الصفحة الأساسية > البديل الوطني > التعذيب آفة وأسلوب حكم
على هامش اليوم العالمي لمناهضة التعذيب:
التعذيب آفة وأسلوب حكم
26 حزيران (يونيو) 2010

يوافق يوم 26 جوان من كل عام اليوم العالمي لمناهضة التعذيب. وهو اليوم الذي تؤكد فيه الحركة الحقوقية والديمقراطية في العالم أجمع على الرفض والتشهير والتنديد بارتكاب التعذيب وغيره من أنواع المعاملة القاسية والمهينة والحاطة بالكرامة الإنسانية. ليس هذا فقط بل يقوم المناضلون الأحرار في كل البلدان بفضح ممارسي التعذيب أمرا وتنفيذا كما يدعون إلى إنصاف ضحاياه وتمتيعهم بكامل حقوقهم.

ويمثل هذا اليوم مناسبة جدية بالنسبة للحركة الحقوقية والمنظمات الدولية ذات الصلة لتقف على حقيقة الأوضاع في العالم وتسجيل التقدم الحاصل وكذلك التـأخر في رصيد كل الدول، وهو يوم تصدر فيه عديد التقارير التي تشخّص الوضع العالمي من زاوية القوانين والمواثيق الدولية.

ولا يزال التعذيب وأنواع المعاملة القاسية والمهينة تمارس على أوسع نطاق في الكثير من أصقاع العالم رغم التجريم في القوانين الدولية والوطنية لهذه الممارسة الوحشية والبدائية، وهو تجريم عالمي مطلق وملزم وساري المفعول في جميع الحالات والأوضاع والظروف، أي زمن الحرب وزمن السلم،علما وأنّ القانون الدولي وخاصة "اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أواللاإنسانية أو المهينة" التي أصدرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 10 ديسمبر 1984 دخلت حيز التطبيق في 26 جوان 1987. والتعذيب هو كل ما يمكن أن يمسّ من حرمة الشخص الجسدية أو النفسية أو المعنوية، وهو أمر مرفوض في كل الحالات ومن شأن ممارسه أن يتعرّض للملاحقة القضائية الوطنية أو الخارجية.

أمضت على هذه الاتفاقية أغلب دول العالم، ومع ذلك مازالت ممارسة التعذيب سائدة بل وفي ازدياد، ويتعلق الأمر بدول في "العالم الثالث" كما في "العالم المتقدم" خاصة في السنوات الأخيرة ضمن ما يسمّى "الحرب العالمية على الإرهاب" إذ عادت عديد الممارسات إلى مخافر الشرطة والسجون في الولايات المتحدة وبريطانيا وايطاليا... وتقف التقارير المختصة على ما تمارسه أجهزة المخابرات والبوليس في هذه البلدان من أساليب عنيفة من أجل الحصول على اعترافات، ولا يطال هذا القمع المشتبه بهم في قضايا إرهاب الذين هم في أغلبهم رعايا أجانب، بل يطال الأمر حتى النشطاء الاجتماعيين والسياسيين والحقوقيين خاصة عند خروجهم للشارع للتنديد أو التضامن أو المطالبة، وقد أظهرت شاشات التلفزات أكثر من مرة ما تمارسه هذه الأجهزة القمعية في اليونان والبرتغال وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وأمريكا... هذا فضلا عمّا تمارسه دول الاحتلال في العراق وأفغانستان... والعالم لازال يستحضر القليل من الصور التي تسرّبت للإعلام عن سجن أبو غريب ومحتشد غوانتانامو. أمّا في الأراضي الفلسطينية المحتلة فالواقع أفظع، فالتعذيب هو أسلوب حكم عند المحتل الغاصب ولا شك أن تقارير العديد من المنظمات حول هذا الأمر تؤكد بما لا جدال فيه أن الكيان الصهيوني هو بصدد ممارسة إبادة جماعية لشعب بهدف شطبه من أرضه وبلده، ومن أجل ذلك يمارس كل أساليب إرهاب الدولة على الشاكلة التي مارستها النازية والفاشية.

أما في "العالم المتخلف" فالوطن العربي يأتي في المقدمة من حيث اتساع رقعة هذه الممارسة الهمجية، ونحن لا نبالغ حين نقول أنّ الأنظمة العربية لازالت تحافظ على عروشها بواسطة التعذيب الممنهج والواسع. وتحتل تونس وضعا "متميّزا" في هذه الخارطة البربرية.

إن العديد من الدول التي صادقت على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، قبلت طواعيّة الالتزامات المفروضة بموجب القانون العرفي الدولي. وجميع حكومات دول العالم مدعوّة إلى التصديق على هاتين المعاهدتين الأساسيتين المتعلقتين بحقوق الإنسان، فضلا عن البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب.

التعذيب في تونس

يمارس التعذيب في تونس على نطاق واسع لأتفه الأسباب وفي حالات عديدة بدون سبب. يمارس في مخافر الشرطة والسجون وكذلك في الفضاء العام أي في الشارع والملاعب وأمام مقرات الأحزاب والمنظمات والنقابات. كما لا يخلو مركز من مراكز البوليس من وجود وسائل مخصصة للتعذيب كالعصي والسلاسل... وكثيرا ما يؤدّي التعذيب إلى الموت أو الإعاقة ويترك آثارا نفسية أو بدنية دائمة. ويتورّط في ممارسة التعذيب صغار الأعوان الذين هم مجرّد "أدوات تنفيذ" وكذلك كبار الضباط ليس بالأمر فقط بل وأيضا بالممارسة.

وتؤكد التقارير والبيانات التي تصدرها المنظمات الدولية والمحلية مدى استفحال هذه الممارسة التي تعتبر أسلوب حكم يهدف إلى إخضاع هذا الشعب والتحكم فيه من قبل الدكتاتورية الجاثمة على الصدور، أنه ليس ممارسة معزولة يمارسها بعض صغار الضباط بل هو أسلوب سائد في كل الأجهزة القمعية من فوق إلى تحت، يمارس لانتزاع اعترافات في القضايا السياسية وكذلك أتفه القضايا وأبسطها، وهو يمارس على نطاق واسع في الشارع ضد النشطاء نساء ورجالا، وكذلك ضد الجماهير حين تعبّر عن غضبها والشاهد على ذلك انتفاضة الحوض المنجمي حين كان العنف الأعمى والسحل والركل... يمارس في الشارع أمام الناس، والدكتاتورية تهدف إلى ذلك وتتعمّده حتى ترهب الشعب وتشككه في قدراته لتؤبّد سيطرتها عليه.

إن التعذيب في بلادنا طاعون وداء مستشري في كل الأجهزة الأمنية والسجنية رغم كون الدولة أمضت سنة 1988 على اتفاقية مناهضة التعذيب ورغم كون المجلة الجنائية التونسية تجرّم ممارسة التعذيب في فصل أضيف أواخر التسعينات تحت ضغط المنظمات الحقوقية التونسية والعالمية، وهو ما يفرض على الحركة الحقوقية ومجمل فعاليات المجتمع المدني العمل الواسع والمكثف من أجل الفضح والتشهير وكذلك من أجل توعية الناس لرفض التعذيب وتتبّع ممارسيه، على أن النضال ضد التعذيب هو في وجه من وجوهه نضال ضد الدكتاتورية والاستبداد.


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني