الصفحة الأساسية > البديل الوطني > التغيير لن يكون إلا ثمرة نضال الشارع التونسي
التغيير لن يكون إلا ثمرة نضال الشارع التونسي
30 كانون الأول (ديسمبر) 2010

لا أحد ينكر عمق الأزمة الرأسمالية ونتائجها الاجتماعية الكارثية، محليا ودوليا. وأولى هذه النتائج وأكثرها وطأة تصاعد نسب البطالة بسبب تعدد عمليات التسريح وإغلاق المؤسسات بالنسبة لمن لهم موطن شغل وانحصار إمكانيات التشغيل بالنسبة للشباب الذي لم تتوفر له أي فرصة عمل. وإذا كان شغالو الدول الغربية والصناعية المتقدمة لا زالوا يتمتعون ببعض الحقوق الخاصة بالعاطلين عن العمل، مثل منحة البطالة وخدمات وتسهيلات في مجال الصحة والسكن، فإن البطالة في الدول الرأسمالية التابعة، مثل تونس، تُلقي بأصحابها مباشرة في حالة من الفقر المدقع. وفي بلادنا يتعزز جيش العاطلين عن العمل في كل سنة بمئات الآلاف من القادمين الجدد إلى سوق الشغل، بمن فيهم أصحاب الشهادات العليا. ومن المنتظر أن تتطور آفة البطالة، وما ينتج عنها من بؤس، نحو التفاقم. فمن جهة ليس لنظام بن علي من حل لها ومن جهة ثانية لم تعد أوروبا العجوز في مقدورها أن تستقبل إلا النزر القليل من السواعد، القليل والقليل جدا.

في المقابل لا أحد يُدرك عمق التأثيرات النفسية للأزمة وفعلها في سيكولوجية الجماهير العاطلة والمفقرة. المؤكد أن مظاهر الغضب المكبوت بدأت تطفوا على السطح في أكثر المناطق تضررا وبدأ صبر الجماهير ينفذ وبدأ غليانها الباطني يتمظهر. وما الاحتجاجات الجماهيرية التي تشهدها تونس حاليا إلا زبد ما اختمر ويواصل اختماره.

في تقييمنا لانتفاضة أهالي جهة الرديف خلال سنة 2008 أكدنا على أن هذه الانتفاضة كانت تُنذر بدخول تونس في مرحلة تاريخية جديدة. مرحلة ستتميز بانفجارات جماهيرية متواترة في مختلف المناطق. وجاءت تحركات وإضرابات ومواجهات شعبية أخرى في مناطق أخرى لتؤكد النهوض التدريجي لجماهير العاطلين والمفقرين وتطور استعداداتها للاحتجاج والتظاهر. لذلك كانت أول مزاعم نظام بن علي التأكيد على الطابع الاستثنائي والهامشي لمثل هذه الانتفاضات. وليست أحداث اليوم في جهة سيدي بوزيد وغيرها من المناطق إلا من قبيل الوقائع التي تؤكد صحة قراءتنا وافتضاح خطاب السلطة وخيبة مسعاها.

وإذا ما راهنت السلطة في بداية أحداث الرديف على الانطفاء الذاتي لتحركات الجماهير وتريثت بعض الوقت قبل الإقدام على مواجهتها بالبطش والرصاص والجيش فإن ذاك الرهان لم يعد يُجدي وذاك التريث لم يعد ممكنا فيما يخص جهة زيدي بوزيد وما تبعها من مناطق. فلم تمض إلا بضعة أيام على انطلاق الاحتجاجات حتى سقط شهيدان (محمد العماري وشوقي حيدري) بإطلاق الرصاص في بلدة منزل بوزيّان. ولم تنتظر قوات الأمن، أمن بن علي لا أمن الشعب، طويلا للإقدام على مسلسل الإيقافات والمداهمات وتعنيف المواطنين. وأعلن البلاغ الرسمي للسلطة أن إطلاق النار كان "حالة دفاع شرعي". والواقع أن نهوض الجماهير هو الذي وضع الديكتاتورية في حالة دفاع. أما استعمال الرصاص وقتل المواطنين وإنزال الجيش في الشوارع فليس ذلك من الأمور الاستثنائية وستلجأ السلطة إلى هذا العنف باستمرار وبأكثر شدة كلما أصابها الرعب من مبادرة الجماهير. واستعمال الجيش في إخماد النهوض الشعبي يُمثل الخط الدفاعي الأخير للديكتاتورية وسيُبرز أكثر فأكثر الدور "الوطني" الوحيد لرؤساء هذا الجهاز أي تقتيل المواطنين كلما تطلب ذلك الذود عن دولة اللصوص والاستبداد.

أما الجماهير المحتجة فقد اختارت شعاراتها ولعل أبرز هذه الشعارات "التشغيل استحقاق يا عصابة السراق". وعلى حدّ علمنا لم نسمع بهذا الشعار من قبل ولم يكن على لسان أي حزب من الأحزاب. وهو يختزل ثلاث أبعاد في نفس الوقت. أن مطلب التشغيل مطلب مصيري ورئيسي في جملة المطالب الشعبية. كون مسالة الاستحقاق تشير إلى واقع الفساد في النظام القائم. أما "عصابة السراق" فتعود على عائلات الحكم المتنفذة في الشأن الاقتصادي والسياسي للبلاد.

إن ألحّ المطالب الشعبية اليوم هو مطلب التشغيل. والاستجابة لهذا المطلب يرتبط بتحقيق جملة من الإجراءات والإصلاحات التي يجب أن تكون من أولويات الحركة العمالية والديمقراطية المتجذّرة. في مقدمة هذه الإصلاحات توفير منحة بطالة للمحرومين من حق الشغل والملقى بهم في بؤرة البؤس.

ولكن الاحتجاجات الحالية لم تخل من الشعارات السياسية التي نددت صراحة برأس هرم السلطة. ولم يكتف المواطنون المحتجون برفع الشعارات بل انتقلوا إلى الفعل السياسي المباشر. وإلا ما معنى إقدامهم على حرق مقرات "التجمع"، أي مقرات الحزب الحاكم، هنا وهناك. أي حزب سياسي في تونس يجرأ على ذلك؟! بهذه الجرأة العفوية حددت الجماهير عدوها السياسي الرئيسي كما دلّت على مرمى ضرباتها القادمة وهي بذلك أيضا تُشير إلى المصير التاريخي الذي ينتظر عدوها.

كل الأحداث التي تواترت منذ انتفاضة الحوض المنجمي والتي تتواتر اليوم، منذ بدأت احتجاجات أهالي سيدي بوزيد، كلها تشير إلى أن تغيير النظام القائم في تونس سيتمّ على نحو عنيف. عدّة عوامل تتفاعل في هذا الاتجاه.

لعلّ أهم هذه العوامل تكمن في كون النظام القائم نظام سياسي "لا يَصلح ولا يُصلح". لا يمكن لنظام بن علي أن ينخرط في سياسة انفتاح حقيقي. ذلك ليس من عاداته ولا من طبعه ولا في متناوله. كما لم يترك أي مساحة سياسية للقوى الديمقراطية الليبرالية الأكثر اعتدالا ولم يترك لها أي تواصل طبيعي بالجماهير. ولن تنفع محاولات البعض من القوى الليبرالية الداعية إلى الحوار والتفاوض ولن يكون لهذه المحاولات أي تأثير في السلطة ولا أيّ صدى لدى المنتفضين. لذلك تبدو المواجهة القائمة اليوم بين الشعب التونسي ونظام الديكتاتورية مواجهة وجه لوجه، دون وكالات ودون وساطات سياسية يمكن أن تلعب دور الاحتواء والتلطيف. وإذا لم يُقدم النظام على مزيد خنق وقمع المعارضة السياسية، وهو الاحتمال "الطبيعي" الذي تؤكده الإيقافات الأخيرة وتهديدات بن علي، فسيكتفي في أحسن الأحوال بترقيع جلباب الديكور بنفر جديد من الخونة والمرتزقة بعد أن يكون أخمد الاحتجاجات بوحشية وبعنف وبعد أن يكون قد عيّن كبش فداء.

غسان الماجري


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني