الصفحة الأساسية > البديل الوطني > الشعب التونسي لم يحقق طموحاته
بمناسبة الذكرى 54 لـ"إعلان الاستقلال":
الشعب التونسي لم يحقق طموحاته
20 آذار (مارس) 2010

يوم 20 مارس الجاري تكون قد مرّت 54 سنة على "إعلان استقلال تونس" بعد 75 سنة كاملة من الهيمنة الاستعمارية المباشرة. ومن المعلوم أن الشعب التونسي بذل تضحيات جسيمة من أجل طرد المحتل واستعادة سيادته على وطنه. ولكن منذ تاريخ "إعلان الاستقلال" في 20 مارس 1956 وصعود حزب الدستور إلى دفة الحكم، ما انفك السؤال يُطرح عاما بعد عام، وفي كل مرة بأكثر إلحاح من سابقتها، حول ما إذا كان الشعب التونسي جنى ثمرة تضحياته وحقق ما كان يعنيه الاستقلال بالنسبة إليه من استعادة للكرامة الوطنية واكتساب للحرية والحقوق الأساسية وممارسة للسيادة وتحقيق للعدالة الاجتماعية ولنهضة تعليمية وثقافية شاملة تفتح في وجهه أبواب التقدم والتمدن.

وقد ظل الجواب على هذا السؤال يتضح من عام إلى آخر إلى أن أصبح اليوم غير خاف على كل ذي بصيرة. فبعد أكثر من نصف قرن على "إعلان الاستقلال" يجد الشعب التونسي نفسه يرزح تحت نير نظام دكتاتوري بوليسي يحرمه من حريته وحقوقه الأساسية ومن ممارسة سيادته، فلا شيء غير حكم فردي مطلق في شكل رئاسة مدى الحياة وقمع ممنهج لكافة التيارات الفكرية والسياسية المستقلة ولعموم المواطنات والمواطنين وسجون لم تفرغ ولو ليوم واحد من معارض أو مخالف في الرأي أو محتج، وسطو لا يتوقف على الإرادة الشعبية (كان آخره في شهر أكتوبر الماضي وسيكون قادمه في شهر ماي المقبل) وتلاعب دائم بالدستور لجعله على مقاس "السلطان"، وتعددية حزبية وجمعياتية صورية لإخفاء هيمنة الحزب الواحد، وقضاء جائر في غياب تام لروح القانون التي عوضته، على نطاق واسع، "التعليمات". وقد حوّل ذلك بلادنا إلى نموذج للدولة البوليسية القمعية في المنطقة والعالم، لا تذكرها التقارير الحقوقية إلا للإدانة والتشهير.

وقد سخـّر هذا النظام الدكتاتوري البوليسي نفسه لخدمة أقلية محلية، بورجوازية عميلة وفاسدة، ما انفكت تتقاسم نهب البلاد مع دول وشركات ومؤسسات أجنبية كانت قد خرجت من الباب لتعود من "الشباك" وتبسط من جديد نفوذها على الاقتصاد التونسي وتحدد اختياراته وتوجهاته بما يخدم مصالحها ومصالح الرأسمال العالمي عامة. فإذا ببلادنا تغرق في المديونية وفي التبعية التكنولوجية والتجارية وإذا بآلاف الشركات الأجنبية المنتصبة على عين المكان تنهب خيراتها وتستغل أبناءها وبناتها استغلالا فاحشا، وإذا بالأرض يُفوّت فيها لمن هبّ ودبّ ليقيم عليها مشاريع لا فائدة منها للشعب، إلخ. أمّا العصابات المحلية فهي تعبث بالممتلكات العامة وتنهب أملاك المواطنين وتتوسط للشركات والمؤسسات الأجنبية مقابل رشاوى وتحتال على البنوك، إلخ. وهي تستعمل في كل ذلك مختلف أجهزة الدولة لتحقيق مآربها وتخويف وترهيب المواطنين بمن فيهم رجال الأعمال لحملهم على الصمت والإذعان.

إن الشعب التونسي الذي ظل يكدّ ويجدّ لإنتاج الثروة وتحسين مردودية الاقتصاد التونسي وتطوير البنى التحتية للبلاد وتعصيرها، لم يكن نصيبه من كل ذلك سوى البطالة المستفحلة التي تطال حتى أصحاب الشهادات العليا، وظروف العمل القاسية وأجور البؤس والمداخيل الضعيفة التي لا تقدر على مجاراة نسق ارتفاع الأسعار الجنوني ممّا أدّى ويؤدّي إلى تدهور مستمر لمقدرته الشرائية، وتردي الخدمات الصحية والتربوية والثقافية بعد أن طالتها الخوصصة ودخلت مجال الاستثمار والربح، إلخ. وإلى ذلك فقد تفاقمت الجريمة وانتشر البغاء في صفوف الفتيات والنساء والأطفال بسبب الفقر والبطالة، وتحوّل "الحرقان" بما يحمله من مخاطر الموت غرقا في المتوسط، الهاجس الأول لشباب يائس ومحبط.

لقد تعمقت الفوارق الطبقية بين أقلية تزداد كل يوم غنى وأكثرية تزداد كل يوم فقرا. وقد طال هذا الفقر وتدهور مستوى العيش حتى "الفئات الوسطى" التي ظل نظام الحكم يُزَاوِدُ بها لتجميل صورته والنفخ في إنجازاته، فإذا بها تنهار تحت وطأة الخوصصة وتراجع دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي وغلاء المعيشة. كما تعمقت الفوارق والاختلالات الجهوية حتى أن بعض الجهات (الشريط الغربي من شماله إلى جنوبه) أصبحت عنوانا للفقر والبطالة والأمية رغم ما تزخر به من ثروات وطاقات بشرية. وتعصف بمجتمعنا أزمة أخلاقية وقيميّة عميقة، نلحظها حتى من خلال ما أصبحت عليه وسائل الإعلام من سخف وبذاءة. وقد طال التدمير الشخصية الوطنية لشعبنا من خلال ما تتعرّض له اللغة العربية من تدمير ممنهج عبر وسائل إعلام قريبة من السلطة، ومن خلال ما يتعرض له الإرث التاريخي والحضاري لبلادنا من نهب وسرقة وإتلاف رغم صيحات الفزع المتتالية التي يطلقها الباحثون والمؤرخون، ومن خلال ما يروّج له من ثقافة هابطة ومتخلفة في الوقت الذي يحاصر فيه الإبداع وتدجّن العقول.

وما كان من نظام الحزب/ التجمع الدستوري الذي جرّد الشعب من حريّته وحقوقه وفتح الباب مجددا للسيطرة الاستعمارية في أشكالها الجديدة إلا أن يتّبع سياسة خارجية موالية لـ"أولياء نعمته" في باريس وواشنطن وغيرهما من العواصم الغربية، فإذا به ينخرط في تكريس مشاريعهم الهيمنية والعدوانية في المنطقة ويطبّع مع الكيان الصهيوني في السر والعلن لاسترضائهم، ولا يتورّع عن منع الشعب التونسي بالقوة البوليسية الغاشمة عن التعبير عن تضامنه مع أشقائه في فلسطين والعراق ولبنان، إلخ. وهو كلما ازدادت أزمته في الداخل حدة وكبر خوفه من فقدان السيطرة على الأوضاع، زاد خضوعا لتلك القوى الأجنبية حتى تستمر في دعمه وتسكت عن استبداده بالشعب التونسي.

لقد فقدت السيادة الوطنية مع هذا النظام كل معنى ولم تبق منها إلا القشرة التي يشهرها سلاحا في وجه معارضيه في الداخل ومنتقدي استبداده في الخارج، فإذا به يتهم كل معارضة ديمقراطية بـ"خيانة المصلحة الوطنية" التي يقع اختزالها في مصلحة بن علي وحفنة العائلات المتنفذة المحيطة به، كما يتهم كل منظمة حقوقية إقليمية أو عالمية وكل وسيلة إعلام عربية أو أجنبية وكل حزب أو شخصية سياسية تعبّر عن مساندتها لضحايا القمع في تونس بـ"انتهاك السيادة الوطنية" التي لا تعني غير سيادة البوليس على المجتمع التونسي وتحكّمه في أفراده. "خذوا ما شئتم ولكن لا تتدخلوا في الطريقة التي نحكم بها الشعب التونسي"، ذلك هو مفهوم "السيادة الوطنية" عند حكامـ"نا" اليوم، المنشغلين بالحفاظ على السلطة إلى أبد الآبدين كي يحافظوا على مصالحهم الأنانية والضيقة.

تلك هي بعجالة حال بلادنا بعد 54 سنة من "إعلان الاستقلال" ومن حكم حزب الدستور. إن طموحات الشعب التونسي لم تتحقق كما أن المهمات الوطنية والسياسية والاجتماعية والثقافية التي كانت مطروحة عليه لا تزال قائمة اليوم وإن كانت في ظروف ومعطيات جديدة. إن الذي يعطل اليوم نهضة مجتمعنا وبلادنا ويحول دون تحقيق تطلعات شعبنا، ليس إدارة استعمارية مباشرة ومؤسسة بايوية تابعة، وإنما هو نظام/التجمع الدستوري، الدكتاتوري، البوليسي، والفئات الكمبرادورية والطفيلية المحلية التي تسنده والتي تمثل بمعيته الأداة المحلية لاستمرار الهيمنة الأجنبية الاقتصادية والثقافية والديبلوماسية. فلا تحرر فعليا لتونس، ولا كرامة وطنية، ولا استقلالية قرار ولا سيادة على خيرات البلاد وثرواتها، ولا عدالة اجتماعية ولا نهضة ثقافية، إلا بوضع حد لهذا النظام المستبد وإحلال نظام ديمقراطي، وطني، شعبي محله. إن الوطني الحقيقي اليوم، لا الوطني الزائف، الانتهازي، التافه، الذي يرفع الشعارات البراقة ويظهر "فحولته" في سبّ المعارضة الديمقراطية واتهامها بـ"الاستقواء بالأجنبي" لإخفاء تواطئه أو جبنه، هو الذي يعمل من أجل تحقيق تلك المهمة، ويبذل في سبيلها ما تتطلبه من تضحيات.

إن السؤولية، كل المسؤولية تلقى اليوم على عاتق المعارضة السياسية وقوى المجتمع المدني المستقلة، للخروج بالشعب التونسي من نفق الاستبداد المظلم. إن بلادنا في مفترق طرق. فنظام بن علي يريد السير بها نحو المزيد من الانهيار. أما المعارضة الديمقراطية والوطنية فهي مطالبة بالسير بها نحو طريق آخر، طريق التحرر الفعلي والديمقراطية، مستندة في ذلك على قوة الشعب التونسي، الذي لم يعد كما كان قبل أكثر من نصف قرن، فهو اليوم أقوى وأصلب وأقدر، إذا شاء، على تحقيق طموحاته، بشغيلة كبيرة العدد وذات مستوى تعليمي وثقافي متقدم، وجمهور واسع من الإطارات الكفأة في مختلف الاختصاصات (مهندسون، فنيون، أطباء، إعلاميون، أساتذة، خبراء اقتصاديون...) وشباب متحمس يبحث عن التأطير والتوجيه، ونخب نسائية متطلعة إلى تونس أفضل... فلتكن الذكرى 54 لـ"إعلان الاستقلال" فرصة للانطلاق في مناقشة البديل الديمقراطي، الوطني لبلادنا، وللتفكير في خلق حركة سياسية مدنية واسعة لتحقيق هذا البديل. ولتكن أيضا فرصة لتوحيد الكلمة والنشاط حول جملة المهمات الملحة التي يفرضها الوضع والتي من بينها:
- إطلاق سراح كافة المساجين السياسيين ووقف المحاكمات السياسية وسن عفو تشريعي عام.
- رفع القيود القانونية والعملية المضروبة على حرية الإعلام والإعلاميين وعلى حرية التعبير عامة.
- رفع القيود القانونية والعملية المضروبة على حرية النشاط السياسي والمدني.
- رفع الحصار الأمني المضروب على منطقة الحوض المنجمي وإطلاق سراح بقية المعتقلين وإيقاف التتبع ضد الملاحقين وإرجاع كافة المحاكمين إلى سالف عملهم.
- فتح تحقيق جدي ومستقل في ما تعرّض له أهالي المنطقة من قمع وتنكيل وقتل ونهب واعتقالات وتعذيب.

حزب العمال الشيوعي التونسي
تونس في 20 مارس 2010



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني