الصفحة الأساسية > البديل الوطني > أخطبوط الفساد في إدارة الملكية العقارية
أخطبوط الفساد في إدارة الملكية العقارية
18 آب (أغسطس) 2011

ربّما لا يعرف الكثير من التونسيين أنّ أوّل تونسي كتب في القانون العقاري بعد صدور أوّل قانون ينظمه (الأمر العلي المؤرخ في غرة جويلية 1885، الذي دخل حيّز التنفيذ في 15 جويلية 1885 ثمّ نقّح عدّة مرّات و خاصة سنة 1965 بموجب إصدار مجلة الحقوق العينية)، هو «الشيخ محمد بن عثمان بن محمّد السنوسي» الذي ألّف كتابا تحت عنوان : «مطلع الدّراري في توجيه النّظر الشّرعي على القانون العقّاري».

أراد صاحب هذا الكتاب أن يبحث في الأصول الفقهيّة لهذا الفرع من فروع القانون وأن يبحث عن الأسس التي يمكن أن تقوم عليها القواعد القانونيّة الجديدة. ويعود تاريخ وضع هذا الكتاب إلى أواخر القرن التاسع عشر. ولكن لو كان صاحبه بيننا اليوم لأختار له عنوانا آخر حتّى ينبّه الشّعب لا إلى الأصول الفقهيّة للقانون العقّاري فحسب ولكن أيضا لما تأصّل من فساد ورشوة في أهمّ إدارة تونسيّة تشرف على الملكيّة العقّارية.

لا يتّسع المقام هنا للحديث عن كلّ ما حصل داخل هذه الإدارة على مدى عقود من الزّمن، ولكن لا بدّ من التركيز في هذه المرحلة من تاريخ تونس ومن تاريخ هذه الإدارة على الاعتصام الأخير لأعوانها.

يبدو للملاحظ من خارج إدارة الملكيّة العقّاريّة أنّ الأسباب التي أدّت إلى الاعتصام الذي تواصل منذ تاريخ 18 جويلية الماضي هي أسباب نقابيّة محضة.

فقد تمّ التركيز في الرّسالة التي توجّه بها مسؤولو إدارة الملكيّة العقّاريّة إلى الوزير الأوّل بتاريخ 16 جويلية 2011، على ضرورة مراجعة مقتضيات الفصلين الخامس والسادس من المرسوم عدد 56 لسنة 2011 المؤرخ في 25 جوان 2011 المتعلق بقانون الماليّة لسنة 2011، علما وأنّ الفصل الخامس من هذا المرسوم يقضي بإحالة مبلغ 140.000.000 دينار من موارد إدارة الملكيّة العقّاريّة لفائدة ميزانيّة الدّولة في حين ينصّ الفصل السّادس من نفس النصّ على تحويل نسبة 30% من المداخيل المتأتيّة من توظيف المعلوم النّسبي المستخلص عند كلّ عمليّة ترسيم بالسّجل العقّاري لفائدة ميزانيّة الدّولة أيضا.

و يبرّر دعاة الاعتصام ومنفّذوه احتجاجهم بجملة من العناصر التي تبدو في الظّاهر موضوعيّة بناء على الأرقام التي قدّموها، كما تبدو ظاهريا ردّ فعل ضدّ إجراء اتّخذته حكومة غير شرعيّة تواجه مدّا ثوريّا في كافّة القطاعات بما في ذلك إدارة الملكيّة العقّاريّة.

ولكنّ المدّ الذي يظهر ثوريّا هو نقيض الثورة تماما، فهو ليس مدّا بل جذب إلى الوراء ومحاولة بائسة للإبقاء على الأوضاع التي لن يستفيد منها سوى من استفادوا في السّابق من الفساد من خارج إدارة الملكيّة العقّاريّة ومن يتشبثون بتقديم الخدمات لهم داخلها. فالمفسدون مازالوا مصرّين على الفساد ولكن تحت عباءة الثّورة هذه المرّة.

و من بين أبرز الأدلّة على الوضع الذي بدأ الشّعب التونسي يألفه هذه الأيّام في كافة القطاعات هو رفض عدد من الأعوان الذين تحوّلوا إلى «ثوريين»، لتعيين حافظ الملكيّة العقّاريّة لرفع الوصاية على «دفتر خانة»، فهو في نظرهم من خارج الإدارة، ولأنّه كذلك سيكون عقبة أمام توزيع المسؤوليّات داخلها على أسس عائليّة بل وجهويّة أحيانا.

وهكذا، تصير الكفاءة ضربا للثّورة وتتحوّل النزاهة جذبا إلى الوراء.

ويكفي دليلا على هذه الثّورية الجديدة هذه الأيّام التكتّم على ملفين من جملة ملفّات عديدة، أحدهما يتعلّق بالفساد بالإدارة الجهويّة للملكيّة العقّاريّة بباجة والثاني لا يقلّ فسادا عن الأوّل يتّصل بالتّلاعب بالأوضاع العقّاريّة في ولاية بن عروس. فهذان الملفان جاهزان منذ أواخر سنة 2010، ولكن جاءت الثّورة وبعدها الإضراب وإثره الاعتصام ومازالا رابضين في أدراج المسؤولين «الثّوريين».

ويكفي دليلا كذلك على هذا المسار الثّوري لمسؤولي إدارة الملكيّة العقّاريّة نذكر ارتباط «مصطفى بوعفيف» حافظ الملكيّة العقّاريّة السابق بالقصر الرئاسي (تحرير العقود داخل القصر) وكذلك التعاملات المشبوهة للمدير العام للدراسات القانونيّة والنزاعات «البشير محمود» مع أصهار المخلوع والمتنفّذين في السلطة، و تلاعب «هشام شكري قصيعة» المدير العام للمصالح المشتركة بالقوانين المنظمة لسير الإدارة وهو رئيس الشّعبة المهنيّة التي كانت قائمة ويبدو لا تزال ولكن تحت عباءة الثّورة والاحتجاج هذه الأيّام.

هكذا تتحقق أهداف الثّورة في إدارة الملكيّة العقّاريّة، و لعلّ القاضي «أحمد عظّوم» وزير أملاك الدّولة و الشؤون العقّاريّة في حاجة إلى فتاوى جدّه حتّى يفهم هذا الانقلاب في المواقع وهذا الانقلاب في المفاهيم. فمن يعطّل مصالح المواطنين صار هو الثّوري الحقيقي ومن تلاعب بالحقوق و تواطأ مع المفسدين صار رمزا للطّهارة و البراءة، بل هو الذي يوزّع صكوك البراءة و الغفران.

لو كان «الشّیخ عظّوم القیرواني» على قيد الحياة هذه الأيّام لأفتى بمحاسبتهم أشدّ الحساب، و لو كان «الشيخ محمّد عثمان السنوسي» بيننا بعد ثورة 14 جانفي، لغيّر عنوان كتابه «مطلع الدّراري في توجيه النّظر الشّرعي على القانون العقّاري»، حتّى ينبّه الشّعب التّونسي إلى أنّ الدّراري تطلع هذه الأيّام على رموز الأيّام التي خلناها بائدة.

الأزهر السّمعـلي (خبير في المناجــــــم و شؤون النّفـــــــــــــط)



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني