الصفحة الأساسية > البديل الوطني > الإعلامي الفاهم بوكدوس بين علامات إنهاء ملف معتقلي المناجم والتشدّد مع (...)
الإعلامي الفاهم بوكدوس بين علامات إنهاء ملف معتقلي المناجم والتشدّد مع الصّحافيين
23 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009

يقف الفاهم بوكدّوس يومي 24 و26 نوفمبر الجاري أمام محاكم مدينة قفصة للاعتراض على حكم صادر في حقه غيابيا بستة سنوات مع النفاذ، بعد أن نقض محاموه يوم الثلاثاء 18 نوفمبر تلك المحكومية. ويأتي هذا الإجراء بعد أسبوعين من إطلاق السلطات التونسية لجملة المعتقلين المُحالين مع بوكدّوس ضمن قضية "الوفاق" المعروفة وفق سراح مشروط. ولقد جاء تسريح زملاء قادة حركة الاحتجاج استجابة لدعوات أهالي المعتقلين والمعارضة السياسية والمدنية التونسية، وللمساندة غير المسبوقة التي عرفها هذا الملفّ في الأقطار العربية والأوروبية بالخصوص. وفُهم من خطوة بن علي المتأخّرة مسعى لطيّ هذه القضية وتخفيف حدّة الاحتقان والتشنّج التي تعرفها مدينة الرديّف بالخصوص والتي أكّد ملاحظون محلّيون أنه مسّ الأغلبية الساحقة من المواطنين الغاضبين من تحكيم السلطة للعصي معهم طيلة أشهر عديدة وتجلّى أخيرا في تجاهلهم اللافت لانتخابات أكتوبر الماضي ولاستقبالهم الجماهيري الحاشد للمعتقلين المسرّحين. وستمثّل محاكمة بوكدّوس، أبرز أربعة نشطاء في حالة فرار، اختبارا جديّا لهذه التلميحات التي سُبقت بتهويل إعلامي للمشاريع الاقتصادية المزمع تشييدها بالمدن المنجمية الأربع والتي قُدّمت كمنقذ للجهة المتروكة من أوضاع البطالة والفقر والحرمان الاجتماعي. ويذهب كثير من المتفائلين إلى أنّ السلطة المثقلة باستتباعات قضية الحوض المنجمي، ستسعى وإن مجبرة لطي هذا الملفّ القضائي ووقف النزيف الإعلامي الذي مازال يثيره، ممّا من شأنه أن يفتح الباب أمام بقيّة المُتابعين لتقديم طعونهم القانونية.

وتتزامن محاكمة بوكدّوس من جهة ثانية مع التعفين المنهجي لمناخ الحريات بالبلاد وحالة العداء المرضيّة للصحافة المستقلّة، فبعد الانقلاب على نقابة الصحافيين يُحاول نظام بن على تفكيك حالة الاستقطاب المترّكزة حول النقابة المستهدفة بتهميش أو ضرب كلّ الأصوات الحرّة فأُغلق مقر "راديو6" وسُجن زهير مخلوف وتوفيق بن بريك وتصاعدت الاعتداءات على الصحافيين المستقلّين نال منها سليم بوخذير النصيب الأوفر. قد أصبحت تونس، خاصّة مع الانتخابات الأخيرة وبعدها، سجنا حقيقيّا لحرية التعبير حيث يُراقب بوليس الإعلام بشراسة كلّ المنافذ للشبكة العنكبوتيّة وتُصادر الصحف الحزبية المستقلّة ويُضيّق على توزيعها وتُفرض رقابة لصيقة على النشطاء السياسيّين والحقوقيّين في الشارع والمنزل لمنعهم من الإلتقاء ببعضهم فما بالك بتنظيم اجتماعات. لقد بلغت حالة التردّي درجة أنّ جيرانا مغاربة باتوا يتحدّثون عن تونسة المشهد العام كناية عن إعارة الأشكال القمعيّة والتسلّطية التونسية في كتم الأنفاس المخالفة وكسر تطلّعاتها في ضخّ جرعات كافية من الحريات. إنّ مثل هذه الصورة القاتمة تجعل من محاكمة بوكدّوس القادمة مفتوحة على أقصى الاحتمالات وزيادة غلّة الضحايا من الصحافيّين. وقد كان الفاهم بوكدّوس قد توارى عن الأنظار منذ 5 جويلية 2008 بعد أن صدرت فيه بطاقة جلب على ذمّة القضيّة الكبرى لقادة حركة الاحتجاج بمنطقة قفصة المعروفة بنشاطها الفسفاطي. ولقد وُجّهت لبوكدّوس تهم "الانخراط في عصابة والمشاركة في وفاق، وتوزيع وبيع وعرض ومسك بنيّة الترويج لنشرات من شأنها تعكير صفو النظام العام لغرض دعائي" جعلته يُحكم غيابيا بست سنوات سجنا نافذة في جلستي الابتدائي يوم 11 ديسمبر 2008 و4 فيفري 2009. لم يكن بوكدّوس ناشطا نقابيا ولم يشارك في أيّ احتجاجات كما لم يكن من سكّان المناجم أصلا، بل كان فقط يؤمّن التغطية اليومية للاحتجاجات بالحوض المنجمي لفائدة فضائية "الحوار التونسي" بصفته مراسلا لها بالجهة. وقد تميّزت تلك التغطية بالحصريّة والكثافة جعلها منذ اليوم الأوّل للحراك المنجمي هدفا للسّلطة التي حاولت فرض تعتيم شامل على ما يجري ومعالجة الأوضاع بعيدا عن أعين الصّحافة والإعلام. وبفضل المواكبة الإخبارية اليومية ومشاهد المسيرات والإعتصامات والمصادمات مع قوات البوليس والحوارات مع الأهالي التي أمّنها الصحافي المذكور أطلع التونسيين وغيرهم على كلّ ما كان يحصل على الميدان. كما برز بوكدّوس خلال تلك الفترة بتغطية الأحداث لموقع "البديل" الالكتروني حيث كانت مادته الوفيرة والحينيّة ملجأ كلّ الراغبين في متابعة حقيقة المشهد المنجمي.

إنّ الصحافي الفاهم بوكدّوس سواء رُمي في السجن في الأيام القادمة أو بُرّأ من الحكم الظالم الذي سُلّط عليه فإنه كان الضحية المثلى لمعاقبة الصحافيّين في الأحداث الكبرى ومثالا لتجريم الممارسة الإعلامية المستقلّة في دولة الاستبداد.

سامي الصالحي


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني