الصفحة الأساسية > البديل الوطني > التعبيرات الاجتماعية لـ"حكومة الغنوشي ـ فيلدمان"
سمير حمّودة:
التعبيرات الاجتماعية لـ"حكومة الغنوشي ـ فيلدمان"
10 شباط (فبراير) 2011

أمام سخط الشعب التونسي واحتجاج مئات الآلاف من الجماهير ومطالبتها بإسقاط حكومة الغنوشي اضطر تحالف التجمع والأحزاب الليبرالية إلى المناورة السياسية التي انتهت منذ أيام إلى ترقيع الحكومة بوجوه تجمعية من الدرجة الثانية. وتهدف هذه المناورة إلى استبلاه الشعب وإيهامه بأن الحكومة الجديدة هي بحق حكومة انتقالية. وفي الواقع لا يستجيب التحوير الأخير لمطلب الشعب في التخلص من سلطة التجمع والمجرمين بقدر ما يستجيب إلى ضرورة إنقاذ النظام القديم المتهاوي.

الهجوم الذي شنه البوليس منذ أيام على معتصمي ساحة القصبة وما تبعه من سخط عارم لدى المواطنين والمدافعين عن حقوق الإنسان دفع بالحكومة المرقعة لتوّها إلى تطوير مناوراتها السياسية. وتجسد ذلك فيما تجسد في التعويل على المواهب المسرحية لوزير الداخلية الجديد الذي حرص على إبراز بطولاته الخيالية في مواجهة المتآمرين من البوليس السياسي. فكان الكذب على الشعب التونسي ثاني مهام الحكومة الجديدة بعد أن كان أولّها الهراوات التي انهالت على معتصمي ساحة القصبة.

التحويرات الحاصلة أخيرا في قائمة الولاة دليل آخر على تواصل هيمنة التجمع على جهاز الدولة وإمساكه بمقاليد السلطة وعدم التفريط فيها لقوى الشعب .كما يُبيّن سذاجة البعض وخبث البعض الآخر ممن يعتقدون في "تكنقراطية" حكومة التحالف بين رجالات النظام القديم والمعارضة المخزية.

إنّ أشدّ المدافعين عن "حكومة الغنوشيي ـ فيلدمان" يقسمون بكل المقدسات أن التجمع لا يتحكم فيها وأن رجالات النظام القديم لا سلطة لهم عليها.

فمن يقف إذا من القوى السياسية وراء الحكومة الحالية؟ ومن نصبها لتتكلم باسم الشعب ومن فوّض لها تسيير المرحلة الانتقالية؟

من الواضح أن نصيب الأسد داخل الحكومة الحالية يعود إلى التجمع ورجالات ومختصّي الاختيارات الاقتصادية الليبرالية التي دأب على تطبيقها الديكتاتور المخلوع. وليس لحركة التجديد (ممثلها أحمد إبراهيم) والحزب الديمقراطي التقدمي (ممثله أحمد نجيب الشابي) إلا دور الديكور الانتقالي. ولتقييم وزن هاذين الحزبين يكفي أن نُذكرّ أنه لم يكن في مقدور ممثليهم داخل الحكومة إنقاذ المعتصمين بساحة القصبة من عنف وهراوات وزير الداخلية الجديد ولا منع سقوط ضحايا جدد في الكاف وقبلي وسيدي بوزيد برصاص البوليس أو في مراكز الشرطة. واكتفى هذان الحزبان بالتنديد بالعنف وبمطالبة الحكومة التي ينتميان إليها بالكف عنه.

تنديد أحزاب المعارضة المشاركة في الحكومة بتركيبة اللجان، التي تمّ تعيينها لتحضير المرحلة الانتقالية والتحقيق في السرقات والاغتيالات، والتي يُهيمن عليها التجمع والمقربون من العائلات المالكة والفاسدة هو دليل آخر على أن المعارضة الليبرالية لا وزن ولا قرار لها داخل السلطة الحالية.

من الواضح أن المعارضة التي تتمسك بتلابيب الغنوشي لم يُترك لها من دور إلا دور مغالطة الشعب وإيهامه بأن ثورته قد حققت مطالبه.

إن المناورات الحالية تهدف كلها إلى إيقاف مسار الثورة عند الحدّ الأدنى للإجهاز عليها تماما في مرحلة قادمة. ولتحقيق ذلك تسعى الحكومة الحالية لإبقاء كامل جهاز الدولة بيد التجمع وحلفائه. أما المسؤولون الجدد الذين يُسميهم البعض كوادر وتقنيين وخريجي مدارس عليا، ليسوا في الواقع إلا الخدم الوضيع للرأسمالية التابعة ولعائلات الفساد الماسكة إلى حد اليوم باقتصاد البلاد.

إن حكم بن علي لم تكن قاعدته الاجتماعية والطبقية محصورة في عائلات الفساد. هذه العائلات ليست إلا الشجر الذي يخفي الغاب. فطبقة الأعراف، أصحاب المؤسسات الكبرى، كانت تقف بكاملها وراء حكم بن علي. والحالات الاستثنائية تأكيد للقاعدة. هذه الطبقة الرأسمالية المحلية في تحالف اقتصادي وسياسي مع الرأسماليين الأجانب، غربيين كانوا أو عربا. ولكن هذا التحالف الكمبرادور لم يستخدم فقط بن علي وعائلاته لتعميق الخيارات الإقتصادية الليبرالية وتوسيع الإستثمارات الهادفة إلى تراكم الثروة والأرباح في يد حفنة من البرجوازيين.

الفئة الاجتماعية الثانية التي ارتكز عليها تحالف الكمبرادور ليست طبقة في حد ذاتها وإنما هي جيش هائل من الانتهازيين والوصوليين واللصوص من كل درب وصوب.هؤلاء انتشروا في كامل جهاز الدولة وإدارة اقتصاد البلاد من أعلى إلى أسفل. ويضم جيش الانتهازيين والوصوليين هذا خليط هائل من كل الطبقات، من المثقفين والمحامين والنقابيين البيروقراطيين والقضاة الخسيسين والإداريين اللاهثين وراء الترقيات الاجتماعية ومنشطي صحافة العار والأحزاب الكرتونية وأعضاء الجمعيات والمؤسسات الصورية ولجان الأحياء التي تظم في أغلبها حثالة المجتمع. الكثير من المنتمين إلى هذا الخليط الاجتماعي لهم بهذه الدرجة أو تلك يدّ مع التجمع وأخرى مع البوليس السياسي.

وفي تحليلنا للارتباطات الاجتماعية للنظام القديم لسنا في حاجة إلى ذكاء وقّاد لمعرفة أين موقع طبقة الأعراف (البرجوازية المحلية) والرأسماليين والمستثمرين الأجانب وخدمهم (المتمثل في جيش الانتهازيين والوصوليين) من الثورة؟

هذه القوى هي قوى الثورة المضادة ومن الطبيعي أن تقف الآن وراء حكومة الغنوشي التي تمثل الضمانة السياسية والأمنية لتواصل حكم البرجوازية المحلية والمستثمرين الأجانب. هكذا نفهم تصريحات الناطقين باسم الحكومة الفرنسية والأمريكية، منذ الساعات الأولى لهروب بن علي، الداعية إلى ضرورة سير العملية الانتقالية في إطار احترام دستور البلاد ومؤسساتها ونبذ "المتطرفين". أي أن تتم المرحلة الانتقالية في إطار احترام دستور ومؤسسات الدكتاتورية التي لا شرعية لها والتي قامت على اغتصاب إرادة الشعب التونسي. ممّا يجعل من المرحلة الانتقالية مرحلة وأد للثورة، لا في مطالبها السياسية فقط بل أيضا في مطالبها الاجتماعية.

وإذ تسعى قوى الردة إلى خنق الثورة وحصرها في جملة من الحريات السياسية الهشة فذلك بهدف أن تضمن للبرجوازية المحلية والرأسمالية العالمية تواصل الخيارات الاقتصادية القديمة التي مكنتهما من الاستحواذ على خيرات البلاد وإغراق تونس في المديونية والبطالة والتفاوت الجهوي والتفاوت في توزيع الثروة وثمار النمو الاقتصادي كمظهرين من مظاهر التفاوت الطبقي.

هذا التحليل يسمح لنا بفهم خلفية بعض التسميات الأخيرة في حكومة الغنوشي. فما يُسمّيه البعض بالتكنوقراطيين ليسوا إلا خدم بن علي الذين كُلفوا طيلة عقدين من الزمن على الأقل بلعب دور عملاء الدوائر الرأسمالية العالمية والحكومات الإمبريالية. وإذا ما أراد البعض التثبت في هذه الحقيقة يكفي الإطلاع على وظائفهم ومسؤولياتهم السابقة وما تمتعوا به من امتيازات حتى يدركوا أن هؤلاء القوم كانوا مهندسي الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية الكارثية للعهد القديم.

أمّا القوى السياسية التي سعت الإدارة الأمريكية، بلسان مبعوثها للشرق الأوسط، الصهيوني الشهرة السيد فيلدمان (والذي استقبله الغنوشي قبل القيام بالتحوير الوزاري الأخير) إلى إبعادها عن مواقع القرار متهمة إيّاها بالتطرف، فهي نفس القوى التي وجّه لها بن علي نفس التهمة وقمع مناضليها وزجّ بهم في السجون. هذه القوى كانت ألد أعداء الدكتاتورية.

ولكن ميزان القوى السياسي بين القوى الداعمة للنظام القديم وبين القوى الديمقراطية، أي بين البرجوازية المحلية وحلفائها وبين الشعب التونسي حدثت فيه تغييرات هامة منذ قيام ثورة 14 جانفي وسقوط بن علي.

لم يعد في مقدور البرجوازية المحلية وحلفائها أن يحكموا البلاد كما في السابق. عليهم الآن بتطوير مناوراتهم السياسية وعدم الاكتفاء بسياسة الهراوات والقمع البوليسي. أولى هذه المناورات، التي بدأت قبل رحيل بن علي بسويعات وتحت تأثير ضغط الشارع والنهوض الجماهيري، تمثلت في إسراع البرجوازية إلى توسيع رقعت تحالفاتها. من ناحية لم يعد في مقدور النظام البرجوازي التابع أن يحافظ على طابعه الديكتاتوري ولا أن يكتفي بديكور الأحزاب الكرتونية. ومن ناحية ثانية غدا من الواضح أنه في حاجة ملحّة إلى أحزاب الديكور الانتقالي. دم جديد يُعيد الحياة إلى جثة جسمه السياسي المتهاوي.

إن دخول حزبي "التقدمي" و"التجديد" إلى حكومة الإنقاذ التي دعى إليها بن علي ثم الغنوشي كان أوّل طعنة لمسار الصيرورة الثورية وأول مناورة سياسية نجحت في تحقيقها القوى المعادية للثورة وأول محاولة للغدر بمطالب الجماهير. لقد هرول ممثلو هذين الحزبين، بناء على نداء بن علي، لتكوين "حكومة إنقاذ وطني"، بينما كان الشعب التونسي يصرخ كرجل واحد بسقوط النظام وبرحيل الطاغية. وبينما كانت الجماهير تطالب بحل التجمع وتقتحم مقراته، كان أحمد نجيب الشابي، لا الغرياني،أول المدافعين عن "شرعية" بقائه. هكذا خضعت خيانة الشعب لمبدأ المناولة السياسية.

وزيادة على أن دخول هذه الأحزاب الليبرالية إلى حكومة الإنقاذ، لم يكلف البرجوازية المحلية وحلفائها الكثير فإنه قد مكنها من توسيع تحالفها الطبقي ليشمل جزءا من ممثلي الطبقة الوسطى المدينية.

ويمكن القول أن انخراط قيادة الأحزاب الليبرالية في حكومة الغنوشي يستجيب موضوعيا للمنحى السياسي (السيكولوجي في تمظهره غير الواعي) للفئات الأقل نضالية من الطبقة الوسطى والأقل تضررا من الأزمة الاقتصادية. هذه الفئات استهواها خطاب "عودة الحياة الاقتصادية" و"استقرار الأمن" وذلك على حساب استمرار الثورة حتى تحقيق أهدافها الديمقراطية.

بالمقابل يقف الجزء الأهم من الطبقة البرجوازية الصغيرة، وفي مقدمتهم المثقفون، في صف الثورة وإلى جانب الفئات الشعبية المطالبة بحل حكومة الغنوشي وحل التجمع وحل المؤسسات الصورية والمنادية بجمعية تأسيسية تُنهي نظام الاستبداد. وما دفاع المحامين وجمعيتهم عن اعتصام ساحة القصبة إلا أبلغ دليل على ذلك.

وقد تشهد الأسابيع والأشهر القادمة احتداد مظاهر الصراع الطبقي بين تحالف البرجوازية الكبيرة وعائلات الفساد والأحزاب اللبرالية وبين تحالف الفئات الشعبية والفئات الأكثر ديمقراطية وثورية من البرجوازية الصغيرة. هذه التحالفات ستفعل فعلها في الواقع الاجتماعي حتى وإن بقيت منقوصة الوعي ومنقوصة التنظيم. الشيء المؤكد أن تحالف الأحزاب الليبرالية والبرجوازية الكمبرادورية المنقاد بالاختيارات الاقتصادية للرأسمالية العالمية لن يكون في مقدوره تقديم أي حل لمظاهر البطالة والفقر والفساد والتفاوت في توزيع الثروة بين الفقراء والأغنياء وبين المناطق الساحلية والمناطق الداخلية للبلاد. تلك هي مقدمات تواصل النفس الثوري ضمن الجماهير.

سمير حمّودة
7 فيفري 2011



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني