الصفحة الأساسية > البديل الوطني > الإعلان الصادر عن الندوة الوطنية حول مستقبل الجمهورية
الحزب الديمقراطي التقدمي:
الإعلان الصادر عن الندوة الوطنية حول مستقبل الجمهورية
10 تموز (يوليو) 2010

بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لإعلان الجمهورية، نظم الحزب الديمقراطي التقدمي صباح اليوم بمقرّه المركزي ندوة وطنية حول مستقبل الجمهورية، بمشاركة أعضاء مكتبه السياسي ومناضليه في الجهات. وقد حضر الندوة ممثلون عن المجتمع المدني والمعارضة.

بعد أن افتتحت مية الجريبي الأمينة العامة للحزب، تداول على الكلمة كل من الأساتذة أحمد نجيب الشابي والعياشي الهمامي عن هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات، والرفيق عبد المؤمن بالعانس باسم حزب العمال الشيوعي التونسي، والسيد ناجي البغوري عن نقابة الصحفيين والسيد مسعود الرمضاني رئيس اللجنة الوطنية لمساندة أهالي الحوض المنجمي.

وفي ختام الندوة صدر الإعلان التالي:

تحل الذكرى الثالثة والخمسون لإعلان الجمهورية في ظرف يتسم بالانغلاق السياسي وانسداد الأفق الاجتماعي وباشتداد الشعور بالحيرة إزاء المستقبل،

فالانتخابات الرئاسية والتشريعية لشهر أكتوبر الماضي، كالانتخابات البلدية التي تلتها، جرت جميعها في مناخ من مصادرة حرية الترشح والتعبير والاجتماع، وبإشراف إدارة متحزبة ومنحازة، ووفق قانون انتخابي جائر، فجاءت عنوانا لتواصل الإقصاء والاحتكار واستمرار الحكم الفردي والرئاسة مدى الحياة، ولهيمنة الحزب الحاكم كليا على المجالس التمثيلية. وأكدت نتائجها مرة أخرى مدى تعطل وظائف النظام الجمهوري وعجز مؤسساته الدستورية عن القيام بدورها في مراقبة القائمين عليها ومساءلتهم من قبل الشعب وممثليه المنتخبين، ولتفتح على استحقاق دستوري جديد تفرضه نهاية الولاية الخامسة للرئيس الحالي، ولتضع هذا النظام الجمهوري، على علاته، تحت خطر ترسيخ الرئاسة مدى الحياة وإرساء آلية للخلافة لا دخل للشعب فيها.

وعلى الرغم من النسب الخيالية التي منحها الحكم لنفسه، خلال تلك الانتخابات، فقد واجه منتقديه في الداخل والخارج بحملات صحفية هوجاء، وجنح إلى استهداف الصحفيين بملاحقتهم وإحالتهم على القضاء، فكان ذلك شاهدا إضافيا على محاصرة حرية النقد والتعبير وتوظيف القضاء لمصادرتها. وتأكد هذا النهج المتشنج حينما استصدرت الحكومة قانونا جديدا لمصادرة حرية التعبير وتعقب المعارضين السياسيين والنشطاء الحقوقيين، من أجل مزيد تضييق الخناق عليهم.

وفي سياق النهج نفسه شكلت المفاوضات التي دارت بين الحكومة والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، بدورها، شاهدا على إمعان الحكومة في الإبقاء على الأزمة المزمنة والمفتعلة التي تعيشها هذه المنظمة الحقوقية للسنة العاشرة على التوالي، وعلى محاولاتها إخضاع منظمات المجتمع المدني إلى سلطتها ومنع نشاطها المستقل، عن طريق تقسيم صفوفها ومحاصرة مقراتها وتوظيف أجهزة الأمن والقضاء في سبيل ذلك، وهو عين ما تعرضت له النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين هذا العام وقبلها جمعية القضاة التونسيين، إضافة إلى استهداف مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس الذين مازال عدد منهم يقبع في السجون.

وما انعقاد هذه الندوة بين جدران مقر الحزب الديمقراطي التقدمي، في ظل ما يُسلط على أنشطته من مراقبة ومحاصرة، سوى شاهد آخر على ما تتعرض له حرية الاجتماع من تضييق وحصار، وعلى إيصاد الدور العمومية في وجه كل عمل مستقل أو معارض.

وتأتي هذه الذكرى الثالثة والخمسون لإعلان الجمهورية والبلاد تعاني من استفحال آفة البطالة وانتشارها بين صفوف خريجي الجامعات، ممّا يؤكد فشل السياسات الاقتصادية المتعاقبة في دفع الاستثمار بالنسق المطلوب، وعجز مؤسسات الإنتاج عن استيعاب اليد العاملة الماهرة ويبرهن على عدم التلاؤم بين ما تنتجه المؤسسة التعليمية وما تتطلبه سوق الشغل، في ظل إستراتيجيا راهنت على تصدير بضاعة ذات قيمة مضافة منخفضة، تنتجها يد عاملة محدودة المهارة وبخسة الأجر.

وتأكد فساد هذا الاختيار بمناسبة الأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة التي كشفت مدى اعتماد اقتصادنا الوطني على الموارد الخارجية وبالأساس التصدير والسياحة وعائدات المهاجرين. غير أن الحكومة لم تول انتباها إلى ضرورة مراجعة هذه السياسات وظلت تعالج آثارها عبر إجراءات جبائية ومالية ظرفية. وأدت هذه السياسة التنموية إلى بروز استقطاب اجتماعي مخيف: بين قمة محدودة العدد تُراكم الثراء الفاحش بالاستفادة من التسهيلات البنكية والضريبية، وقاعدة عريضة تكابد البطالة والخصاصة وترزح تحت وطأة التداين الأسري وتآكل الطاقة الشرائية، وبين جهات ظفرت بما تحقق من استثمار خلال العقود المنصرمة وعمق ظل يعاني الفقر والتخلف والحرمان.

واقترن الاستبداد السياسي باستشراء الفساد الذي يتجلى في تكديس الثروة عن طريق استغلال النفوذ من جهة، وفي استفحال الرشوة والمحسوبية في العلاقات العامة، من جهة أخرى، والتي كانت من آثارها الإنتفاضة المشهودة لأهالي الحوض المنجمي سنة 2008.

إن تونس تقف اليوم أمام تحد دستوري جديد يضع البلاد أمام مفترق طرق: فإما القبول بتحوير الدستور مرة أخرى قصد تمكين الرئيس الحالي من ولاية سادسة على طريق الرئاسة مدى الحياة، مع إمكانية إحداث آلية للخلافة تتنافى مع ما بلغه الشعب التونسي من نضج، أو التوافق على إحداث إصلاح دستوري شامل يفتح الطريق أمام التداول السلمي على الحكم والانتقال إلى الديمقراطية.

والندوة الوطنية حول مستقبل الجمهورية، المنعقدة هذا اليوم 10 جويلية 2010، بدعوة من الحزب الديمقراطي التقدمي وبحضور عدد من ممثلي الجهات ومن الشخصيات الوطنية تعلن استعدادها الكامل وتجندها لتحمل أعباء هذا الاستحقاق وبذل كل الجهد لفتح طريق الانتقال إلى الديمقراطية في بلادنا، بما يؤمن التداول السلمي على الحكم ويحمي أركان الجمهورية ويجنب البلاد أخطار التردي في مستنقع الحكم الوراثي المطلق.

إن فتح هذا الطريق يفرض تعبئة كل القوى السياسية وهيئات المجتمع المدني على اختلاف أصنافها حول ميثاق جمهوري يضمن:

1/ تحديد عدد الولايات الرئاسية بدورتين لا غير
2/ إقرار حرية الترشح لمنصب رئيس الجمهورية بإلغاء كل الشروط المجحفة المُعطلة لهذا الحق
3/ الفصل الفعلي بين السلطات بما يعيد للهيئة التشريعية ومؤسسة القضاء دورهما في إحداث التوازن والمراقبة المتبادلة بين السلطات، ضمانا للحرية.
4/ انتخابات حرة ونزيهة بإشراف هيئة مستقلة وتعددية ومحايدة ووفق قانون عادل يضمن التنوع في الهيئات التمثيلية.
5/ حرية الإعلام والصحافة والإبحار على الانترنت
6/ حرية الاجتماع والتجمع وتأسيس الأحزاب والجمعيات
7/ سن قانون للعفو العام يفرج عن كل المساجين السياسيين ويعيد لكل من تعرض للتتبعات من أجل نشاطه أو معتقداته السياسية حقوقه المدنية والسياسية كاملة غير منقوصة.

إن تحقيق أهداف هذا الميثاق يقتضي توحيد كل قوى التغيير في العمل الميداني. وقد أثبتت التجربة خلال السنوات الماضية أن النخبة السياسية متوافقة على ملامح وأركان النظام الجمهوري البديل، مثلما تجلى ذلك من خلال الحوارات المبدئية التي أجرتها هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات، والتي تواضعت من خلالها المكونات العلمانية والإسلامية للمعارضة على حرية المعتقد وعدم التمييز بين المواطنين على أساس العقيدة أو الجنس، وعلى تمسكها بمكتسبات المجتمع التونسي في مجال تحرير المرأة وضرورة تعميقها بما يتفق والمعاهدات الدولية في هذا المجال، وعلى الطابع المدني للدولة التونسية وعلى أنه لا تعارض بين هذه الأبعاد الحداثية وهوية البلاد العربية الإسلامية التي تعمل الدولة على رعايتها.

لذلك فكل تقسيم لقوى المعارضة اليوم على أساس مذهبي أو ثقافي مضر بقضية التغيير، لا سيما أن التمايز المذهبي والثقافي المشروع لا يتعارض مع مقتضيات التوحد حول متطلبات المرحلة ولا يبرر الإقصاء، فالتمايز لا يكتسب معناه إلا إذا فتح على برامج وخيارات اجتماعية متباينة وعلى منافسة متكافئة تكون فيها للرأي العام الكلمة الفصل عبر انتخابات حرة ونزيهة.

والندوة الوطنية حول مستقبل الجمهورية تعلن أن تعبئة الرأي العام وتكتيل قواه الحية في وجه السياسات الحكومية هو السبيل الوحيد لتعديل موازين القوى وفتح طريق نحو الإصلاح، وهو سبيل لا يستثني الحوار مع الحكومة، لكنه لا يراهن عليه اليوم لانعدام شروطه. وأثبتت كل الأحداث الماضية، ومنها الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة، أن الحكومة ترفض نهج الحوار مع الأطراف المستقلة عنها ولا تقبل سوى العلاقات الزبائنية التي تبادل الولاء بالعطاء.

إن التحديات التي تواجه البلاد ضخمة وجسيمة وتتطلب تصويب الجهد نحو هدف الإصلاح والتغيير الذي لا هدف سواه، لذلك فإن الندوة تمد يدها إلى كل القوى الراغبة في رفع هذا التحدي، وفي مقدمتها قوى الشباب بناة الحاضر وصناع المستقبل، لنحت مصير تونس معا.

تونس في 10 جويلية 2010


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني