الصفحة الأساسية > البديل الوطني > الدكتاتورية تحفر قبرها بيدها
الدكتاتورية تحفر قبرها بيدها
23 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009

إلى كل الذين سمّوا الأشياء بأسمائها وفضحوا عريّ هذا النظام ونشروا فضائح المهزلة الانتخابية، فكانوا ضحية القمع الممنهج والاعتداءات المتكررة والقضايا الملفقة. أقول لكم ان الكلمة الحرة لا تكبّل.

فلا شئ يعود... لكن الأشياء تستعاد. والوطن الجريح المنتهب والمغتال على مآدب "الطرابلسية" و"الماطري"... بأمس الحاجة إلى كل صوت وقلم حرّ فالطريق ما تزال طويلة ومازال في النضال ألف باب لم يفتح بعد، وعلى القوى الديمقراطية استيعاب الدرس هذه المرة والعمل على توحيد صفوفها لعزل الديكتاتورية وتشديد الخناق من حولها. فدولة 7-11، دولة الاستباحة السياسية بماهي اغتصاب وعنف وإرهاب وقتل... دولة تجعل الواحد منّا يستعيد عصور محاكم التفتيش التي دخلت عند الغرب في ذمّة التاريخ الأسود. لكن شبحها اليوم يخيم بظلاله الرهيبة على مقرات وأقبية وزنزانات وحتى الشوارع في دولة بن علي رائد التغيير.

ولعل الهجمة المسعورة التي شنتها السلطة على رموز المعارضة التونسية ومنظمات المجتمع المدني المستقلة والصحفيين والطلبة... وما تمارسه من أساليب قمع واعتداءات ومحاصرة وافتعال القضايا ضدّهم... لا تطل بنا على عصور الظلمة بقدر ما تؤكد لنا مدى الاستهانة الحيوانية بالمواطن.

هو الانحطاط إذن؟ انحطاط هذا النظام الفاشي وعجزه عن تقديم حلول لمشاكل الشعب. فقد أدّت خيارات السلطة في ظل أزمة اقتصادية واجتماعية إلى تفاقم التناقضات الطبقية، وهو ما أدّى إلى تردّي أوضاع الشعب وتسريح عديد العمال ممّا زاد في نسبة البطالة وارتفاع وتيرة الاستغلال والنهب والفساد والمحسوبية. ولذا ما انفكت السلطة والأقلية المافيوزية تدفع إلى تصعيد القمع حفاظا على مصالحها وعلى كيانها. فبن علي وحاشيته لا مصلحة لهم في الديمقراطية والحرية... بل إن مصالحهم تكمن في القمع وتعزيز دولة البوليس.

الفاشية تدق طبولها في اللحظة الراهنة، تشهر عصاها في وجه كل معارض وكل ناقد وحتى في وجه أيّ مواطن عادي خرج عن مدارها وعن جداول قانون النظام.

البعض سيسأل: كيف سنوقف زحف هذا الوحش؟ وسيجيب البعض: سؤال بلا معنى في أزمنة العجز والتهميش. وآخر يردّد ما تقوله السلطة. فبن علي وحزبه سخّروا وسائل الإعلام والصحافة وحتى الفكر لصالح دولة القمع والفساد. وهذه الوسائل سخرها للتمجيد الديماغوجي لنزاهة السلطة المطلقة ومؤسساتها وبرامجها السياسية والثقافية والنقد مصادر سلفًا، وحرية التعبير مدرجة في جدول الممنوعات لدى السلطة.

لكن الشعب الذي يسمع، ويرى، وينجرح، ويتأوّه ويصمت... لم يعد ينطلي عليه هذا الخطاب. يقول الفلاسفة: "إذا ما أدرك الناس الحقيقة إنهار عرش السلطان"، من أجل ذلك يلاحق الديمقراطيون والصحافيون والمعارضون، لأنهم رفضوا التواطؤ ضدّ مصالح الشعب والبلاد واختاروا أن يدفعوا ضريبة الدفاع عن الحرية والكرامة، فتجرّعوا مرارة عذاب السجن والملاحقة والهرسلة ثمنا لمواقفهم الشجاعة وفضحهم خزي هذا النظام وكشفهم ما وراء كواليس المهزلة الانتخابية والمتمرغين في مستنقع الوحل الفاشي.

ففي هذا المنعطف الحاد القريب من الهاوية تمثل صحوة الشعب في جذورها تهديدا لـ"عرش السلطان". الكل يدرك، حتى بن علي، أن وراء هذا الصمت الإرادي والمتفق عليه وهذا الخوف واللامبالاة، تكمن رغبة، ستجعل الشعب يثور على الصمت، دفاعا عن حريته المغتصبة وعن حقه في حياة كريمة. سيثور تطهيرا لرعشة الضمير، سيُضرب عن المقاهي والملاعب والحانات... سيُضرب عن الخوف واللامبالاة وسيخرُج إلى الشارع احتجاجا وهذه المرة لن يُضرب عن الكلام.

إن السلطة تخشى هذا اليوم. اليوم الذي يسئم فيه الصمت هذا الصمت، تخشى أن يتكلم الشعب وأن يسأل "من أين لكم هذا؟". ثمّة حقائق في هذا الوطن النازف يراها الجميع بسطوع العيون، كالفساد والقمع ونهب أموال الشعب وتدهور القدرة الشرائية وارتفاع نسبة البطالة... في ظل دكتاتورية قائمة على الحكم الفردي يزداد فيها الأغنياء غنى والفقراء فقرا.

لذا فإن السلطة اليوم بدأت تدرك المأزق الذي وضعت نفسها فيه. فهي بدأت تحفر قبرها بيدها، وتعجّل من انهيارها رغم التصعيد القمعي المستمر.

فالصحافة والإعلام المستقل في تونس لعبا دورا هاما وبارزا في توعية الشعب ونشر حقائق عجزْ هذا النظام وفضح ممارساته. فقد قامت بتغطية عديد الأحداث الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ومواكبة تطوراتها ونتائجها... (أحداث الحوض المنجمي وأزمة البطالة، الأزمة المالية، انتخابات 2009...). وهو ما جعل السلطة تعيد النظر في حساباتها، ولعل الانقلاب على نقابة الصحافيين كان الخطوة الأولى والدليل القاطع على محاولة السلطة مسخَ الصحافة المستقلة وتعهير الكلمة الحرّة بشتى الطرق حتى ولو كان بسوط الجلاد السياسي. ولاستكمال "فصول الانقلاب" نصّبت "صحفيين" عبدة نظام وكتاب بلاط إنضوا في موكب السلطة يطبلون ويزمرون على إيقاعها.

فماذا ننتظر من قطيع السلطة هذا بقيادة جمال الكرماوي غير الحديث عن عبقرية بن علي في خطابه وتمجيد قدرته على تحويل الفرحة إلى "عرس". وعن قصد ونسيان وتواطئا منهم لم يذكروا جوع الشعب في الوقت الذي ينفق فيه بن علي وذويه الأموال في الدعاية لمسرحيته السخيفة، لم يذكروا التزوير والفساد والقمع... لكنهم كانوا في الموعد لشنّ حملة تشويه وشتم وسباب ضدّ كل الذين رفضوا أن يكونوا مجرّد خرق بالية في بازار السلطة. في الحقيقة لا يمكن تسمية هؤلاء بالصحفيين فهم مرتزقة في سوق للبيع والشراء، سوق لتراكم الأرصدة في بورصة الضمائر المنحطة.

سؤال طالما شغل بالي، ترى عندما تقفون أمام محكمة التاريخ وتُسألون: حين كان الشعب تحت السكين والبلاد مطروحة في سوق المزاد، عندما يرحل الشهداء بسرعة لأنهم رفعوا شعار الخبز والحرية والكرامة الوطنية، عندما بكت أمُ الحفناوي إبنها إلى الأبد، عندما ذرف الأطفال الدمع على الآباء في السجون، عندما... وعندما... وعندما... ماذا كنتم تفعلون؟
ترى بأي لسان ستجيبون؟

حريات... حريات... لا رئاسة مدى الحياة.

فداء


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني