الصفحة الأساسية > البديل الوطني > الدكتاتورية تزيد من قمعها، أوضاع الصّحافيين تزداد سوءا، والمعارضة تواصل (...)
في اليوم العالمي لحرية الصحافة:
الدكتاتورية تزيد من قمعها، أوضاع الصّحافيين تزداد سوءا، والمعارضة تواصل تشتتها...
نيسان (أبريل) 2010

تحتفل القوى التقدمية والديمقراطية، في جميع أنحاء العالم، باليوم العالمي لحرية الصحافة (3 ماي). وتمثل هذه المناسبة، وقفة تأمّل وتقييم لأوضاع الحريات الإعلامية والصحفية وأوضاع الصحفيين في العالم.

ولا يخفي عن أحد، أن أوضاع السلطة الرابعة، آخذة في التراجع، مع استشراس رأس المال واختراقه للإعلام وتوجيهه حسب مصالحه وانتزاع رمزيّته وإفراغه من كل مضمون، رغم الثورة التقنية والاتصالية التي يشهدها العالم في هذا الصدد.

كما أن أوضاع الصحفيين في العالم، ومنهم صحافة الحرب، أضحت مزرية باعتبار تحوّل مراسل الحرب إلى أول ضحية تستهدفه الصواريخ "الذكية" لمنعه من أداء مهمته النبيلة في تعرية آلة الحرب الامبريالية التي تقتل الشعوب وتشردهم بهدف إخضاعهم ونهب ثروات بلدانهم.

والصحافة في تونس، باعتبارها غير معزولة عن برامج الامبريالية في البلدان التابعة والمتخلفة، تشهد من يوم لآخر امتصاصا لقوتها واختراقا لمهامها وتحويلها شيئا فشيئا إلى قطعة من الديكور تزين نظام الحكم وتشرف على الدعاية له وتشوّه المعارضين وتتهمهم بالخيانة والعمالة وتهتك أعراضهم.

لقد قطع نظام الحكم أشواطا كبيرة، في تدجين صحافتنا مسموعة ومرئية ومكتوبة وخلق ذهنية عامة لدى العديد من الإعلاميين جعلتهم إما يختارون موقع المهلل والداعية للسلطة أو موقع المتفرج الذي يختار خطابا جافا يتجنب الخوض في مشاغل وهموم المجتمع بفعل رقابة ذاتية أو مباشرة.

واستطاعت السلطة، بحكم استحواذها على "المؤسسات" التشريعية، بأن تجعل مجلة الصحافة سيفا مسلطا على رقاب الإعلاميين. فبنودها لا تزال محافظة على طابعها الزجري الذي يمثل جلاد الصحفيين وليس المدافع عنه ليصبح مثلا النقد ثلبا، والتحقيق أخبارا زائفة من شأنها تعكير صفو النظام العام عقابه السجن والخطايا المالية.

هذا الإطار التشريعي المتخلف، دعّمه جيش من أرباب المؤسسات الإعلامية، التي تتعامل دون أدنى شك مع أقسام وزارة الداخلية المختصة في القطاع. أو مع المتنفذين في القصر الرئاسي، لترسم خطوطا تحريرية تتوافق مع أجندات الحكم الفردي المطلق والعائلات المافيوزية التي تدور في فلكه وتدافع عن خياراته. وطبعا لا ننسى، فيلقا من أجهزة البوليس، يعتمد المراقبة والملاحقة لنزر من الإعلاميين الذين اختاروا الدفاع عن مبدأ الحق في الإعلام في بلادنا وأحيانا كثيرة للاعتداء عليهم بالعنف المادي واللفظي...

هذه الأوضاع، وهذه الخطة المحكمة من الحكم الفردي المطلق في بلادنا أنجبت صحافة لا ترتقي إلى مستوى مشاغل وهموم الشعب التونسي الذي يعاني الويلات من ارتفاع الأسعار واهتراء المقدرة الشرائية وتنامي الجريمة وانعدام الثقة في قلم حرّ بإمكانه أن يكتب ويتحدّث ويحقـّق في جملة هذه المشاكل ويعرّي المتسببين الحقيقيين فيها ويقدّم مادّة إعلاميّة راقية.

في المقابل، فإن المحاولات التي توجد هنا وهناك من إعلاميين وصحفيين (الفاهم بوكدوس، توفيق بن بريك، سليم بوخذير، لطفي حاجي، أم زياد، سهام بن سدرين...) وجرائد (الطريق الجديد، الموقف، مواطنون) وإذاعات وقنوات تلفزية (راديو كلمة، الحوار التونسي، راديو6...) اختارت الدفاع عن الكلمة الحرة وحرية الرأي والتعبير في تونس كانت تجد الصد من الدكتاتورية عبر السّجن والملاحقة والعنف. وهذا طبيعي من نظام حكم، قاعدته المادية القمع، لأن في ضربه للحريّات دفاعا عن مصلحته ومصلحة الأقليّات التي تدافع عنه باعتبار أن الحريّات الديمقراطية هي العدو اللدود له وتهدد سلطته.

هذا الواقع الرديء على المستوى السياسي، لا يحجب البتة واقعا اجتماعيا أسوأ يعانيه المئات من الصحفيين، من علاقات شغليّة هشة يعيشونها في مؤسساتهم، فالجميع يفزع عندما يسمع بأجر لا يتعدى الـ200 دينار يتقاضاه صحفي يعمل لعشرات السنين. وقد أقام صحفيات وصحفيّو الإذاعة والتلفزة وصحفيّو وصحفيات الصحافة المكتوبة (أخبار الجمهورية، الإعلان، الحدث، كل الناس، الصريح، الصباح، لابراس...) الدليل على ذلك. هذا إلى جانب المئات من أصحاب الشهادات العليا في الاختصاص الذين يقبعون على قارعة الطريق ينتظرون من يأخذ بيدهم ليؤطرهم ويوجههم نحو الدفاع عن حقهم في الشغل...

ولقد شهد القطاع في السنوات الأخيرة، صحوة نسبية طالت حتى العاملين في المؤسسات الإعلامية الرّسمية والموالية الذين نفذ صبرهم فنظموا اعتصامات ووقفات احتجاجية تطالب بتسوية وضعياتهم المهنية، في رد غير مباشر للخطاب الرّسمي الذي يريد احتواء حركاتهم الاحتجاجية ويقدّم لهم وعودا كاذبة بتحسين أوضاعهم الاجتماعية (الأمر الرّئاسي الأخير بخصوص عاملي الإذاعة والتلفزة).

ومثلهم، مثل كل الأجراء، فإن الإعلاميين الذين يتمتعون بوضعيات قانونية (مترسّمون) لم ينجوا أيضا من وضع اجتماعي مزري على مستوى زيادات غير مجزية في الأجور ومراجعات سلبية على مستوى التصنيف المهني والراحات السنوية وظروف العمل والمنح...

وهؤلاء، يحاولون، إمّا عبر هياكل نقابية (الاتحاد العام التونسي للشغل بالخصوص) أو بشكل عفوي أن يدعموا مطالبهم بخطة نضالية تقوم على الضغط الميداني من أجل دفع أرباب العمل إلى تفاوض جدي ومسؤول لتحسين وضعياتهم الاجتماعية التي أنهكها ارتفاع الأسعار، رغم محاولات البيروقراطية النقابية اختراق إرادتهم ووأد محاولاتهم بشتى الطرق.

ولا يخفى على أحد من المتتبّعين أنّ القمع السّياسي والاجتماعي الذي يعانيه قطاع الإعلام في بلادنا، لم تقع مواجهته بخطة منظمة تقاومه وتحسن من موازين القوى بين الدكتاتورية من جهة والصحفيين من جهة أخرى. فالنقابة الوطنية للصحفيين تمّ الانقلاب على شرعيتها وقانونيتها في 15 أوت الفارط من قبل ميليشيات الحزب الحاكم وأذنابهما بأسلوب فاضح و"طريف" تدعيما لنهج النظام في سيطرته وضربه للمنظمات الوطنية المستقلة.

كما تم، لإكساب جماهيرية كاذبة لمنفذي الانقلاب، الضغط وترهيب الصحفيين وتهديدهم بالطرد، إن قاطعوا مؤتمرهم المزعوم، فوقع بذلك الانقلاب، وبدأت في الوقت ذاته ملاحقة وتهديد من اصطفّ وراء الشّرعية والقانونيّة.

وفي الوقت الذي خلنا فيه، أن الصراع الآن أصبح أكثر وضوحا، بين الدكتاتورية والصحافيين، انقسم الجانب الشرعي لأسباب نراها واهية، سواء من هذا الجانب أو ذاك، ليتميز بذلك المشهد بالضبابية والتشتت بين قوى صحفية تقدمية وديمقراطية ومعارضة للدكتاتورية ليكسب نظام الحكم بذلك أكسجينا هو في أمس الحاجة إليه.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فاقتناع عديد الصحفيين بالتنظم في المنظمة النقابية، الاتحاد العام التونسي للشغل عبر النقابة العامة للثقافة والإعلام التي عقدت مؤتمرها الأول الشهر الفارط، زاد نسبيا في انقسام الصف الصحفي وضياع مجهوداته في الدفاع عن حقوق الصحفيين والإعلاميين المادية والمعنوية، وضياع فرص التوحد وتعديل موازين القوى في اتجاه الحريات لا في اتجاه الدكتاتورية...

إن الأوضاع الاجتماعية (طرد، تسريح، بطالة، علاقات شغلية هشة...) والسياسية (سجن، عنف، ملاحقات، حجز...) للصحفيين والجرائد المستقلة، تتطلب وقفة تأمّل تتضمّن حوارا شاملا يتناول هذه الأوضاع، مع وضع خطة تنظيمية تتجاوب مع المرحلة التي تعيشها بلادنا، توحد الصف الصحفي والإعلامي وترسم برنامجا نضاليا يطرح المحاور المباشرة التي تمس القطاع بكل استقلالية عن نظام الحكم وتدعم المراكمات النضالية التي صنعها صحفيو تونس من أجل الحرية والانعتاق الاجتماعي.



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني