الصفحة الأساسية > البديل الوطني > إلى عمّار عمروسيّة..
عفاف بالناصر:
إلى عمّار عمروسيّة..
1 كانون الثاني (يناير) 2011

استفقت هذا الصباح على وجع الغياب ووجع الرحيل المُوزّع على مدن البلاد، استفقت وقد كنت لزمن طويل أمارس كسل الصباح المُحبّب، فقد كان صديقي عمّار يحمل عنّي متاعب العمل الصباحيّة وآلام الوحشة التي كانت تهاجمني كلّ مساء، كان يردّ إليّ ما قد يضيع في غمرة المتاعب اليوميّة من عزم عندما يأتي ليسألني: أحوالك؟ هل تحتاجين مساعدة؟

أين أنت يا صديقي اليوم؟ كنت متأكّدا أنّهم آتون إليك، قلت لي: هذا مُتوقّع وفي كلّ لحظة ودائما.. وكنت تنتظرهم بكلّ بسالة، لم يهتزّ لك يقين بأنّهم لا يريدون لفم أن يُفتح، أو لهامة أن تُرفع، أو لحنجرة أن تهتف للحرّية، أو لعقل أن يُفكّر.

كنت دائما صامدا ومُثابرا وعال وشامخ، ولذلك انتظرتهم بكلّ إيمان بأنّ بلاد علا فيها صوت الباطل لا يُمكن أن نتخلّى عنها، ولا يحقّ لنا أبدا أن نخذل شعبا داسته الأحذية الخشنة عقودا ولا يزال أبيّا.

البارحة نمت على وجع انتظارك، واليوم استفقت على وجع افتقادك. لكنّ كلماتك وتطمينك لي يرافقاني حتّى في غيابك.. غيابك يطول.. يوم.. يومان.. ثلاثة.. عام مضى.. عام سيأتي، قائمة الغياب تكبر.. الفاهم.. حسن.. أنت.. بعيدا، محمّد البوعزيزي.. حسين النّاجي.. محمّد العماري.. هشام بن جدّو.. طويلا ونهائيّا. والبقيّة الباقية رهن التكرّر في الغياب.

النواقيس تدقّ والشموع تذوي.. وأنتم لا تعودون.. النواقيس تدقّ وهم لا يسمعون عويل الثكالى. أيّ نوع للفرح في سيدي بوزيد.. في بوزيّان.. في زانوش.. في ريحانة.. في الرديّف. أيّ الأفراح يستبدّ بك وبالفاهم وبحسن وبالشهداء.

كنت تقول لي شعبي عال ولا يتراجع، هذه غبطتي، هذا هو الفرح، وتقول دائما: إنّ الولادة عسيرة لكنّ المولود بهيّ وعشقنا للولادات لا يكلّ.

أعرف أنّك الآن تحتفل على طريقتك في أقبية العسف، والفاهم وحسن يحتفلان هناك في زنازين هولاكو، والوطن ينتشي بدماء الشهداء.. أعلم أنّ الكأس تلو الكأس تمتلئ وطغاة العالم يسكرون على نخب القبور والجماجم والأنين.. أعلم جيّدا يا رفيقي أنّك تعيش المخاض تلو المخاض، مخاضات الفكرة والحنين..

أعلم مليّا أنّك عائد في ساعة ما وفي وطن ما، وأنّهم ماضون بدون عودة... وكنت دوما أستمدّ منك اليقين.. أنت عائد ولن تترك الحصان وحيدا.. والعصافير تموت في وطن الربيع.

عفاف بالناصر
31 ديسمبر2010


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني