الصفحة الأساسية > البديل الوطني > أيها السادة الجدد، "الأغلبية" لا تعني دكتاتورية جديدة
أيها السادة الجدد، "الأغلبية" لا تعني دكتاتورية جديدة
25 تشرين الثاني (نوفمبر) 2011

بقلم جيلاني الهمامي

انطلقت يوم الثلاثاء 22 نوفمبر 2011 أشغال المجلس الوطني التأسيسي المنتخب في أكتوبر الماضي والذي سيتولى صياغة الدستور الجديد وتعيين السلطة المؤقتة. وقد تمّ في هذه الجلسة الأولى انتخاب رئيس المجلس ونائبيه في انتظار تعيين رئيس الدولة ورئيس الحكومة المؤقتين. ومن المعلوم أنه لا مفاجآت بالنسبة إلى هذه الرئاسات الثلاث التي وزعت بين "النهضة" و"المؤتمر" و"التكتل" الذين شكلوا تحالفا ثلاثيا واتفقوا على اقتسام السلطة بعد ثلاثة أسابيع من الصراع على تلك "الرئاسات" بالخصوص.

ولكن ما لفت الانتباه في هذه الجلسة الافتتاحية للمجلس الوطني هو بالخصوص التعبئة المدنية التي تمت في الشارع والتي تجسّدت في التجمع الذي انتظم أمام مقر البرلمان بالعاصمة والذي ضم الآلاف من المواطنات والمواطنين من مختلف الاتجاهات الفكرية والسياسية. لقد جاء هؤلاء ليعبّروا عن تمسّكهم بأهداف الثورة وعن استعدادهم للدفاع عنها في وجه كل محاولة للالتفاف عليها. والرسالة موجهة بالخصوص إلى الغنوشي والمرزوقي وبن جعفر المتحالفين حتى لا يذهب في اعتقادهم أن أغلبيتهم تخوّل لهم التصرّف في السلطة على هواهم وحتى يدركوا أيضا أنهم سيكونون تحت مراقبة الشعب.

إن هذه الرسالة مهمة للغاية بعد ما سمعناه من تصريحات لبعض قادة "النهضة" تناقض تعهداتهم الانتخابية وكذلك بعد ما لاحظناه من سلوك أرعن لبعض قادة الأحزاب الثلاثة في وسائل الإعلام إذ لا ردّ لهم على من ينتقدهم إلا بالقول: "نحن انتخبنا الشعب"، "أنتم أقلية الصفر فاصل"، الخ. وكأننا بهؤلاء لا يعرفون ـ وقد لا يعرفون بالفعل ـ شيئا عن الديمقراطية. إن "الأغلبية" لا يخوّل لها نجاحها اليوم أن تفعل ما تشاء وتتجاهل الرأي العام وتعهداتها الانتخابية. ثم إن الأقلية هي منتخبة أيضا من الشعب وفق برامج محددة ومن حق هذه الأقلية أن تتكلم وتنقد وتعارض. وحتى من لم ينجح في الانتخابات من حقه أن يتكلم ويعارض أو يساند وهو حق لكل مواطن ومواطنة. وبعبارة أخرى فإن "الأغلبية" لا ينبغي أن تتحوّل بأيّ حال من الأحوال إلى دكتاتورية جديدة بدعوى أنها "أغلبية" وأن الشعب "اختارها".

وفوق ذلك كله فمن واجب قادة "النهضة" و"المؤتمر" و"التكتل" أن يدركوا أن الديمقراطية تعني، في ما تعني، أن أغلبية اليوم يمكن أن تصبح أقلية الغد والعكس بالعكس. ومن جهة أخرى فمن واجبهم أيضا أن يعلموا أن الأغلبية التي حصلوا عليها نسبية للغاية. فهم لا يمثلون، مجتمعين، أكثر من 27 في المائة من جملة الناخبين التونسيين الذين يفوق عددهم 7 ملايين، مع العلم أن حوالي نصف هؤلاء لم يشاركوا في الاقتراع وأن 37 في المائة ممّن شاركوا ذهبت أصواتهم، بسبب تشتتها، سدى وبالتالي ليس لهم تمثيل في المجلس التأسيسي. وهذا من شأنه أن لا يدفع بالناجحين إلى الغرور ويجعلهم يدركون حجم أغلبيتهم. وإلى ذلك فإن حصول حزب أو تحالف حزبي ما على أغلبية المقاعد أو الأصوات لا يعني بالضرورة أن اختياراته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية هي الأصلح للشعب والبلاد. فكل انتخابات لها حقائقها.

إن عوامل عدة، مثل المال والإعلام وعدم معرفة الناخبين بالأحزاب والحالة الذهنية للناخبين أنفسهم l’état d’esprit des électeurs - ـ زمن الانتخابات والنظام الانتخابي، وطريقة مراقبة الانتخابات، الخ. يمكن أن تلعب دورا في تحديد نتائجها. وبالفعل فقد لعبت هذه العوامل دورا في تحديد نتائج انتخابات 23 أكتوبر الماضي التي لم تكن فيها البرامج العامل الحاسم دائما في الاختيار. وأخيرا وليس آخرا علينا أن نتذكر مثالا من التاريخ. إن هتلر وحزبه النازي، مثلا، صعدا إلى السلطة عن طريق الانتخابات ولا يعني حصولهما على "أغلبية" أن اختياراتهما كانت في صالح الشعب الألماني أو أن هذا الأخير ذاته كان صائبا في اختياره لهما.

إن أغلبيتـ"نا" مدعوة إلى أن تتواضع وإلى أن تبدأ في التدرّب على قواعد الحكم الديمقراطي، إذا أرادت بالطبع أن تنهج نهجا ديمقراطيا، وإلى أن تفهم أنها تحت "المراقبة" بما في ذلك مراقبة الناس الذين انتخبوها بناء على دعايتها الانتخابية، وأن "الأقلية" موجودة وهي لن تتوانى، هي أيضا، عن مراقبتها. إن المعيار الذي سيبقى قائما على الدوام للحكم على المجلس التأسيسي كما على السلطة المؤقتة هو مدى الالتزام بتحقيق أهداف الثورة التي فداها الشهداء بدمهم. إن الشعب يريد دستورا جديدا يكرس مبادئ الحرية والمساواة والديمقراطية والكرامة والعدالة الاجتماعية في إطار جمهورية مدنية وعصرية.

جيلاني الهمامي
تونس، في 23 نوفمبر 2011


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني