خلال أعمالهم السابقة - مشاركة البعض منهم في محاولة انقلاب 1962 محاولات نسف مؤسسات الدولة والحزب وعمليات تسريب وتكديس الأسلحة التي قاموا بها في السبعينات - ومن خلال العملية الأخيرة أنّهم مناضلون ومثابرون في سبيل حرّية تونس ومن أجل تضامنها ووحدتها مع باقي الشعوب العربية. وبوقوفهم إلى جانب المقاتلين الفلسطينيين على إحدى أخطر ساحات عمل الفداء بجنوب لبنان أين يجد المقاتل نفسه عرضة لنيران العدوّ وعملائه من كل حدب وصوب. فإنهم يمثلون الوجه المشرّف للشعب التونسي. هذا في الوقت الذي يعمل فيه العميل الأكبر مع كل ملوك وأغلبية رؤساء العرب الآخرين على وأد المقاومة الفلسطينية وسدّ آخر منافذها. إنه من المضحك حقا بعد هذا أن يقف شخص مثل نويرة ليتهمهم بالارتزاق وخيانة الوطن وهو الذي لم يترك مجالا واحدا من مجالات حياة شعبنا دون أن يعقد فيه صفقة أو سمسرة مع أسياده الامبرياليين. فهل رأيتم وقاحة أقوى من هذه الوقاحة؟

وبعد أن سقطت كل أقنعة "الاعتدال" وعدم الانحياز وانفضت ديماغوجية الابتعاد عن الأحلاف العسكرية، تم الاستنجاد بها لمجرد حصول حادث داخلي محدود، بعد هذا هل مازلنا في حاجة إلى برهان يا سادة "المعارضة" ويا أبواق "نظرية" التحريفية البائسة والحقيرة المسماة بنظرية العوالم الثلاث.

إن حكامنا رغم بلوغهم هذا الحد من التورط مع الحلف الامبريالي الغربي لا يتورعون وبكامل الصفاقة عن ربط كل معارضة أو صعوبة اعترضت سبيلهم بالخارج. وقد بلغ بهم استعمال هذه الطريقة السخيفة والمغرقة في العمى حد اتهام تيار الإخوان المسلمين بأنهم شيوعيون متسترون بغطاء الإسلام معتقدين أنهم بذلك يضربون عصفورين بحجر واحد عندما يعتبرون من ناحية أكثر الحركات تمسكا بالتقاليد البالية ذات مصدر خارجي ومن ناحية ثانية عندما يقدمون الاشتراكية والشيوعية وكأنهما حكرا على كادحي وشغيلة بلد دون آخر. ومقاصدهم من وراء هذه المضاربات لم تعد تخفى على أحد. هذا فضلا عن محاولة توجيه الحركة الدينية ضد الثوريين والشيوعيين الماركسيين اللينيين بإثارة النعرات الرجعية وإجهاض بعض تطوراتها الجديدة. ثمّ ألم يعتبروا حركة الشباب المثقف والحركة العمالية حركات تقودها شراذم وبيادق تحركها أياد خارجية؟ ألم يعتبروا مختلف القوى والتيارات السياسية الثورية دمى تتلاعب بها القوى الخارجية وتسير حسب فكر مستورد؟

وحتى المعارضات البرجوازية التي خرجت من صلبهم كحركة ما يسمى "بالديمقراطيين الاشتراكيين" فإنهم لم يترددوا في التذكير بروابطها مع الدوائر الامبريالية التي قالوا أنها الأشد مؤازرة بالصهيونية وما بالعهد من قدم.لكن سخرية الأقدار جعلت قيادة هذه الفرقة تهرع لمعاضدة النظام الدستوري في وقت ظهرت فيه ارتباطاته مع القوى الاستعمارية حليفة - الصهيونية الأولى - بأكثر جلاء من أيّ وقت سابق. والمصاعب والأزمات الاقتصادية، ألم يعتبروا بأنها تسرّبت إليهم عبر الموانئ والمطارات، أي أنها وليدة اقتصاديات المصنعة وليست وليدة تناقضات الاختيارات والهياكل المنخرمة لنظام الاقتصاد التونسي. فكيف بعد هذا يمكن أن نترقب من ساسة النظام غير هذا النهج (ولاسيما في قضية الحال). إن العكس يكون مدهشا من جانبهم غير أن إتّباعهم لمثل هذا الأسلوب وبالشكل المرضي الذي بيّناه لا يدفع عنهم الشبهات، ففداحة سلوكهم في الحادثة الأخيرة من هذه الزاوية لا يحتاج لأيّ تعليق.

إن الاستناد على الروابط القومية لهذه المجموعة مع النظام السياسي الليبي وما تلقته من دعم وإعانة من جانبه وتقديم الأمر وكأنه اكتشاف قصد إثبات مقولة التدخل الخارجي ليس سوى تهريج وفي أحسن الأحوال حجة مردودة. فمنذ متى كان القوميون في البلاد العربية المختلفة ينتظمون بصفة مستقلة بعضهم عن بعض؟ إن علة مذهبهم تكمن في الذات في تلك الروح الاندماجية حتى لو كان ذلك على حساب الواقع العربي الموضوعي. فحزب "البعث" مثلا هو تنظيم قومي والحركة الناصرية هي تنظيم قومي، ولا ندري لماذا "القذافية" - إذا استطعنا القول بذلك - تشكّل استثناء؟ ونحن لا نثير هذا إلا لإبراز مثل هذه الحجج التي تقدم الأمور وكأنها بدع تحدث لأول مرة في حين أنهم يعرفون جيدا وجود هذه العلاقة منذ بدايتها بين عبد الناصر وصالح بن يوسف ثمّ بين القذافي وقادة "الجبهة القومية التقدمية لتحرير تونس".

وبصرف النظر عن مفعول الروابط القومية (التي سنتعرض لها لاحقا) فإننا نؤكد أن المحدد في هذا الموضوع هو معرفة:من سيقع الاعتماد عليه لبلوغ أهداف هذه العملية؟ في تخطيط الذين رسموا لها هل سيقع الاستناد على الشعب وأبنائه أم على قوات النظام الليبي؟ وللجواب على هذا السؤال الهام لسنا في حاجة إلى التحليق بعيدا فالجواب نجده في رواية النظام نفسه والتي لا بد من الإشارة إلى أن بعضها يضرب البعض الآخر إذ تقول:إن أعضاء الكومندوس المتسرّبين من الخارج هم أوّلا تونسيون وليسوا كوبيين أو ليبيين ولا غيرهم وهم قلة قليلة كانوا يعوّلون على انضمام ما يزيد عن 300 وربما حتى ألف مقاتل من مدينة قفصة (وليس من طرابلس أو من عنابة) وعلى استعداد الشعب للالتحام بهم واحتضانهم.

وهكذا وبغض النظر عن سلامة أو خطأ مثل هذا التقدير من جانبهم فإن اتجاه تفكيرهم كان الاعتماد على الشعب وعلى أبناءه بالدرجة الأولى وليس على الجيش الليبي أو على أيّ قوة خارجية لبلوغ هدفهم المرسوم. وهكذا فإن رواية النظام نفسه تخونه وتبرز بجلاء الطابع التونسي والداخلي لهذه العملية.

إلا أن احتمال تدخل النظام الليبي في وقت ما من تطور العملية وعلى النحو الذي ورد في رواية الحكومة ليس أمرا مستحيلا أو مستبعدا بصفة مطلقة (4) من الناحية المنطقية، لكن المشكل هو معرفة ما إذا كان ذلك قد حدث فعلا أو يمكن أن يحدث بما أنه لم يحدث؟

وهنا نصل إلى مناقشة أفدح خطأ وقع فيه نظام العمالة في مواجهته لعملية قفصة. فالمتمعن في روايته يدرك أن هذا الاحتمال مستبعد حسب الظروف والمعطيات الحالية، لأن وصول النجدة الليبية إلى قفصة لا يمكن أن يحصل إلا بالدخول في حرب بأتمّ معنى الكلمة مع النظام التونسي وبعد هزمه على طول مئات الكيلومترات.

إن هذا الأمر غير واقعي بالمرة لأن التناقض بين النظامين ليس في الحقيقة على درجة التفجر التي يحاول النظام التونسي الإيهام بها، ولأن الجبهة الشرقية للنظام الليبي أكثر توترا وتفجرا. وفي حالة كهذه فإن ألف باء التخطيط العسكري لا يقر بفتح جبهتين في وقت واحد خوف من فشل وهزيمتين مضاعفتين.

ويمكن هنا أن يردّ علينا أحدهم بقوله: ومنذ متى كان القذافي يعقلن أعماله بهذا الشكل؟ نجيب بأن خوف الحكومة من ناحية واستبلاه الخصم الخيالي في هذه العملية وعده اعتبار قدرته على التفكير والمراوغة من ناحية ثانية هو الذي أعمى بصيرتها ووقف دونا والتحليل الموضوعي للحادثة وقد جرّها ذلك مباشرة إلى ارتكاب أفدح إهانة لكرامة الشعب والوطن التونسيين عندما استنجدت بقوات الدرك الفرنكو-مغربية تحسبا من التدخل الليبي. وهذا العمل الشنيع يعدّ أيضا إهانة قصوى لأرواح الشهداء الذين بذلوا حياتهم فداء لهذه الكرامة ومن أجل طرد أولئك الغزاة بالذات.

إن التدخل والاعتداء الموصوف الوحيد الذي عاشه الشعب التونسي هو التدخل والاعتداء الفرنكو-مغربي على بلادنا وذلك بتواطؤ سافر مع العصابة الدستورية الخائنة للوطن. ونعتقد أنه لم يكن تهديدا واعتداء على الشعب التونسي فحسب بل أنه كان أيضا تهديدا لكافة شعوب المنطقة ولاسيما أجوارنا الليبيين والجزائريين. لقد قام حكامنا الأنذال بإحياء أمجاد عهد الحماية تحت عناوين مخجلة. فقال كشريد ذلك الهدهد المنهك "أنّ تونس ليست جزيرة معزولة إذ لها أصدقاء يقفون معها في مثل هذه الشدائد" بينما قال العميل والجبان الأول "عندما يشتعل حريق بالبيت فلا تسأل من الذي أسرع بنجدتك لإطفاء النار" والمراد من هذين الصورتين - وخاصة الثانية لما فيها من تماسك - هو التبرير المطلق لكل تدخل أجنبي. إذ يكفي أن تأخذ ألسنة اللهب في بنائه الرجعي، وسواء عنده أكان مصدرها داخلي أم خارجي فالمفيد هو إطفائها ولا يهم من يطفيها.

أن يصل نويرة حدّ بيع البلاد رجالها وخيراتها في السوق الامبريالية بالمزاد العلني وبأبخس الأثمان فليس في ذلك أية غرابة، ولكنه تجاوز اليوم كل حدود العهر والصفاقة بما عبّر عنه - من خلال سلوكه وتصريحاته - من احتقار للشعب وحقد عليه وجبن أمامه، احتقار له بعدم التفكير في الاعتماد عليه في حالة حصول اعتداء أجنبي فعلي، وأنّى لأمثاله أن يفكروا في الاعتماد على الشعب وهم الذين كانوا طرفا في كل عدوان فعلي حصل ضده لحدّ الآن. أنى لهم أن يفكروا في تسليحه وهم يدركون أن مصيرهم يصبح آنذاك غير مضمون، إنهم يخافون حتى جيشهم ولا يطمئنّون إلا إلى الشريحة العليا منه. أمّا الحقد على الشعب والجبن أمامه فإنّنا نلمسها في ارتباك النظام وذعره ووحشيته أمام كل تحرك شعي هام - ولو كان سلميا - وفي التجائه بأقصى السرعة إلى الدعم الأجنبي لمواجهة أيّ تحرّك عسكري مثلما فعل عند قمعه للحركة الوطنية المسلحة وتجريدها من السلاح ومثلما فعل لقمع العملية الأخيرة.

يرفع حجرا فيسقط على قدميه!

لكن دعوة قوات الدرك الفرنسية ليس خطأ فادحا في حق الشعب التونسي فحسب وإنّما هو أيضا خطأ تكتيكي من وجهة مصالح العصابة الحاكمة نفسها إذ وصلت بعد أن قامت القوات المغربية "باللازم" (6) فكانت ثقلا زائدا لا طائل من ورائه سوى الفضيحة.

والأنكى من كل هذا أن أهم ما قام به رجال المطافئ الفرنسيين ليس إطفاء الشرارة التي نشبت في قفصة لأنهم وصلوا متخلفين كما قلنا، وإنما هي قذفها لنويرة نفسه خارج حلبة المعركة. وقد جاءت هذه الحركة البهلوانية غير المنتظرة نتيجة للمناورة الذكية - والحق يقال - التي قام بها العقيد القذافي في اتجاه فرنسا (مع الإقرار طبعا بأنه يملك وسائل سياسية) ومع ذلك يجب الإشارة إلى أن الرابح الأول من عملية قفصة ومن الصفقة الليبية الفرنسية التي جرت على قاعدتها لم تكن ليبيا (ومفروغ منه أنها لم تكن حكومة نويرة فالأصح أنها كانت هي الخاسرة الأولى) بل كانت فرنسا على حساب البلدين والشعبين.

لقد كاد تصريح ديستان لقناة التلفزة الفرنسية الأولى الذي قال فيه: "إن فرنسا لم تتدخل في تونس وإنه ليس هناك قوة أجنبية أخرى قامت بذلك" أن يؤدي بحياة وزيرنا الأول الذي بنى كل تكتيكه على أطروحة تدخل ليبيا في تونس. سُحب البساط من تحت رجليه فهوى المسكين وذهبت كل جهوده أدراج الرياح إن لم تعد بالمضرّة عليه وعلى عصابته حيث:
- قُوبلت كلّ توسلاته ونداءاته المتمسكنة للشبيبة المثقفة والطبقة العاملة كي يساعدوه في المحنة التي حلت به وبنظامه، قُوبلت بالرفض وفي كثير من الأحيان بالامتعاض والاستنكار.
- بينما انطلق وزراءه كالأجرام الواهية باتجاه بعض العواصم في حركة دبلوماسية غير مجدية لم تقنع سوى الذين ليسوا في حاجة إلى إقناع لأنهم لا يبحثون عن غير هذه الفرص ليدعموا نفوذهم ووصايتهم على بلادنا كأمريكا والصين وفرنسا.
- أما اجتماع مجلس وزراء العرب التي كانت تونس تترقب منه على الأقل إدانة معنوية للنظام الليبي - ذاهبة لحد وضع مقر الجامعة العربية في الميزان إذا لم يحصل ذلك - فإن المناورة الفرنكو-ليبية قد خيبت المشاركين فيه وانتزعت من يدهم الحكم ليظهروا هكذا على هيئة مثيرة للسخرية والشفقة في الآن نفسه فسارعوا بترضية الطالبين والمطلوبين وعادوا إلى ديارهم والمرارة تنتاب عددا هاما من بينهم.

وأخيرا دفع انهيار الوزير الأول بآخر المعاندين الذين كانوا يضاربون بمغامرة قفصة داخل الحكومة وحتى داخل الحزب دفع بهم إلى الإقرار (دون الاعتراف بذلك علنا) بالواقع المتمثل في فشل الحكومة في التقدير السياسي لحادثة قفصة وفي انخرام كل مؤسسات النظام ابتداء بالحكومة وانتهاء بالحزب الدستوري الفاشي مرورا بالبوليس والجيش.

وأمام هذه الحالة انتاب كبار التجار الماليين والعقاريين شعور الخوف إزاء ضعف الدولة من ناحية، ومن ناحية ثانية شعور بانعدام الثقة في القيادة السياسية، هذه القيادة التي ما انفكت تتعثر من فشل إلى فشل منذ 1976/1977.

وهذا الشعور المزدوج وإرادة الجواب عليه هو الذي يشكّل اليوم الإطار والقاعدة التي تجري على أساسها المساومات داخل الطبقة السياسية بحثا عن توازن جديد للطبقات الرجعية المسيطرة. وفي هذا الصدد قد يبدو مفارقا لأوّل وهلة أن ترى في نفس الحلبة جماعة "الرأي" يتحاذون في هذه المنافسة الأخوية مع الصيّاح وعصابته. إلاّ أنه في سبيل مصلحة الرجعية القصوى كل شئ يهون بالنسبة لكليهما - كلّ من موقعه طبعا - علما بأنهما يمثلان من زاوية أسلوب ممارسة الحكم "الضدّين" الأكثر تبلورا الذين أنجبتهما الرجعية.

إنّ هذه المصلحة القصوى تقتضي في الظرف الراهن إجراء مزدوجا يعمل في اتجاهين متناقضين ظاهريا: - وفي هذا الصدد تعدّ تجربة الحسن الثاني في المغرب ملهما كبيرا لحكّامنا -
- أوّلا تقوية الأجهزة القمعية "البوليس والجيش" وهو ما يجري منذ اليوم الأوّل بصفة حثيثة جوابا على الخوف الذي انتاب الرجعية على مصيرها.
- ثانيا توخي سياسة أقلّ تصلّبا لا تستبعد بعض التنازلات المحدودة والمتحكّم فيها قصد امتصاص نقمة الجماهير التي لم تكن عملية قفصة سوى منبئ على الحدّة التي بلغتها. خصوصا وأن العصابة الحاكمة قد استهلكت كلّ الخراطيش في جعبتها وقمّة القمع ومجانيته في 26 جانفي 1978 شاهد على ذلك. ولم يبق أمامها سوى الدكتاتورية العسكرية - والقانون العرفي - وهو احتمال غير وارد الآن.

إذن ولما كانت مصلحة الرجعيّة المصون تقتضي مثل هذه الإجراءات وبحكم الموقف الدقيق الذي تمرّ به فليس هناك من بدّ أمام بورقيبة وعصابته غير قبول بعض التنازلات طالما أنها تتمّ بصفة متحكّم فيها مع العمل في الأثناء وفي ما بعد على إفراغها من كلّ مضمون. فيما أن العودة إلى الحكم لم تعد أمرا شديد الصعوبة على جماعة "الرأي" ما داموا هم أيضا لا يستسيغون أيّ تنازل أو "إصلاح" إلاّ في إطار الحفاظ على أجهزة الدولة ومؤسساتها وتدعيمها. وهكذا فإنّ الفريقين لم تعد تفصلهما سوى فوارق نسبية ليس من العسير تجاوزها في هذا الاتجاه أو ذاك حسب الظروف. خاصة بعد أن عمد بورقيبة إلى توريطهم حاليا بجعلهم يباركون إعدام مناضلي قفصة معبّرين بذلك على استعدادهم من جديد لتحمّل مسؤولية الاختيارات اللاوطنية واللاشعبية للنظام كما كانوا قد فعلوه وما بالعهد من قدم. إنّ هذه الجماعة "إذا ما عادت إلى سبيل الرشد" و"اندمجت في الصفّ" لن تكون فقط مذنبة في حقّ أولئك الذين غالطتهم بدمغجتها بل إن معارضتها لاختيارات نويرة وتحالفاته ستصبح في أنظار الناس مجرّد مزايدة ليس إلاّ لأنّها لن تفعل سوى ملء الفراغ الذي تركته بصفة نفعية.

هذا هو الوجه العاري الذي عملت الرجعية الحاكمة ومازالت على إخفائه عن الشعب، والذي كانت عملية قفصة قاعدة لكشفه وتفجيره. أمّا تحرّزات وتخوّفات المستيري ومواعدة فهي تعبّر عن إدراكهما بأنّ الأزمة أعمق من أن تُحلّ بتوزيع جديد للمناصب الوزارية والمسؤوليات داخل الحزب الحاكم، بل هي تتطلّب في رأيهما إدخال إصلاحات على النظام السياسي في اتجاه تقديم بعض التنازلات للقوى الاجتماعية والقوى السياسية المُعبّرة عنها أو المرتبطة بها. وبما أنّ توخّي سياسة إصلاحية يعدّ أمرا صعبا على النظم الهزيلة القائمة في مثل بلادنا، لأنّها تتطلّب وسائل مادية من أجل بعثها ورعايتها، فإنّ أمر هذه الجماعة سيؤول بسرعة إلى الفشل رغم ما قد تقدّمه الامبريالية من "مساعدات" لمباركة مثل هذا الاتجاه. إذ يبدو أن التعليمات والتوصيات التي عاد بها نجل بورقيبة، هذا البورجوازي "اللمبن" الذليل، من واشنطن وباريس ولندن تأمر بإتباع هذا الطريق.

لكنّ الفشل الذي أحرزه النظام في مواجهة العملية لم يحل دون استغلاله لها حتى يحقق عددا من أهدافه الرجعية.

فقد واجه هذه العملية بشراسته المعهودة فقتل وجرح العشرات من المواطنين وروّع الشعب وخاصة أهالي مدينة قفصة خلال ما سمي بعمليات التمشيط بحثا عن السلاح والمناضلين بينما طلب من الناس أن يتحوّلوا إلى مخبرين سيطر عليهم جوّ من الريبة وانعدام الثقة.

وقد استغلّ النظام هذه العملية لفكّ عزلته الداخلية فتحت شعار "مواجهة العدوان الأجنبي" على مدينة قفصة سعى إلى إثارة الروح الشوفينية الضيّقة وحرّف نقمة الشعب التي أحاطت به من كل جانب لتوجيهها ضدّ ليبيا باسم "الدفاع الوطني" معتبرا كلّ مطالبة بتحسين الحالة المادية والاجتماعية للعمال وبقية الشغيلة "جريمة" و"خيانة في حق الوطن" - هكذا! -

لم تكفه الزيادة الاستفزازية في أسعار مواد الاستهلاك الواسع التي قام بها عشيّة ذكرى 26 جانفي بل سعى إلى ابتزاز أموال الشعب تحت عنوان تعزيز القدرة الدفاعية للوطن في وجه العدوان الخارجي الوهمي وهذا يعني مطالبة الشعب البائس بكل وقاحة بدفع ثمن زيادة إحكام قبضة جلاّديه عليه، فلا يكفي أن تقع تقوية أجهزة النظام القمعية - البوليسية العسكرية والإدارية - بل يجب أن يدفع الشعب ثمن ذلك أيضا. وزاد النظام في ارتباطه بالإمبريالية إلى حدّ أنّه لم يعد يتحرّج من التبجّح بذلك. وتمكّن النظام جزئيا من تحقيق بعض أهدافه الرجعية فسارعت إلى نجدته بعض الفرق الرجعية والانتهازية "المعارضة" بينما وقع جزء لا يستهان به من الرأي العام تحت تأثير دعايته السامة في حين عاشت الأجزاء الأخرى اضطرابا في اتجاهاتها في وقت كانت تستعدّ فيه لمواجهة هجوم الرجعية الاستفزازي على مستوى معيشتها المتواضع.

لماذا تباينّا ومازلنا نتباين مع عملية قفصة؟!

إنّ دحضنا لمختلف التشويهات التي أحاطت بها الحكومة وأذيالها هذه العملية وكشفنا للفشل والتأزّم الذين منّي بهما النظام في مواجهتها وشجبنا للجرائم التي اقترفها النظام ضدّ الشعب والوطن لا تشكّل بالنسبة إلينا دافعا لمساندة هذه العملية أو تأييدها كأسلوب نضال بالمرة.

فهذه العملية رغم بريقها تبقى عبارة عن مغامرة انتحارية مضرّة أشدّ الضرر بالقوى الثورية. وقد قاد إلى هذه النتائج وهذا الفشل تقديرات ذاتية ومتهوّرة أيضا لحقيقة الأوضاع العامّة بالبلاد ولا سيّما لحالة استعداد الجماهير ولقوّة النظام وضعفه وكذلك للقوّة الحقيقية لأصحاب هذه العملية أنفسهم.

وهذه العملية لئن كانت وليدة الظروف والوقائع التونسية بالدرجة الأولى - كما حاولنا تبيان ذلك من خلال دحض أطروحة "العدوان الخارجي" - حيث جاءت كردّ فعل و"كثورة" انفعالية وبدائية على الاستغلال والظلم والإرهاب العنيف الذي أصبح يعانيه شعبنا أينما وجد في مكان العمل أو الدراسة في الشارع وحتى البيت، ثمّ كانتقام للأرواح الشريفة التي سقطت في 26 جانفي تحت رصاص الغدر والجبن الدستوريين وانتقام لكل ضحايا حملات البطش المتتالية بأبناء وبنات شعبنا. إذن لئن كانت -وبمعنى محدد - وليدة الظروف الخصوصية للمجتمع التونسي فمن الواضح أنها كانت خاصة وليدة القفز على هذه الظروف. فتخطيط العملية لم يخضع لدراسة هذه الظروف بقدر ما خضع للرغبات الذاتية لمن قاموا بها حيث تصوّروا أنّ الناس وخصوصا أهالي قفصة سيساندونهم وهم على أتمّ استعداد لحمل السلاح في وجه النظام بمجرّد استماعهم لأوّل رصاص، وأنّ النظام على قاب قوسين أو أدنى من الهلاك. أمام هذه المعطيات الوهمية و البدائيّة بالغوا في قوّتهم الخاصة بشكل مُفزع وقفزوا في العدم.

وإذا ما وجدت فعلا تراكمات جدّية من النقمة والحقد الاستراتيجيين لدى قطاعات متكاثرة من الشعب - إلى حدّ أنّه لم يعد من باب المجازفة القول بأنّ الدفاع عن النفس ودفع الإرهاب الرجعي ستطبع الحملات الثورية المقبلة على أرجح تقدير - فإنّ المبادرة الجماهيرية مع ذلك مازالت في حالة تراجع ونستطيع القول - رغم بعض البدايات - أنّ الجماهير لم تنهض بعد حتى إلى النشاط المطلبي المتواضع فكيف -والحالة تلك - أن تقع دعوتها ومحاولة إقحامها في انتفاضة مسلّحة؟

إنّ هذا يعدّ من باب الجنون الثوري لا غير.

أمّا عن قوّة النظام فهو لئن برز على حقيقته المكشوفة كنظام الخيانة والجبن والوهن من خلال هذا الاختبار فإن من البله تصوّر أنّ ذلك الكومندوس كان بإمكانه حتى ولو تحققت كلّ تقديراته الوهمية إسقاط النظام أو على الأقلّ إنجاح عمليّته في حدّ ذاتها - وقد سبق أن تعرّضنا في غير هذا المكان إلى الآفاق المسدودة أمام هذه العملية في كلّ الحالات -.

وأخيرا عن جرأة أعضاء الكومندوس وقدرتهم القتالية الفائقة فهي وإن رأى فيها الشعب المكبوت قوّته الفتّاكة الكامنة فإنّ أعمال "الأقليات النشيطة" ومهما بلغ إقدامها وجرأتها ومهما كان نُبل دوافعها لا يمكن أن تعوّض أو تقوم بدور الجماهير الثائرة في عملية تحرير نفسها بنفسها، وهو ما لا يمكن أن يتحقّق بمثل هذه الأعمال أو بواسطة الانقلابات العسكرية التي هي الأخرى نوع من أنواع أعمال الأقليات. وخير دليل على ما نقوله هنا هو الفشل المتكرّر الذي منيت به كلّ أعمال هذا الاتجاه من الانقلاب العسكري في 62 إلى العملية الأخيرة.

والحقيقة أنّ الأصل في مثل هذه الأعمال يعود إلى: - ضيق صبر أصحابها أمام مصاعب وتشعّب المرحلة وإعراضهم عن تحمّل مشاقّ الإعداد الفكري والسياسي والتنظيمي لمرحلة الكفاح المسلّح مرحلة الانقضاض الاستراتيجي على النظام الدستوري البغيض. وإلى - فقدانهم الثقة في قدرة الجماهير على تكسير أغلالها بنفسها من جهة ثانية. فقد اعتبروها شتاتا خائفا لابد من استخدام "أسلوبهم العكسي" حتى يكسروا "جدران الخوف أمامها" فتنهض للثورة. لكن النتائج التي تمخّضت عن هذه العمليّة كانت سلبية مع كامل الأسف فعلى قدر ما تكون الأساليب "عكسية" تكون النتائج عكسية.

والنظام الليبي!

ومن ناحية أخرى وأمام تحرّشات النظام الليبي لا يسعنا إلاّ أن ننبّه ونحذّر الرفاق مناضلي "الجبهة القومية التقدّمية لتحرير تونس" من الأخطار التي تهدّد استقلالية إرادتهم السياسية وحتى استقلال الحركيّة الخاصة بالمجتمع التونسي نتيجة التشويهات التي عادة ما تنجرّ عن الروابط القومية العربية بصفة عامة وعن الروابط في هذا الإطار مع النظام الليبي بصفة خاصة. وهي في اعتقادنا عوامل لم تكن معدومة الفاعلية وغريبة تماما عن قفزة الموت التي قام بها مناضلو هذه الجبهة التي اتخذت اسم "اللجنة الثورية العليا" على غرار شكل التنظيم الحزبي الليبي في هذا الظرف بالذات موافقة للمقام.

إننا لسنا ضدّ تبادل الإعانة بما في ذلك الإعانة العسكرية بين الأخوة والأصدقاء ولا نعيب عليهم أبدا تلقّي الإعانة من طرف ليبيا والجزائر والمقاومة الفلسطينية و"جبهة تحرير الساقية الحمراء وواد الذهب" أو غيرهم. أو تلقيها حتى من جانب الأوساط الرجعية في ظروف وحسب شروط محدّدة. لكن على أن لا يكون ثمن ذلك أبدا وفي كلّ الحالات المسّ باستقلالية الإرادة الخاصة وبالقوانين الخاصة بمجتمعنا.

ونحن إذ نقول هذا فلأننا نعلم أنّ العلاقات داخل التنظيمات القومية لا تقوم على مبدأ التعامل المتكافئ والمساواة وإنما على قاعدة ميزان القوى، فالقوي يؤثر ويكيف وحتى يتدخّل في الشؤون الخاصة للضعيف. ولنا في ما تعانيه المقاومة الفلسطينية من وصايات وتدخّل في شؤونها الخاصة باسم الروابط القومية من طرف الناصرية في بادئ الأمر ثمّ من طرف البعث بفصيلتيه العراقية وخاصة السورية والآن من طرف القذافية المغرقة في الغرور والتي لا تقف عند حدود القومية وإنما تدّعي زيفا أنها نظرية عالمية أيضا، لن في هذا المثل المحزن أكثر من عبرة، هذا فضلا على أنّ حكّام ليبيا لا يراعون حتى المظاهر.

وهنا نقول للعقيد القذافي إننا والشعب التونسي نطمح إلى الوحدة بكلّ جوارحنا لكننا لا نقبل بالوحدة القسريّة على النمط البروسي وعلى يد بزمركية. هذا فضلا على أنّه لا توجد لا نسبة ولا مناسبة، فلا ليبيا يمكن أن تكون بروسيا العرب ولا القذافي بزمركهم. قد يكون هناك بعض الشبه مع مصر عبد الناصر. لكن الجميع يتذكّر ما آلت إليه كلّ محاولات هذا الأخير. ومن الواضح أنّ السبب في ذلك يعود إلى تغيير العصر وحالة الضعف والوهن التي توجد عليها البورجوازية في البلدان المتخلّفة بحكم ذلك. وعلى العقيد وعلى كل من يريد حقا العمل من أجل الوحدة العربية أن يدرك أنّ هذه الوحدة المراد تأسيسها لا تتكوّن من مجتمع واحد ولا يتحكّم في سير مختلف أجزائها سواء باتجاه التقدّم والثورة أو باتجاه الردّة والثورة المضادّة قانون واحد وإنما هي - بحكم ظروف تاريخية لا يتّسع المجال لشرحها هنا - تتكوّن من تشكيلات اجتماعية مختلفة لكلّ منها قانون تطوّرها الخاص. ولذا فإنّ أيّ توجّه نحو الوحدة لا يمكن أن يتمّ إلاّ حسب وعبر هذا القانون الخاص بكلّ بلد وبالاستناد على قوّة الدفع الرئيسية فيه وهي شعب ذلك البلد العربي المحدّد ولا أحد غيره أي كادحيه وليس "بزماركييه".

إذا فنحن لا نقبل بأيّة وحدة قسريّة لا تحترم ولا تنطلق من الإرادة الباطنية لكلّ شعب يرغب في الوحدة. ومن باب أولى نحن لا نقبلها تحت إشراف القياصرة الجدد الذين يحاولون استخدام هذا المنزع لدى حكّام ليبيا لفائدتهم. فنحن لا نراقب بعين الرضا تطوّر العلاقة بين ليبيا والإتحاد السوفياتي منذ 1973/1974. إذ رغم المصاعب الدولية التي برزت على إثر عودة أوروبا "المتنطّعة" تحت خفّ أمريكا، كان على النظام الليبي الذي كان يلقى متنفّسا في حالة التناحر بين الامبرياليات وخاصة مع أوروبا كان عليه مواصلة سياسته المستقلّة والمعادية للدولتين العظميين اللتين توجدان اليوم وراء كلّ القضايا غير الشريفة وفي كلّ المستنقعات. إنّ المسافة المقطوعة بين المواقف الجريئة للعقيد القذافي في مؤتمر عدم الانحياز المنعقد في الجزائر سنة 1973 إلى "المؤتمر الإسلامي" المنعقد في باكستان سنة 1980 أين وقف النظام الليبي يدافع عن غزو الاتحاد السوفياتي لأفغانستان لا تدعو للراحة والاطمئنان أبدا. بل تلقى الريبة والشك على كلّ سياسة القذافي الخارجية خصوصا وأننا نلاحظ ارتباطها في السنوات الأخيرة بالكثير من القضايا السلبية نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر تدخّله في التشاد أوغندا وفي الشؤون الداخلية لمنظّمة التحرير الفلسطينية.

فمن الذي تغيّر؟ هل أنّ الإتحاد السوفياتي أصبح فجأة صديقا للعرب؟ وهو الذي يزوّد إسرائيل بالقوّة البشرية التي تعدّ أثمن ركيزة لوجودها على المدى المنظور والبعيد. أم أنّ العقيد اكتشف فجأة صديقا كان يجهله، ثمّ نحن نسأل إلى أين هذه العلاقة؟

هذه مختلف أوجه عمليّة قفصة الانتحارية وهي كما رأينا سلبية النتائج على القوى الثورية. واليوم وقد تمكّن الشعب من استرجاع أنفاسه بعد الأزمة التي انتابت الرجعيّة فإنّ عليه أن يستخلص الدروس الإيجابية ويستعدّ لمواجهة آثارها السلبية.

إنّ الواجب يقتضي اليوم بذل مزيد من الجهود لمواصلة التشهير بالمذبحة التي اقترفها النظام ضدّ نخبة من ألمع الوطنيين الذين أنجبتهم بلادنا. ولكن المشكل الأصل وهذا هو الأساسي طبعا يضع شعبنا خاصة أمام الواجبات التالية:

1- التصدّي رئيسيا لسياسة النظام الرامية إلى توريط بلادنا أكثر فأكثر في لعبة الأحلاف العسكرية الامبريالية.
2- مقاومة الانحرافات المغامرية والقومية في صلب الحركات الجماهيرية وكلّ مظاهر التدخّل في شؤون بلادنا والوصاية على شعبنا من طرف بعض الأنظمة العربية وتطوير النضال المثابر والمتواصل من أجل المطالب والإصلاحات المباشرة، ولكن أيضا من أجل إعداد الظروف خطوة خطوة للإطاحة بنظام الأصنام الدستورية الجاثم على صدر بلادنا، وإنّ تقدّم الجماهير في هذا الاتجاه من شأنه أن يكون أسطع دليل لهؤلاء المتلهفين وفاقدي الصبر على أنه لا أحد باستطاعته أن يعوّض الشعب إذا ما هبّ لمسك أموره بنفسه ومن شأنه أن يرشدهم إلى الطريق الملموسة التي يجب إتباعها بعد أن تكفّلوا من ناحيتهم بكشف النصف الآخر للحقيقة حين أظهروا للجماهير بصفة جليّة من خلال عمليتهم الجريئة رغم فشلها فإن مجزرة 26 جانفي لم تكن دليلا على قدرة النظام بقدر ما كانت دليلا على جبنه وإنها لم تكن دليلا على ضعف الشعب بقدر ما كانت علامة على ضعف الإعداد لمواجهة العدو الذي كانت ثلّة قليلة من المقاتلين كافية لإدخال الرعب والفزع على كيانه.


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني