الصفحة الأساسية > البديل الوطني > افتعال القضايا ضد المناضلات والمناضلين سياسة فاشلة وغير مجدية
افتعال القضايا ضد المناضلات والمناضلين سياسة فاشلة وغير مجدية
15 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009

أثار خبر افتعال قضية حق عام ضد الرفيق حمه الهمامي الناطق الرسمي باسم حزب العمال الشيوعي التونسي ومدير جريدة البديل المحظورة وزوجته الأستاذة راضية النصراوي، رئيس الجمعية التونسية لمقاومة التعذيب استياء كبيرا في الأوساط الديمقراطية في الداخل والخارج. فلا أحد خفيت عليه الأسباب السياسية لما أصبح ممارسة ممنهجة منذ وصول بن علي إلى السلطة. فمن أجل إيهام الرأي العام بأن نظامه يحترم الحريات وأنه لا يعاقب الناس ولا يضطهدهم من أجل أفكارهم ومواقفهم، يعمد إلى افتعال قضايا حق عام ضدهم للزج بهم في السجن ومحاولة تشويههم بتقديمهم على أنهم "مجرمو حق عام ".

إن حمه الهمامي يعاقب اليوم من أجل التصريحات التي أدلى بها لقناتي الجزيرة (25 سبتمبر) وفرنسا 24 (26 سبتمبر) وهي تصريحات انتقد فيها الأوضاع العامة بالبلاد وخاصة قضية الفساد التي تحاول السلطة طمسها بكل الوسائل. كما انتقد الأجواء التي يتم الإعداد فيها لانتخابات 25 أكتوبر القادم التي وصفها بالمهزلة ودعا الشعب والقوى السياسية إلى مقاطعتها.

وقد كان أول رد فعل السلطة على هذه التصريحات الاعتداء على حمه الهمامي بالمطار يوم عودته (29 سبتمبر) من فرنسا وعلى زوجته راضية النصراوي التي كانت حاضرة لاستقباله والتي نددت بهذا الاعتداء في أحد برامج قناة "الحوار" اللندنية (حقوق الناس، يوم 2 أكتوبر 2009) كما ندد به زوجها عبر قناة الجزيرة (الحصاد المغاربي، الثلاثاء 29 سبتمبر 2009).

ولم تتوقف السلطة عند هذا الحد، ففي مساء يوم 4 أكتوبر استغلت عودة الأستاذة راضية النصراوي من جينيف، ليضع بوليسها مادة - متفجرة حسب الأساتذة المختصين في الكيمياء- في خزان بنزين سيّارة الأستاذ والمناضل عبدالرؤوف العيادي، نائب رئيس "المؤتمر من أجل الجمهورية "، الذي جاء لاستقبال الأستاذة بمعية زوجها وابنتهما الصغرى سارة (10 سنوات). ومن حسن الحظ أنه تم الانتباه سريعا لوجود خلل في السيارة وتمت مغادرتها وإحضار عدل إشهاد واستدعاء عميد المحامين ورئيس فرع المحامين بتونس للشهادة.

وأمام افتضاح هذه الاعتداءات وأسبابها السياسية، وعلى إثر تقديم حمه الهمامي وراضية النصراوي يوم الجمعة 9 أكتوبر 2009 شكوى لوكالة الجمهورية ضد المسؤولين أمرا وتنفيذا على ما تعرّضا له من اعتداء وفي مقدمتهم رئيس السلطة التنفيذية ووزير الداخلية باعتبارهما قانونيا، المسؤولين المباشرين عن قوات الأمن الداخلي التي ما كان للعشرات من أفرادها أن يفعلوا ما فعلوه في المطار، دون تعليمات "من فوق "، سارعت السلطة سويعات بعد تقديم القضية، إلى افتعال قضية ضد حمه الهمامي وراضية النصراوي واستدعائهما للحضور لدى الفرقة الفرعية للقضايا الإجرامية بالقرجاني بالعاصمة ومنعت حمه الهمامي من السفر في اليوم الموالي (10 أكتوبر) إلى فرنسا لحضور ندوة سياسية حول الانتخابات في تونس. وفي يوم الاثنين 12 أكتوبر حاول عدد كبير من أعوان البوليس بالزيّ المدني اقتحام الشقة التي يسكنها حمه الهمامي وراضية النصراوي وابنتهما التي تم ترويعها. وكان الهدف واضحا وهو اعتقال حمه الهمامي. ولا يزال الحيّ الذي يسكنه الزوجان محاصرا بالعشرات من أعوان البوليس السري.

وللتذكير فإن حمه الهمامي وراضية النصراوي ليسا أول ضحايا هذه الممارسة. بل إنها ليست أول مرة يتعرّضان فيها لافتعال قضايا إجرامية ضدهما على خلفية نشاطهما السياسي والحقوقي.

ففي سنة 1989 زجّ براضية النصراوي في السجن بدعوى أنها "نالت من كرامة رئيس الدولة" في مرافعتها على المعارض الأستاذ جلولة عزونة القيادي وقتها بحزب الوحدة الشعبية. وفي جانفي 1992 وعلى إثر إدانة حزب العمال الشيوعي التونسي، في بيان له، التعذيب الوحشي الذي تعرّض له الإسلاميون، أثناء اعتقالهم، أوقفت السلطة حمه الهمامي وحاولت أن تلصق به تهمة اقتحام مقر حزب الوحدة الشعبية، موظفة ما كان بين الحزبين من خلافات. ولكن قيادة هذا الحزب نفت أن يكون حمه الهمامي قام بأي اعتداء ورفضت أن يكون حزب الوحدة الشعبية غطاء لتصفية حسابات لا ضلع له فيها. ومع ذلك أبقي حمه الهمامي شهرا في السجن وألصقت به تهمة "الاعتداء على الأخلاق الحميدة" لتبرير سجنه.

وفي سنة 1994 أوقف حمّه الهمامي بسوسة وكان يعيش في السريّة بعد أحكام بالسجن صادرة ضده في قابس بتهمة الانتماء إلى "جمعية غير مرخص فيها" وقد تعرّض وقتها لتعذيب وحشي. وأمام رفضه تقديم اعترافات حول مكان "اختبائه" وحول رفاقه في الحزب افتعل له البوليس السياسي قضية "تدليس بطاقة تعريف ".

وفي عام 1998 وعلى إثر حملة اعتقالات في صفوف حزب العمال الشيوعي التونسي، حاولت السلطة "تحييد" الأستاذة راضية النصراوي حتى لا تتمكن من النيابة في القضية وذلك باتهامها بالمشاركة في "عصابة مفسدين" وتحويل مكتبها كمحامية إلى مقر لاجتماعات هذه "العصابة"، وحكم على الأستاذة مع مناضلات ومناضلين آخرين بـ6 أشهر سجنا مع تأجيل التنفيذ.

ومن القضايا المفتعلة المعروفة يمكن ذكر هذه القضايا:

1993 - نوفل الزيادي: الأمين العام الأسبق لاتحاد الطلبة، افتعلت له قضية استهلاك مخدرات وسجن عقابا له على مواقفه النقابية والسياسية.

1994 – نجيب الحسني: المحامي والناشط الحقوقي الذي كان له دور هام في النصف الأول من تسعينات القرن الماضي (1991 – 1994) في فضح الانتهاكات التي كان ضحيتها النشطاء السياسيون والحقوقيون. ومن أجل إسكاته أوقفته السلطات ولفقت له قضية "تزوير عقد شراء أرض" وحكم عليه بالسجن، الذي قضى فيه ما يزيد عن العامين.

1995 - محمد مواعدة: الأمين العام السابق لحركة الديمقراطيين الاشتراكيين افتعلت له قضية "التواطؤ مع دولة أجنبية والحصول منها على أموال ". وحكم عليه بـ9 سنوات سجنا. وكان السبب الحقيقي رسالة مفتوحة وجهها إلى بن علي منتقدا فيها حالة الحريات المتردية بالبلاد.

1996 – خميس الشماري: القيادي سابقا بحركة الديمقراطيين الاشتراكيين افتعلت ضده قضية، لوقوفه إلى جانب محمد مواعدة، وسجن بتهمة "إفشاء سرّ التحقيق في قضية مواعدة".

2000 – جلال الزغلامي: المناضل اليساري، افتعلت ضده قضية "اعتداء بالعنف على موظف" وسجن وكان السبب الحقيقي نشاطه بمناسبة إضراب الجوع الذي شنه شقيقه توفيق بن بريك. كما اعتقلت السلطات جلال الزغلامي من جديد صحبة شقيقه نجيب واتهمتهما بـ"العنف"، وكان ذلك مدة قصيرة قبل انتخابات 2004.

2005 – محمد عبو: المحامي والناشط الحقوقي والسياسي، افتعلت له قضيتان منهما قضية اتهم فيها بالاعتداء على زميلته وحوكم وسجن لمدة تزيد على العامين. وكان السبب الحقيقي، نشره مقالا بالأنترنيت انتقد فيه، بأسلوب ساخر دعوة بن علي، مجرم الحرب أرييل شارون، لزيارة تونس للمشاركة في القمة العالمية لمجتمع المعلومات.

ويتواصل افتعال القضايا ضد المناضلين والمناضلات والزج بهم في السجون. فمباشرة بعد انتهاء المهزلة الانتخابية وفي غمرة "الاحتفالات" بـ"الفوز الساحق" لبن علي ولحزبه "التجمع" وتنفيذا للتهديدات التي أطلقها بن علي اعتقلت الدكتاتورية الصحفي والكاتب توفيق بن بريك بعد أن لفقت له تهمة حق عام (الاعتداء بالعنف على امرأة) وزجت به في السجن في انتظار محاكمته أواخر هذا الشهر. وكان زهير مخلوف، الصحفي وعضو الحزب الديمقراطي التقدمي، قد نال نفس المصير قبل ذلك بحوالي أسبوع. ويتواصل استهداف الصحفيين والمناضلين بالتهديد والاعتداء بالعنف وتلفيق القضايا. ومن المرجح أن تتوسع دائرة القمع لتشمل الجميع خاصة بعد استدعاء أستاذة المسرح فاطمة الرياحي على خلفية رسوم كاريكاتورية موجودة بمدونتها.

ومن البديهي أن بن علي لن يوقف هجمته من تلقاء نفسه، لذلك لابد من تضافر كل الجهود للتصدي لهذا الهجوم.



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني