الصفحة الأساسية > البديل الوطني > الجامعة التونسية تتهاوى في "عهد التغيير"
في ضوء التصنيفات العالمية الجديدة:
الجامعة التونسية تتهاوى في "عهد التغيير"
23 كانون الثاني (يناير) 2010

منذ سنوات عديدة ما انفك مدرسونا وباحثونا وطلبتنا وكل المهتمين بشأن التعليم في بلادنا وخاصة الجامعي منه، يطلقون صيحات الفزع عبر هياكلهم العلمية والنقابية وحتى عبر بعض وسائل الإعلام المستقلة، للتنبيه إلى الأزمة العميقة التي يتخبط فيها القطاع التربوي جراء السياسات العشوائية التي ينتهجها نظام الحكم.

إن هذه السياسات التي تقدّم على أنها "إصلاحات" هي أولا مملاة من دوائر أجنبية، في مقدمتها "البنك الدولي" وهي تندرج ضمن اختيارات عامة، تهدف إلى ضرب التعليم العمومي وإخضاعه للمصالح المباشرة والمتقلبة لأصحاب رأس المال المحليين والأجانب على حساب المصالح الأساسية للوطن والشعب. وهي ثانيا سياسات مفروضة فرضا على كافة الأطراف المعنية، فالسلطة هي التي "تفصّل وتخيّط". وما على هذه الأطراف إلا التنفيذ في مناخ قمعي لا سلطة فيه إلا للإدارة والبوليس السياسي الذي يراقب عن كثب الطلبة والأساتذة على حد سواء، ولا يتورّع عن التدخل متى شاء وكيفما شاء.

لقد أدى كل هذا إلى تدهور التعليم الجامعي في بلادنا ولم تعد الشهادات الممنوحة في جامعاتنا ومدارسنا العليا تتمتع بالمصداقية. كما تراجع البحث العلمي بشكل مفزع. فالأستاذ تحوّل إلى مجرّد مدرّس يلقي درسه وفقا لمنهج مسطر، والطلبة مجرد متلق ينسخ ما يملى عليه في انتظار امتحان يسعى إلى كسبه بكل الطرق بما في ذلك الغش والإرشاء ليحصل على شهادة تؤهله في الغالب لكي يصبح "عضوا" في نادي "أصحاب الشهادات العليا المعطلين عن العمل".

وقد ظلت السلطة تسدّ أذنيها في وجه كل نقد، مواصلة نفس السلوك الذي تسلكه في كافة المجالات، التي لا تقل بدورها تأزما عن القطاع التربوي وهو أن "كل شيء على ما يرام في العهد الجديد" وأن كل نقد أو معارضة ما هي إلا "صيد في الماء العكر" و"عدم عرفان بالجميل" وبـ"الإنجازات العظيمة المحققة بقيادة سيادته" الذي "لا يخطئ" والذي هو "عالم عليم بكل شيء".

وتستعمل السلطة للتضليل، جملة من الأرقام حول نسبة التمدرس وعدد الطلبة ومراكز البحث والمخابر ووحدات البحث وعدد الناشطين فيها علاوة على عدد "الأقطاب التكنولوجية" حجة على "سلامة السياسة الجامعية" التي قررها "سيادته"، دون الخوض بالطبع في جودة التعليم الجامعي في بلادنا ومدى استجابته للحاجات المباشرة والاستراتيجية للشعب التونسي.

وقد جاءت في الآونة الأخيرة بعض التقارير العالمية المتعلقة بالتعليم العالي والبحث العلمي لتوجه صفعة جديدة إلى نظام بن علي وتكشف عن زيف ادعاءاته وتضع التونسيات والتونسيين أمام حقيقة مرة تتمثل في أن جامعتنا لا تتقدم بل هي تتدحرج إلى أدنى المراتب عربيا وإفريقيا وعالميا وهو ما يمثل خطرا جسيما على مستقبل تونس.

ومن الملاحظ أن وسائل الإعلام الموالية للسلطة والتي اعتادت نقل التقارير المجاملة والمادحة الصادرة في معظمها إن لم نقل كلها عن مؤسسات وأطراف مشبوهة، تجاهلت هذه التقارير الجديدة رغم أنها صادرة عن مؤسسات تتمتع بنسبة عالية من المصداقية بالنظر إلى اعتمادها في تصنيفاتها على معايير موضوعية لا يمكن للمرء أن يعارضها أو يشكك فيها، ورغم أنها تمثل، بالنسبة إلى أيّ دولة، فرصة للتقييم.

يتعلق التقرير الأول بـ"التصنيف الأكاديمي للجامعات على الصعيد العالمي" المسمى "تصنيف شانغهاي" لأفضل 500 جامعة في العالم لعام 2009. وقد بدأ هذا التصنيف الذي يقوم به باحثون من جامعة "جياو-تونغ" بشانغهاي (الصين) في عام 2003. وهو ما انفك يشد الأنظار منذ ظهوره لأول مرة رغم انتقادات بعض المختصين، إذ أصبح مرجعا هاما في الدول المتقدمة لتقويم جودة التعليم والبحث العلمي في بلدانها. ويعتمد "تصنيف شانغهاي" على جملة من المعاير (6) في عدة مجالات (4). ولكل معيار نسبة مئوية في الحاصل العام. وهذه المجالات والمعايير هي التالية:
- أولا: في مجال جودة التعليم (معيار واحد): عدد الخريجين الحاصلين على جائزة نوبل (جائزة نوبل للسلام والأدب لا يقع احتسابهما)، أو جوائز أخرى عالمية ذات مصداقية (10%).
- ثانيا: في مجال جودة الجامعة (معياران): عدد أعضاء هيئات التدريس الحاصلين على جائزة نوبل أو على جوائز عالمية مشهود بمصداقيتها (20%)، وعدد الباحثين المعتمدين أكثر من غيرهم في اختصاصاتهم (20%).
- ثالثا: في مجال المنشورات (معياران): عدد المقالات المنشورة في مجلتي "طبيعة" و"علم" في ما بين 2000 و2004 (20%) وعدد المقالات المفهرسة في: "Sciences Citations Index" و"Arts and Humanites Index" (20%).
- رابعا: في مجال حجم الجامعة (معيار واحد): الأداء الأكاديمي للجامعة نسبة إلى حجمها (10%).

إذا أمعنا النظر في قائمة الـ500 جامعة الأفضل في العالم، فإننا نلاحظ أن المراتب الأولى احتلتها الجامعات الغربية وعلى رأسها الجامعات الأمريكية (152 جامعة على 500) فالأنجليزية (40 جامعة) فاليابانية (31 جامعة) فالألمانية (40 جامعة دون أن تكون لها جامعة مصنفة ضمن العشرين الأوائل). وقد احتلت بلدان أوروبية صغيرة الحجم مراتب هامة ضمن هذا التصنيف (سويسرا، السويد، هولندا، الدانمارك، النرويج...). وحصلت 7 جامعات "إسرائيلية" على مكانة ضمن أفضل 500 جامعة في العالم، وكذلك 9 جامعات كورية جنوبية و6 جامعات برازيلية وجامعتان يونانيتان وجامعة إيرانية وأخرى تركية. ولم تحصل سوى جامعة واحدة عربية وهي جامعة سعودية، على مرتبة متأخرة ضمن تصنيف "شانغهاي". أما الجامعات التونسية فقد غابت تماما عن هذا التصنيف دون أن يثر ذلك أي تعليق في الأوساط الرسمية ولا نقاشا في وسائل الإعلام حول أسباب هذا الغياب رغم حضور بلدان أخرى كانت في وقت من الأوقات متخلفة عن تونس أو هي في نفس مستوى تطورها (كوريا الجنوبية، البرتغال، اليونان، السعودية، تركيا، إيران...).

أما التصنيف الثاني فيتعلق بتصنيف موقع "ويبومتريكس" الخاص بجودة التعليم الجامعي في العالم. ويستند هذا التصنيف إلى معايير كمية لحساب فعالية المواقع الإلكترونية للجامعات: حجم المعلومات الخاصة بالجامعات في مواقعها الإلكترونية، وضوح هذه المعلومات، ثراء الملفات إلخ. يتم هذا بالاستناد إلى أربعة "محركات بحث" (غوغل، ياهو، لايف سيرش، إكسباليد) ويُعتمد لقياس الأبحاث التي تم نشرها موقع "غوغل سكولار" المختص في فهرسة المحتويات العلمية.

إن المعايير المستند إليها في هذا التصنيف هي معايير لها صلة بـ"العالم الرقمي" الذي يزعم نظام بن علي أنه "فارس" من "فرسانها" وعضو من الأعضاء "الكبار" في نادي "مجتمع المعرفة". ولو كان هذا الزعم صحيحا لوجدنا له أثرا في تصنيف "ويبومتريكس". ولكن، على العكس من ذلك، يكشف هذا التصنيف الطابع الديماغوجي لمزاعم نظام بن علي ويبيّن لنا أن المجال الرقمي الوحيد الذي قد يكون أفلح فيه بن علي هو التقنيات المتعلقة بمراقبة المواقع التي تنتقد نظامه، وكذلك البريد الإلكتروني لخصومه ومعارضيه. أمّا في مجالات العلم والمعرفة فلا شيء غير الفشل الذريع.

تعرّض تصنيف "ويبومتريكس" لأفضل 100 جامعة عربية فإذا بجامعة تونسية واحدة وهي "الجامعة الافتراضية التونسية"، تحصل على مكانة بينها برتبة 53. ولا يمكننا أن نفهم فداحة الأمر إلا إذا قارنا وضعنا بوضع إخوتنا في الفلسطينيين الذين يعيشون تحت نير الاحتلال الصهيوني وحصاره وعدواناته المستمرة ومع ذلك فإن 9 من جامعاتهم أدرجت ضمن أفضل 100 جامعة عربية، من بينها 5 جامعات متقدمة في الترتيب عن "يتيمتنا". وتمثل جامعة غزة واحدة من هذه الجامعات الخمس وقد حصلت عربيا على المرتبة 14.

أما على الصعيد الإفريقي فإن وضع تونس لا يختلف كثيرا إذ أن جامعتين (2) فقط احتلتا مكانة ضمن أفضل 100 جامعة إفريقية. وهاتان الجامعتان هما "الجامعة الافتراضية التونسية" (50) وأخرى متخصصة في تكوين المهندسين (60). وبالمقابل فإن 13 جامعة مغربية و11 جزائرية أدرجت ضمن أفضل 100 جامعة إفريقية. وكما كان متوقعا احتلت المراكز الأولى في هذا التصنيف الجامعات الجنوب إفريقية والمصرية. وقد حصلت جامعات "داكار" (السينغال) و"وقادوقو" (بوركينا فاسو) والبنين على مراتب أفضل من مرتبتي جامعتينا.

وأخيرا، وعلى الصعيد العالمي، فإن "الجامعة الافتراضية التونسية" هي الوحيدة التي افتكت مكانا ضمن أفضل 6000 جامعة في العالم، وقد حصلت على المرتبة 5806، في حين دخلت التصنيف 5 جامعات فلسطينية، حصلت كلها على مراتب متقدمة على الجامعة التونسية (جامعة غزة، المرتبة 2392). كما أن 12 جامعة سعودية و6 جامعات مصرية و5 جامعات أردنية أدرجت ضمن الـ6 آلاف جامعة الأفضل عالميا.

هذه هي حال جامعتنا وفقا لتصنيفي "شانغهاي" و"ويبومتريكس". وهي حال مزرية كما نرى تكذّب كما قلنا المزاعم الرسمية حول "القفزة العملاقة" التي عرفها التعليم العالي والبحث العلمي في "العهد الجديد". إن جامعتنا في أزمة، وهو ما لا يتطلب طول تحليل، فالبيانات كما رأينا واضحة ولا نعتقد أن من قدّمها وفقا لمعايير محددة "معارض" لنظام بن علي أو "في نفسه مرض". ولا تمثل أزمة جامعتنا سوى جزء أو مظهر من الأزمة العامة التي تعصف ببلادنا. فما من مجال اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي لم يطله التخريب في "العهد الجديد".

إن وضع جامعتنا، وقطاعنا التربوي بشكل عام، ليحفز كل القوى الحية ببلادنا على ضرورة الإسراع بالتغيير لإيقاف تيار الانهيار الذي يجرف مجتمعنا على كافة المستويات. وإنّ للأستاذة والباحثين والمدرسين والطلاب والتلاميذ والأولياء مسؤولية مباشرة اليوم في التصدي لسياسة نظام بن علي الرجعية في المجال التربوي.

لقد رفعت حركة فيفري 1972 الطلابية المجيدة، قبل 38 عاما شعار "جامعة شعبية، تعليم ديمقراطي، ثقافة وطنية". وما يزال هذا الشعار يكتسي راهنية إلى اليوم. فلا نهوض لجامعتنا وللقطاع التربوي بصفة عامة إلا في إطار مشروع وطني، ديمقراطي، شعبي. ولكنّ التغيير لن يأتي من فراغ، فعلينا أن نواجه خوصصة التعليم، وتبضيعه، وتخريبه بناء على "إصلاحات" مفروضة فرضا من البنك العالمي لمصلحة الرأسمال الأجنبي والمحلي وبهدف إفقاد بلادنا مقومات نهوضها.



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني